الرياضة تتحول إلى مستنقع سياسي.. «غطرسة إسبانيا» تمتد إلى «كأس العالم 2030»

ولطالما أبدى المجتمع الدولي إعجابه بالدور النبيل الذي تلعبه الرياضة، وخاصة كرة القدم، في مد جسور التواصل بين الشعوب وتجاوز الخلافات السياسية وتوحيد الثقافات تحت راية المنافسة العادلة.
لكن هذا المبدأ المثالي غالبا ما يصطدم بالواقع العملي القاسي حيث تستخدم الرياضة كأداة ناعمة لإيصال الرسائل السياسية، أو الأسوأ من ذلك، كورقة ابتزاز في مفاوضات لا علاقة لها بالروح الرياضية.
ولعل التصريحات الأخيرة التي أدلى بها رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم، رافائيل لوزان، خلال زيارته لمدينة سبتة المحتلة في 4 سبتمبر 2026، تقدم دليلا واضحا على هذا الانحراف.
وكشفت هذه الزيارة والتصريحات المصاحبة لها عن محاولة مكشوفة للخلط بين السياسة والرياضة، وتحويل أزمة الهجرة الإنسانية المعقدة إلى مجرد وسيلة للضغط الرياضي بهدف الفوز بشرف استضافة نهائيات كأس العالم 2030، مع تجريد المهاجرين تماما من إنسانيتهم والنظر إليهم كأرقام في معادلة جيوسياسية ورياضية.
إن اختيار المدينة المفقودة لاستضافة الجولة الإسبانية من بطولة كأس العالم، التي فازت بها إسبانيا في الولايات المتحدة صيف عام 2026، لم يكن خيارا بريئا ولا مجرد صدفة.
وبينما يُنظر إلى الاستضافة المشتركة لكأس العالم 2030 من قبل المغرب وإسبانيا والبرتغال على أنها رمز لتتويج الوحدة والشراكة الاستراتيجية بين القارتين، اختارت لوزان تحويل الكأس إلى أداة سياسية بحتة لتعزيز مكانتها.
إن تصريحاته بأن “ليس هناك مكان أفضل من سبتة” و”لقد أثبت أهل هذه المدينة أن سبتة هي إسبانيا” هي تصريحات سياسية بارزة متنكرة في ثوب رياضي.
وهذا الاستفزاز المستتر ضد الشركاء المغاربة في المنظمة يقوض بشدة فكرة “التوافق” الذي يدعي المسؤولون الإسبان أنهم يسعون إليه، كما أن استخدام الإنجازات الرياضية لإيصال رسالة سيادة في منطقة حساسة من الحدود يظهر أن الاتحاد الإسباني مستعد للتضحية بتناغم ملفه المشترك من أجل تسجيل نقاط سياسية داخلية وإرسال رسالة تفوق جيوستراتيجي.
ويتجلى الجزء الأكثر قتامة في هذه المناورة الإسبانية في استغلالها الدنيء لقضية الهجرة، حيث تقع مدينة سبتة تحت تأثير التوترات الحدودية المستمرة بسبب موجات الهجرة غير الشرعية.
وبدلا من التعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها مأساة إنسانية تتطلب مقاربة تنموية وحقوقية، فإن الظروف المحيطة بتصريحات لوزان توضح أن الاتحاد الإسباني لكرة القدم ودوائر صنع القرار الإسبانية التي تقف خلفه لا ترى إلا الهجرة وسيلة للضغط على الرياضة.
إن التطرق إلى “التوترات الحدودية الأخيرة في سبتة” في خضم الحديث عن كأس العالم هو رسالة تهديد واضحة: “إما أن تمنحونا النهائي، ملتزمين بشروطنا لبث المباراة، أو سنلعب بورقة الحدود والتدفق ونصور خصومنا على أنهم عناصر مزعزعة للاستقرار وغير قادرين على تأمين التظاهرات”.
هنا، يتم تجريد المهاجرين، الأشخاص الذين يبحثون عن فرصة أخرى للحياة، تمامًا من إنسانيتهم. ولا ينظر إليها المجتمع الرياضي الإسباني على أنها أرواح بشرية، بل على أنها “خطر” يمكن استخدامه لابتزاز شركائه المغاربة، و”حجة” لإقناع الفيفا بأن إسبانيا هي الضامن الوحيد للاستقرار والأمن وبالتالي تستحق استضافة العرس الكروي الأخير.
وفي سياق تبرير حق إسبانيا في استضافة نهائي 2030، لجأت لوزان إلى مصطلحات الغطرسة والهيمنة، مشيرة إلى النجاحات التي حققها المنتخب الإسباني مؤخرا، وقالت إنها لا ترى مبررا منطقيا لإقامة النهائي في مكان آخر، وأن إسبانيا مسؤولة عن “55% من إدارة البطولة”.
وهذا المنطق يقوض الأسس الفلسفية والأخلاقية للملف المشترك. لم تُمنح بطولة كأس العالم 2030 لإسبانيا باعتبارها زعيمة توزيع فتات الخبز على الدول الشريكة، بل للملف الثلاثي الذي يربط بين أفريقيا وأوروبا، حيث إن أي محاولة لاحتكار النهائي من خلال تهديد حجمها التنظيمي (55%) هي محاولة فجة لفرض الأمر الواقع.
عندما تجتمع هذه الغطرسة الرياضية مع التلويح الخفي لبطاقة الهجرة في سبتة، يكتمل المشهد. وتحاول إسبانيا فرض الوصاية الكاملة على كأس العالم من خلال مزيج من الغطرسة الرياضية والابتزاز السياسي والإنساني.
وتصل التناقضات إلى ذروتها عندما تختتم لوزان بيانها بالدعوة إلى “الاستقرار والتوافق واحترام الالتزامات الموقعة” ودعوة الجميع إلى العمل معًا لتقديم “أفضل كأس عالم في التاريخ”.
وكيف يمكن التوصل إلى توافق في الوقت نفسه الذي تصدر فيه التصريحات التي تستفز الشركاء الاستراتيجيين من داخل المناطق الحدودية الحساسة؟
فكيف نستطيع أن نتحدث عن “احترام الالتزامات” في حين يتم التحايل على روح الشراكة المتساوية من خلال استغلال مأساة الهجرة لممارسة الضغوط لتحقيق مكاسب هامشية؟
فالاستقرار الحقيقي لا يبنى على الترهيب، والعمل المشترك يصبح غير مستقر عندما ينظر أحد الأطراف بازدراء إلى شريكه ويرى في الأزمة الإنسانية المشتركة (مثل الهجرة) ذخيرة حية في المعركة من أجل الفوز بالملعب الأخير.
ويشكل البيان الصادر عن الاتحاد الإسباني في سبتة في هذه اللحظة الحساسة (سبتمبر 2026) سابقة خطيرة في عملية المشاركة في استضافة كأس العالم 2030.
تظهر هذه المواقف كيف يمكن أن تتلوث الرياضة بالقذارة السياسية، وكيف يمكن للمؤسسات الرياضية أن تنحدر إلى مستوى استغلال المعاناة الإنسانية وأحلام الهجرة البسيطة لتحقيق انتصارات بيروقراطية وإدارية.
ولابد إذن أن تكون بطولة كأس العالم لكرة القدم 2030 احتفالاً بالذكرى المئوية للبطولة، واحتفالاً حقيقياً بالأخوة الإنسانية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
ولن يتحقق هذا الهدف النبيل إلا إذا أدركت السلطات الإسبانية المعنية أن الشراكة تعني المساواة والاحترام المتبادل، وأن المهاجرين بشر لهم حقوق وكرامة، وليسوا بيادق على رقعة الشطرنج الرياضية للفوز بـ 90 دقيقة من اللعب في الملاعب الإسبانية.
وإذا استمر الخلط المتعمد بين أزمة الحدود وملاعب كرة القدم، فسوف تفقد بطولة كأس العالم أهميتها الأخلاقية والإنسانية قبل سنوات من صافرة البداية.
#الرياضة #تتحول #إلى #مستنقع #سياسي. #غطرسة #إسبانيا #تمتد #إلى #كأس #العالم




