مجتمع

أيها المغاربة في جميع أنحاء العالم… ملايين من الناس يصنعون صورة المغرب، لكن القليل منهم يكسب رزقه من محاولة تشويهها

عندما نتحدث عن مغاربة العالم، فإننا نتحدث عن ملايين المغاربة المتوزعين في عشرات الدول بالقارة، بتجارب ومسارات مختلفة، لكن أغلبهم يجمعهم شيء مشترك. يعني أنهم بنوا حياة خارج وطنهم بالعمل والجهد والاندماج، وأن يبقى المغرب حاضرا في ضمائرهم بدرجات متفاوتة، ليس فقط كمكان ميلاد موثق أو أصل عائلي، بل كذاكرة وانتماء وأسرة وثقافة ولغة وثقافة. جذور لا تمحيها سنوات الغربة أو البعد.

يشمل هذا المجتمع العاملين في المصانع والورش والمزارع، والأطباء الذين يعالجون وينقذون الأرواح، والباحثين الذين يعملون في المختبرات والجامعات، والأساتذة والمهندسين والفنانين والكتاب والرياضيين والحرفيين والمقاولين والطلاب. وهناك أيضا آلاف النساء والرجال الذين لم يجعلهم الإعلام نجوما، ولم تجمع منصات التواصل الخاصة بهم ملايين المتابعين، لكنهم نالوا احتراما حقيقيا في مجتمعاتهم، وقدموا صورة للمغاربة على أنهم أكثر تأثيرا، وأكثر أخلاقا وكفاءة وانضباطا. من مئات الحملات الإعلانية والخطب العامة.

ليس على هؤلاء الأشخاص أن يعلنوا وطنيتهم ​​كل يوم. لأنه إذا كان العمل صادقا، وإذا كانت النجاحات مستحقة، وإذا بنيت السمعة بالكفاءة، فإنها جميعا تتحول إلى شكل من أشكال الدبلوماسية الصامتة. الناجحون في المختبرات والمستشفيات والجامعات والشركات والورش، والمحترمون بعلمهم ومهارتهم ونزاهتهم، سيقدم المغاربة لبلدهم خدمات لا تحتاج إلى كاميرات أو شعارات، وسيجعلون الآخرين يربطون اسم المغرب بالكفاءة والعمل الجاد والإبداع.

ولذلك، لا ينبغي أن تقتصر صورة المغاربة في العالم على بضعة أسماء حاضرة دائما في الفضاء الرقمي. لأن المجتمع المغربي أكبر بكثير من بضعة ميكروفونات غاضبة، وأوسع بكثير من مجموعة حسابات بنت سمعتها على الصراع مع المغرب، وأكثر تنوعا وأعمق من الأسماء التي يتحدث بها، والتي يهيمن عليها أشخاص يقضون أيامهم في تسجيل مقاطع مسيئة أو البحث عن قضايا جديدة لإثارة الصراع.

* النقد حق، لكن الشتائم ليست مشروعا سياسيا

لا يحق لأحد أن يطلب الصمت أو التصفيق من المغاربة في جميع أنحاء العالم. من حق كل مغربي مقيم بالخارج أن ينتقد الحكومة والقضاء والأمن والسياسة العامة، بل وحتى الخيارات الأساسية للدولة. كما يحق له الاختلاف مع مؤسسات بلاده والتعبير عن المواقف السياسية المعارضة والقاسية. فالوطنية لا تعني إلغاء العقل، وحب الوطن لا يعني تبرئة كل مسؤول، أو تبرير كل قرار، أو تحويل المؤسسات إلى عالم يمنع فيه النقاش.

لكن فرق كبير بين تحويل الخصومة والخصومة إلى قاموس من الشتائم والقذف والشتائم، وبين انتقاد أداء النظام الملكي ومؤسسات الدولة، واستهداف كرامة الشعب وشرفه، وتوجيه الاتهامات الثقيلة دون دليل. هناك فرق كبير بين القول الذي يريد إصلاح البلد، والقول إن صورة الوطن في صورته قاتمة وفاشلة، ولا يمكن أن تستمر إلا إذا استمر إدانته في كل شيء.

وفي السنوات الأخيرة، يبدو أن الصفحات والقنوات الرقمية تخضع لسيطرة أشخاص يقيمون خارج المغرب، وقد تمكنت من كسب جمهور من خلال تقديم محتوى يعتمد بالدرجة الأولى على الهجمات على المملكة ورموزها ومؤسساتها. وتتجاوز بعض هذه المنصات حدود الخلاف السياسي إلى إهانة رمز البلاد الملك محمد السادس بشكل مباشر، أو إهانة مسؤولين أمنيين وقضائيين وشخصيات عامة، وكأن تواجدهم خارج الحدود أو الاختباء خلف شاشة أو حساب رقمي يمنحهم حصانة أخلاقية ليقولوا ما يريدون دون أن يطلب منهم أصحابها. الأدلة والمسؤولية.

والموقف هنا يجب أن يكون واضحا، دون تردد أو انفعال. ويجب التمييز بين الآراء السياسية التي تنتقد النظام الملكي والقضاء والنظام العام والحكومة، وبين السب والقذف والتشهير والاتهامات التي لا أساس لها من الصحة. ولا يكفي أن يشير الشخص الذي يدلي بتصريح إلى نفسه كمعارض أو ناشط أو إعلامي حتى يتم إعفاءه من تقديم الأدلة أو تحمل المسؤولية عن أي انتهاك. الحرية لا تستبعد المسؤولية، والاختلاف لا يبرر الإهانة، وأحزاب المعارضة التي تحتاج إلى الإهانة لإقناع جمهورها، تعترف فعلياً بضعف قضيتها.

* عندما تصبح الهجمات نموذجاً للبقاء والانتشار

والأكثر إثارة للاهتمام هو أن بعض هذه المنصات لم تعد تتعامل مع المغرب كدولة يمكن أن تكون ناجحة ومخطئة في نفس الوقت، وأصبحت محاصرة في رواية واحدة لا تسمح بأي مجال للحياد. يتم التقليل من أهمية كل إنجاز. وكل نجاح دبلوماسي أو اقتصادي أو رياضي يتم البحث عنه عن طرق لتشويهه؛ فكل خلل اجتماعي أو خطأ إداري أو قضية جنائية محلية يتم تقديمها وكأنها دليل آخر على انهيار البلد بأكمله.

ولذلك لم تعد الحقائق تولد موقفا، بل يتم إعداد موقف وينتظر استخدام الحدث المناسب لتأكيده.

وهنا نؤكد، دون إطلاق اتهامات مجانية ودون تعميم على كل المعارضين في الخارج، أن الصراع مع المغرب بين بعض أصحاب هذه المنصات تحول من موقف سياسي إلى نموذج رقمي يوفر وجهات النظر والانتشار والدخل. لديك كل الحق في التساؤل عما إذا كان هذا هو الحال، خاصة في عصر حيث أصبحت الإثارة سلعة، ويمكن قياس الغضب بالأرقام، وتحولت المنصات إلى أسواق حيث يتم تقييم المحتوى الأكثر إثارة للصدمة والاستفزاز بشكل أكبر من المحتوى الأكثر دقة وتوازنا.

فعندما لم يعد صاحب القناة قادرا على إنتاج محتوى غير الهجوم على المغرب، ويقترن استمرار وجوده بالحاجة إلى إبقاء المنافسة مشتعلة، يصبح السؤال مشروعا: هل لا يزال المغرب محلا للنقد، أم أنه أصبح المادة التي يقوم عليها المشروع نفسه؟

* لا تجعلوا قلة من الناس تصبح واجهة لملايين المغاربة

المشكلة لا تكمن في وجود هذه الأصوات فحسب، بل في أنها أعلى من حجمها الحقيقي، فبينما يبدو في بعض الأحيان كما لو أن المغاربة المقيمين في الخارج هم الذين يخرجون كل ليلة وهم يهتفون من أجل وطنهم، فإن الحقيقة هي أنه خلف هذا الضجيج، يعمل ملايين المغاربة، ويدرسون، ويبتكرون، ويربون الأطفال، ويحافظون على روابط مع وطنهم، ويعيشون حياة عادية منتجة، دون أن يطلبوا من أحد شهادة الوطنية.

إن الإعلام المغربي يتحمل مسؤولية كبيرة هنا. لأنه من غير المقبول أن نعرف أسماء أشخاص يشتمون أكثر مما نعرف أسماء الباحثين المغاربة، وأن تصبح القنوات الصاخبة أكثر شهرة من الأطباء والمهندسين والمبدعين، وأن يتم تهميش العارضات اللامعات بينما تُعطى الإثارة مساحة واسعة بحجة جذب المشاهدين.

فلا داعي لأن يصبح المغاربة في جميع أنحاء العالم مجتمعا يحمد كل شيء، كما لا يليق بهم أن ينحدروا إلى مجتمع غاضب يحتقر كل شيء. إنهم قوة إنسانية وثقافية وعلمية واقتصادية هائلة، حيث، كما هو الحال في أي مجتمع، هناك انتقادات وغضب واختلاف في الرأي، لكن الأغلبية تثبت نفسها ليس بالصراخ ولا بالعمل ولا بالتدمير أو الإضافة، بل بالنشاط داخل المجتمعات التي تعيش فيها، بدلاً من تحويل موطنها الأصلي إلى موضوع للصراع اليومي.

ففي نهاية المطاف، يكون صوت المنادين أعلى من الباحثين، والفضائح من الممكن أن تنتشر بسرعة أكبر من الإنجازات، والقنوات الممتلئة بالغضب من الممكن أن تحصد مشاهدات أكثر من قصص النجاح، ولكن الوقت لا يحافظ على الضجيج بقدر ما يحافظ على الصدمة.

إن مغاربة العالم الذين يمثلون المغرب حقا هم أولئك الذين يضيفون قيمة إلى المكان الذي يعيشون فيه، والذين يزدهرون بعرقهم ومعرفتهم وقدراتهم، والذين يحملون وطنهم في قلوبهم دون المساس بانتمائهم، والذين، عندما تكون الخلافات ضرورية، لا يجعلون من مهنتهم تقويض الوطن ورموزه ومؤسساته.

هذه هي الأغلبية وهذه هي الصور التي تستحق النظر إليها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button