سليمان الريسوني بين خيال النضال ومرارة الإدانة

الخط:
كثيراً ما يلجأ بعض الأشخاص المدانين في قضايا الحقوق العامة، وخاصة تلك المتعلقة بالجرائم والاعتداءات الجنسية، إلى الاختباء خلف قناع “الحرب السياسية” وظلم حقوق الإنسان في محاولة مأساوية وصارخة لمحو سجلاتهم الجنائية وتبييض ماضيهم.
وتمثل التدوينة الأخيرة لسليمان الريسوني مثالا صارخا على هذه العقلية. وهو يحاول عبثاً تحويل قضية جنائية بحتة، قررتها السلطات القضائية على أساس شكوى واضحة وأدلة ملموسة، إلى “مؤامرة سياسية” خطيرة. إذا قرأت نص هذه التدوينة بعناية، سترى بوضوح كيف تحول القلم، أو بالأحرى حساب الفيسبوك، إلى أداة لتصفية الحسابات الشخصية مع مؤسسات الدولة التي تجرأت على تطبيق القانون ورفض سياسة الإفلات من العقاب.
استخدام المشاعر الوطنية كغطاء للترهيب.
افتتح السيد ليسوني مقالته باللعب علناً على الوطنية والمشاعر الوطنية، معبراً عن الألم إزاء موقف إسبانيا بشأن سبتة ومليلية المحتلتين وتمزيق أعلامهما. وهذا المدخل العاطفي ما هو إلا طعم نموذجي لجذب تعاطف القارئ، وليس أكثر من محاولة وهمية للاصطفاف مع مشاكل الأمة قبل مهاجمة هدفه الحقيقي. ومن عجيب المفارقات أن الرجل الذي ينتهك كرامة الفرد وحريته يلقي الآن محاضرات عن الشرف والوطنية، ويستخدم مسألة السيادة كجسر لمهاجمة مؤسسات بلاده.
ويفقد هذا التكتيك الفاضح بريقه عندما يدرك القارئ أن هذا “الألم المزيف” بحق الجمهور ما هو إلا مقدمة لصب غضبه على المؤسسات التي كشفت سلوكه الأخلاقي والقانوني البغيض.
ثم انتقل سليمان الريسوني بسرعة إلى الموضوع الحقيقي، وهو الهجوم الشرس على المؤسسات الأمنية والقضائية المغربية، واصفا إياها بـ”المؤسسات الأمنية المختلة وغير الأخلاقية”، وزعم أن المغرب أصبح “دولة بوليسية”. وهذا يظهر بوضوح عقدة مرتكب الجريمة تجاه الشخص الذي كشف جريمته. ينسى الريسوني، أو يحاول أن ينسى، الرأي العام، لكنه ينسى أن متابعته وإدانته لم تكن بسبب مقالات افتتاحية جريئة أو مواقف سياسية معارضة، بل ردا على اتهامات شاب مغربي تعرض لاعتداءات جنسية (ابن البلد الذي يدعي أنه يدافع عنه). إن محاولات تصوير أجهزة إنفاذ القانون التي تستجيب لنداءات الضحايا وتطبق العدالة على أنها “أجهزة قمع” هي إهانة خطيرة لذكاء المغاربة، واعتداء على استقلال القضاء، ومحاولة يائسة من قبل “مرتكبي الجرائم الجنسية” لجعل أنفسهم ضحايا للرأي العام.
عدم كفاية التوضيحات من جانب الشرطة ومشاركة أجهزة الدولة
ومن أجل إضافة جو من التشكيك إلى أفعاله الشريرة، قام ليسوني بتلفيق أو تغيير الحوار، ولم يتردد في ادعاء أعمال بطولية كاذبة، وأدخل أسماء شخصيات وطنية بارزة في قصص تآمرية ذات حبكات ضعيفة. قصص مثل «ترك الهاتف»، و«النزول على الدرج»، و«مصافحة الأيدي» هي تفاصيل تستحق رواية تجسس رخيصة، وليست واقعًا مؤسسيًا مغربيًا. إن محاولة توريط سياسيين في تبرير جرائم شخصية والادعاء بأنهم توقعوا اعتقاله بسبب “انعدام السلطة” هي محاولة خبيثة للهجوم على بعض مؤسسات الدولة وتضليل القراء للاعتقاد بأن إدانته بارتكاب جرائم جنسية كان قرارا سياديا وسياسيا وليس نتيجة إجراء قضائي عادي لقضية جنائية بحتة.
وفي نهاية التدوينة، يصل خطاب الريسوني العدمي إلى ذروته، حيث يلقي اللوم على الإخفاقات للحكومات المتعاقبة، ويتحمس لسيناريو تقسيم المغرب بين إسبانيا والجزائر وإسرائيل. وهذا الخطاب المليء بالكآبة والتشاؤم ليس تحليلاً سياسياً، بل هو إسقاط نفسي مباشر لانهياره الشخصي والأخلاقي على صورة الأمة. مع سقوط الأقنعة وانهيار السمعة تحت وطأة جرائم الحقوق المدنية، تنشأ لدى الهاربين والمدانين رغبة خفية في رؤية المعبد يسقط ليراه الجميع. ومن السهل بالنسبة له أن يتخيل البلاد تنهار وتنقسم. وذلك لأن العالم الخيالي الذي بناه على أساس ادعاءات ومثل كاذبة بدأ ينهار بالفعل أمام حقيقة أفعاله.
باختصار، ما نشره سليمان الريسوني ليس أكثر من استراتيجية مثيرة للشفقة لخلط الأوراق. إن النضال الحقيقي يتطلب، أولاً، طهارة الأيدي والسلوك الصحيح، ومن تتنجس يديه بانتهاك حرمات الآخرين وانتهاك حريتهم الجسدية، لا يمكن أن يرقى إلى مرتبة واعظ أو زعيم أمة. العدالة تأخذ مجراها، ولكل مؤسسة دور في حماية المجتمع. أما محاولات الاختباء خلف شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان هربا من العواقب الأخلاقية والتاريخية لهذه الأفعال، فهي هراء وخداع عندما تقرأ على أساس أن هناك فرقا شاسعا بين المقاتلين الحقيقيين ومرتكبي الجرائم الجنسية الذين يبحثون عن قارب نجاة سياسي ليغسلوا عارهم الشخصي.
ويكفي بالنسبة لسليمان الريسوني، واعظ الوطن المفترض، أنه يعيش متشردا في بلاد الدكتاتور قيس سعيد، باحثا عن منفذ للهجرة غير النظامية إلى بلد يشرع المثلية الجنسية.. حتى يتمكن من ارتكاب هذه الأفعال المشينة بعيدا عن قصاص القانون والعدالة.




