بنسوماش يحذر من اتساع الفجوة بين التحول الذي يشهده المغرب وقدرة السياسة على مواكبته – صوت المغرب

وحذر عبد الحكيم بنشماش، الرئيس السابق لمجلس المستشارين، من أن استمرار ضعف السياسة والوساطة الحزبية في المغرب يمكن أن يصبح عائقا أمام المرحلة المقبلة من نجاح الدولة، نظرا لأن البلاد تواجه حاليا الحاجة إلى هيكلة سياساتها بما يتماشى مع تحسين التخطيط وصنع القرار وتنفيذ المشاريع الكبرى.
واعتبر بنشماش، في مقال افتتاحي نشره صوت المغرب، أن المغرب يستعد لما وصفها بـ”دورة جديدة” من التنمية، لكنه يواجه تحديات تتعلق بالصحة والتعليم والتشغيل والقدرة الشرائية والعدالة المكانية، فضلا عن “منظومة الضغوط المتفاعلة” نظرا للتحولات العميقة التي طالت الدولة والاقتصاد والمجتمع مقابل تغيرات سريعة في السياسة.
وانطلاقا من خطاب تنصيب الملك محمد السادس الذي أعرب فيه عن تطلعه إلى «بدء دورة جديدة في مسار تنمية بلادنا»، رأى السيد بنشماش أن هذه القضية تتجاوز اسم رئيس الحكومة المقبل أو تركيبة الأغلبية، وتطرح أسئلة حول السياسة والمجتمع وتوازن الثقة الذي يمكن أن تحمله المرحلة المقبلة.
وسجل الرئيس السابق لمجلس الشورى أن المغرب شهد خلال ربع قرن الماضي تحولات عميقة، تجسدت في الموانئ وصناعات السيارات والطيران والطرق والسكك الحديدية، والتحول الطاقي، والتوسع الإفريقي، ومرافق الحماية الاجتماعية، وغيرها، بالتوازي مع التحول الاقتصادي والاجتماعي وارتفاع توقعات الجمهور. ومع ذلك، أكد أن هذه التغييرات خلقت “أشخاصا مختلفين” لم يعودوا يشككون في وجود الخدمات العامة فحسب، بل أيضا في جودتها وإنصافها وإمكانية الوصول إليها ومكانتها في المسار التصاعدي للبلاد.
ويرى بنسوماش أن إحدى أبرز الفجوات في هذه اللحظة بالمغرب، باعتبار أن هذه الفجوة وصلت اليوم إلى “عتبة الأزمة”، تكمن في أن “قدرة الدولة على تغيير البلاد” تتقدم بوتيرة أسرع في كثير من النواحي من قدرة السياسة على استيعاب المجتمع الذي أنتجته هذه التحولات، وفهم ما يحدث في المجتمع، وتحويله إلى خيارات ومعاني سياسية، حتى لو لم تدخل بعض جوانبها الفجوة بعد.
وبالتركيز على ما أسماه “الانكشاف الاجتماعي”، قال بنشماش إنه بدلا من اختزال ذلك في ارتفاع الأسعار أو انخفاض القوة الشرائية، ربطه بتقلص الهوامش التي يمكن للعائلات ادخارها والإنفاق على التعليم والصحة وتحقيق التقدم الاجتماعي، في وقت تعيش فيه العديد من الأسر دون فائض يكفي لاستيعاب آثار المرض والبطالة. وأعرب عن اعتقاده بأن المشكلة تعكس بعمق “الهامش المنخفض للمستقبل نفسه”، بما يتفق مع البيئة الاجتماعية الضيقة التي شكلت تاريخيا أحد مصادر الاستقرار والتقدم.
علاوة على ذلك، رأى السيد بن شماس أن وضع الشباب لا يمكن اختزاله في البطالة، بل هو مرتبط بـ “أزمة الانتقال” من المدرسة إلى العمل، ومن الاعتماد على الأسرة إلى الاستقلال، ومن الجهد إلى الوضع الاجتماعي، وتحدث عن “انكشاف جيلي”. وأضاف أن هذا الجيل يعيش أزمة أمام شاشة مفتوحة على العالم، مقارنة بفرص التعلم والعمل والصحة والدخل ونمط الحياة. وأضاف أنه نتيجة لذلك، أصبحت عدم المساواة أكثر وضوحا، وتسارعت وتيرة المقارنة، وتضاءلت قدرة المجتمع على تحمل الالتزامات طويلة الأجل.
كما حذر من “الانكشاف الإقليمي”، قائلا إن البلاد لم تعد “تعيش بنفس الطريقة عبر أراضيها”، نظرا للاختلافات في الدخل والخدمات والفرص بين المناطق الحضرية والريفية والأحياء والمناطق وداخلها. وحذر من أن تحول المواطنين من التشكيك في غياب خدمات معينة إلى التساؤل عن سبب اختلاف “حصتهم من الدولة” يمكن أن يفتح الباب أمام “تجزئة هادئة للمشتركين العموميين”.
وفي هذا الصدد، ركز السيد بنسوماش على الوساطة السياسية، معتقدًا أنها أصبحت “ليست مجرد مشكلة حزبية سياسية، بل مشكلة وطنية”. وذلك لأن ضعف قدرة السياسيين والأحزاب السياسية على فهم التغيير الاجتماعي يعني، على حد تعبيره، أن الأمة فقدت “آذانها للاستماع إلى أصوات المجتمع”.
وفي معرض استحضاره لاحتجاجات “جيل Z”، ربط بنسوماش هذا الضعف في الوساطة بظهور “التعرض الاحتجاجي”، الذي كشف عن جيل دخل المجال العام عبر الأدوات الرقمية في وقت أبكر مما تم اكتشافه من خلال المؤسسات المسؤولة عن تمثيل وتنظيم الحركة الاحتجاجية. كما حضر فعالية في سبتة، معتقدًا أن الخطر الأكبر هو الرغبة المتزايدة بين المجموعات الشابة للبحث عن مستقبل في الخارج. وهو يرى أن ذلك يتجاوز الثقة في الأحزاب السياسية والسياسة العامة ويثير تساؤلات حول علاقتها بـ«فكرة الأمة المستقبلية» نفسها.
وباعتبار أن المغرب يواجه بالتالي ما أسماه “مخاطر معقدة”، حذر من تفاعل هذه الاختلالات: عائلات فقدت مستقبلها، ومدارس ضعفت قدرتها على تحقيق الترقي، وشباب كان انتقالهم إلى العمل والاستقلال بطيئا، ومناطق تشعر أنها لا تملك حصة غير متكافئة من البلاد، وسياسات غاضبة وعالم مختلف يرونه على شاشاتهم كل يوم.
في شرحه لهذه المخاطر، أشار بنسوماش إلى مفهوم “استنفاد الوقت الوطني” وأوضح أنه في حين أن المغرب يحرز تقدما بالفعل، فإن كل تأخير في الإصلاح يأتي مصحوبا بتكاليف إضافية من حيث الوقت والموارد والثقة ونطاق الإصلاح، بحيث تصبح الفجوات التي يمكن سدها الآن أكثر تكلفة أو صعوبة في تغيير الحقائق الاجتماعية في المستقبل.
وأشار إلى أن هذا الاستنزاف يتزامن مع تحديات تلوح في الأفق، من الحاجة إلى العمل والاعتراف بين الشباب، والاتجاه نحو الشيخوخة مع ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والرعاية واستحقاقات التقاعد، إلى تحديات المياه والغذاء والطاقة والابتكار، فضلا عن توسع الالتزامات الاجتماعية للدول والحاجة إلى اقتصاد قادر على توليد فرص العمل والقيم والموارد اللازمة لتمويلها.
وعلى الصعيد السياسي، أثار بنسوماش مسألة وصول الأموال والشبكات والمصالح إلى مناصب التمثيل والنفوذ، وتساءل كيف تمكنت الأموال المرتبطة بالاقتصاد الإجرامي والملفات الإجرامية من الوصول إلى المناصب المنتخبة والمؤسسات التمثيلية، وما هي الثغرات الموجودة في الاختيار والترشيح والرقابة. وشدد على أن المسألة لا تتعلق بحزب سياسي معين أو إدانة جماعية، بل تتعلق بـ”إفلات السياسة نفسها من العقاب” تجاه التمويل غير المشروع.
في المقابل، أكد أن المغرب يحتاج إلى رأسمال دولة ورجال أعمال قويين للاستثمار وخلق فرص الشغل، لكنه “يحتاج بنفس القدر إلى قواعد أقوى من المال”، موضحا أن استحضاره لمفهوم “الأوليغارشية المفترسة” لم يكن موجها إلى الأثرياء، بل كتحذير من أن الثروة والنفوذ وصنع القواعد تقترب من النقطة التي تصبح فيها موارد لا يتمتع المواطنون بفرص متساوية في صنع القرار.
يقول بنشماش إن الأنظمة الانتخابية، التي تشمل الصحة والتعليم والتوظيف والقوة الشرائية والعدالة المحلية، “تنظر إلى الأشياء بدلاً من الترابط”، وبينما تعامل المواطنين جزئياً كمستفيدين، فإنها تسأل أيضاً عن العدالة، والتقدم الوظيفي، وقيمة الجهد، وتأثير الصوت، ومدى إيمان الناس بوعد البلاد بالمستقبل.
وتطرق بنشماش أيضًا إلى تجربته السياسية داخل حركة «كل الديمقراطيين» وحزب الحداثة الحقيقية، والتي يعتقد أنها قدمت دروسًا حول كيف يمكن لظروف المنافسة الانتخابية أن تحرك المشروع السياسي تدريجيًا بعيدًا عن قيمه التأسيسية، عندما يصبح أصحاب «الشبكات الراسخة» أكثر قدرة على المنافسة من أصحاب الأفكار الذين يحتاجون إلى وقت لبناء حضور اجتماعي. وخلص إلى أن المطلوب ليس مجرد البحث عن “أشخاص جدد وأحزاب جديدة”، بل وأيضاً المساءلة عن الظروف التي تخلق السياسة والحوافز التي توفرها البيئة السياسية.
وخلص بنشماش إلى أنه في حين زادت قدرة الدولة المغربية بشكل كبير على اتخاذ القرارات والتخطيط وتعبئة الموارد وتنفيذها وتصحيحها، فإن السياسة تظل أقل قدرة على خلق “شرعية لا لبس فيها” للقرارات من خلال تحديد من يتخذ الخيارات، ومن يتحملها، ومن يدفع ثمنها، ومن يحاسبه الجمهور في حالة الفشل. ويعتقد أن هذه الفجوة من المرجح أن تتسع بشكل أكبر خلال “دورة التطوير الجديدة” بالنظر إلى الخيارات والمقايضات وتخصيص التكاليف التي سيتم فرضها في المرحلة التالية.
ورأى أن استمرار إضعاف السياسات يمكن أن يتحول من مجرد مشكلة سياسية إلى عائق أمام المرحلة المقبلة من النجاح الوطني، مؤكدا أن التحدي الذي تمثله “الدورة الجديدة” هو قدرة المغرب على بناء “سياسات تتناسب” مع القدرات التي راكمتها الدولة في استشرافها، وقدرتها على اتخاذ خيارات كبيرة وتعبئة الموارد وترجمتها إلى أفعال.




