الشباب المغربي والأحزاب السياسية: هل يصبح الدعم الملكي واقعا سياسيا؟

تم النشر في 4 أغسطس 2026
|
آخر تحديث: 16:44 (بتوقيت مكة)
- الشباب المغربي والأحزاب السياسية: تفسير إرادة العائلة المالكة على أساس حق التصويت
إن إنشاء ديمقراطية حقيقية يتطلب أكثر من مجرد نص القانون؛ ويتطلب إرادة سياسية لترجمته إلى واقع. إن المسافة بين رغبة العائلة المالكة في دمج الشباب والأنشطة الحزبية اليومية تستحق النظر فيها.
عندما نستحضر صورة آرال الفاسي، أحد أبرز مؤسسي عمل الدولة المغربية، يجب ألا نغفل عن أنها تحمل معاني متعددة. كان في مقتبل العمر (26 سنة) عندما تولى ثقل الشأن الوطني وساهم من هذا المنصب في بناء المشروع الوطني.
لم تكن سنوات عمره هي التي أعطته الشرعية، بل قدرته وإيمانه بالمشروع. وهذا الاستحضار ليس اتجاها للحنين، بل هو مرآة لنا لمواجهة واقعنا الحزبي الحالي.
وقد أكد الملك محمد السادس مرارا وتكرارا على ضرورة تجديد النخبة السياسية، والانفتاح على المواهب الشابة، ومواجهة ظاهرة النفور السياسي لدى الشباب بمقاربة جدية بدلا من الحلول الترقيعية.
الإطار القانوني: عندما يسبق النص الممارسة
أنشأ دستور 2011 منظومة متكاملة لإدماج الشباب في الحياة السياسية. ويكرّس الفصل 33 الحق في المشاركة السياسية، ويلزم الفصل 36 الأحزاب السياسية بتوجيه الشعب وتشكيل الإطار.
وذهب إلى أبعد من ذلك من خلال الموافقة في قانون تنظيم الأحزاب على شروط معينة فيما يتعلق بتمثيل الشباب والنساء في لوائح تنظيم الحزب والترشيح.
ومع ذلك، في معظم الحالات، لا تزال الفجوة بين النص والتطبيق كبيرة، وغالبًا ما يأتي الامتثال الرسمي لهذه المتطلبات على حساب التكامل الفعلي.
ومن وجهة نظر قانونية بحتة، فإن هذه المشكلة تخلق خللاً في التمثيل الديمقراطي نفسه. ولا تقتصر الديمقراطية التمثيلية على صناديق الاقتراع، بل تمتد إلى نوعية التمثيل وشرعية القائمين عليه. ويكون التمثيل بالمعنى الدستوري غير مكتمل عندما يتم تعريف القيادة بشكل ضيق، استناداً إلى معايير الأقدمية وأمور “أخرى” بدلاً من الجدارة أو الاستحقاق.
الإرادة الملكية: تعليمات استراتيجية، وليس مجرد خطابات
ولم يتوقف صاحب الجلالة الملك محمد السادس عن إثارة هذه القضية في خطاباته. بل رفعها من دائرة التشخيص إلى دائرة التتبع والمرافقة، مما أعطاها بعداً استراتيجياً يتجاوز الخطابة إلى التوجيه العملي.
وقد أكد الملك محمد السادس مرارا وتكرارا على ضرورة تجديد النخبة السياسية، والانفتاح على المواهب الشابة، ومواجهة ظاهرة النفور السياسي لدى الشباب بمقاربة جدية بدلا من الحلول الترقيعية.
وجوهر هذه الإرادة الملكية هو أنها تفرض مسؤولية مضاعفة على الطرفين. مسؤولية قانونية لفرض الامتثال ومسؤولية أخلاقية لتشجيع الفاعلين على تجديد أنفسهم ونخبهم قبل مطالبة المجتمع بتجديد إيمانه بهم.
وما يجعل هذا التوجيه الملكي فريدا من نوعه هو أنه لا يقتصر على التشخيص، بل يرتكز على رؤية متكاملة تجعل من الشباب أدوات التنمية السياسية، وليس مجرد أموال الحملات الانتخابية التي يتم استثمارها موسميا ثم تفريخها.
لقد أصبح الناخبون الشباب، الذين يحصلون على معلوماتهم من منصات وسائل التواصل الاجتماعي بدلا من التلفزيون ويقيمون الخطاب وفقا لمعايير المصداقية بدلا من البلاغة، لاعبا حاسما في المعادلة.
الحمد: عندما تتحول التعليمات إلى عمل أو إجراء.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى ما يعيشه حزب الاستقلال في ظل قيادته الحالية بقيادة الدكتور نزار بركة. وهذا يمثل نموذجاً يستحق التأمل والإعجاب.
لقد انتهج الحزب نهجا واضحا في جلب الشباب إلى الواجهة، ليس فقط على مستوى الإشراف والتكوين، بل أيضا في مناصب صنع القرار والترشيح، وهو ما يمثل في الأساس استجابة عملية لإرادة الملك ومحاولة حقيقية لسد الفجوة بين نص الدستور وممارسة الحزب.
وهذا الاتجاه هو بمثابة تذكير بما أثبته تاريخ المغرب. وهذا يعني أن الإضافات النوعية الكبرى هي دائماً نتاج أجيال شابة تؤمن بالمشروع الوطني وتمتلك الأدوات اللازمة لتحقيقه.
والرهان اليوم هو تكرار هذه المعادلة في عصر التحديات الجديدة (الوظائف، الرقمنة، الذكاء الاصطناعي، التغيير الاجتماعي). وقبل أن تكون هذه القضايا قضايا المرأة والرجل في السياسة، فهي في الأساس قضايا الجيل الناشئ.
المؤهل الانتخابي: اختبار الثقة
ومع اقتراب الانتخابات، يُنظر إلى قضايا الشباب على أنها رهانات انتخابية واضحة وهي أكثر من مجرد ضرورات أخلاقية.
لقد أصبح الناخبون الشباب، الذين يحصلون على معلوماتهم من منصات وسائل التواصل الاجتماعي بدلا من التلفزيون ويقيمون الخطاب وفقا لمعايير المصداقية بدلا من البلاغة، لاعبا حاسما في المعادلة. إن الأحزاب السياسية التي تقدم لهذا الشاب وجوها شابة تعكس قضاياه وتتحدث بلغته، هي التي تملك المفتاح الحقيقي للتواصل معه.
وهنا تتقاطع الحسابات القانونية والسياسية. القانون يفرض، والإرادة الملكية توجه، والواقع الانتخابي يحفز. وهذا التقاطع هو الذي يجعل جلب الشباب إلى مناصب صنع القرار ليس مجرد تنازل تكتيكي لطمأنة الرأي العام، بل في الوقت نفسه خيار استراتيجي ووطني.
وفي الختام، فإن إصدار الوصية الملكية بشأن الشباب ليس عملا إداريا يكفي للالتزام به رسميا، ولا هو شعار انتخابي يُرفع عندما تدق الطبول في المكتب الانتخابي. بل هو مشروع وطني جدي يتطلب قناعة حقيقية بأن القدرة لا تقتصر على أجيال، وأن الشرعية السياسية تستمد من ثقة الجمهور، وليس من عمر التذاكر الحزبية.
الأحزاب التي تفهم هذه المعادلة اليوم سترسم الخريطة السياسية للغد، أما من يبقى رهينة الأقدمية والاعتبارات «الأخرى» فسيُترك خارج المعادلة بقواعد التاريخ وليس بالقرارات القانونية.
الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.




