أثر التفوق الأكاديمي للمرأة على المجتمع المغربي – صوت المغرب

لقد أصبح التفاوت بين الجنسين في الأداء الأكاديمي من أبرز القضايا التربوية التي استقطبت اهتمام الباحثين في العقود الأخيرة، وهي مصدر قلق حقيقي يطرح تحديات جديدة أمام الأنظمة التعليمية على المستويين الوطني والدولي.
وهذا الواقع دفع العديد من الخبراء إلى دق ناقوس الخطر بشأن مستقبل التوازن التعليمي بين الرجل والمرأة وتأثيره على تقسيم الأدوار وتوازن القوى داخل المجتمع.
لقد ظهرت أولى بوادر هذه المشكلة قبل أكثر من ثلاثين عاما في أوروبا والولايات المتحدة، ولكن الفارق الجوهري بيننا وبين تلك الدول كان في كيفية تعاملنا مع هذه الظاهرة. وهناك، بادرت مراكز البحث إلى إجراء دراسات تفصيلية لتحليل الأسباب واقتراح حلول علمية لمواجهتها، لكننا في المغرب اكتفينا بالاكتفاء بالمراقبة والشكوى والشكوى وتبادل الاتهامات والانطباعات، دون اعتماد دراسات منهجية ومقاربات علمية لفهم الظاهرة بدقة وكيفية التعامل معها.
وبينما كان التركيز في العقود الماضية على ضمان المساواة وحصول الفتيات على التعليم، فإن النقاش اليوم يدور حول تراجع أداء الرجال مقارنة بتفوق المرأة في مختلف المستويات التعليمية، حيث تظهر البيانات الرسمية الوطنية والدولية أن الفجوة بين الجنسين في الأداء الأكاديمي مستمرة في التفاقم وأصبحت كابوسا حقيقيا لوزارات التعليم في جميع أنحاء العالم.
تظهر الإحصائيات الصادرة عن وزارة التربية الوطنية المغربية واللجنة العليا للتخطيط أن الفتيات يتفوقن باستمرار على الأولاد في معدلات النجاح والأداء الأكاديمي. فعلى سبيل المثال، في امتحان البكالوريا 2025، بلغت نسبة النجاح للنساء 71.3% مقابل 61.8% للرجال. لكن المشكلة الحقيقية لم تنته عند هذا الحد. وفي الواقع، تشغل الفتيات ما يقرب من 90% من المراكز العشرة الأولى في معظم المؤسسات التعليمية، وفي بعض المؤسسات حيث المنافسة في التوظيف والتوظيف محدودة، وصلت معدلات قبول الإناث إلى 95% أو أعلى.
ولذلك، نحاول بكل تواضع في هذا المقال شرح أبرز المتغيرات التي تفسر هذه الظاهرة، مع التركيز على تلخيص عدد من الأوراق والدراسات من الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، والتركيز على المتغيرات المشتركة بين نظام التعليم والتكوين في المملكة المغربية. وتقتصر هذه المتغيرات على أربعة متغيرات أساسية.
- تغيير المنهج.
- خفض سن الدراسة.
- الواجبات المنزلية المفرطة.
- – قلة المعلمين الذكور في التعليم الابتدائي، ما يسمى بتأنيث المدارس.
1- التغيرات في المناهج المدرسية وأثرها على الرجل.
يشير العديد من الباحثين الكنديين، وخاصة بيير بوتيفين، في دراسته (2007) Le problème de réussite scolaire des garçons:
ركزت تطورات المناهج الدراسية في التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة على مهارات الاتصال واللغة والمهارات التنظيمية، التي تميل الفتيات بشكل طبيعي إلى التفوق فيها، على عكس انخفاض الاهتمام بالأنشطة العلمية والعملية التي عادة ما تحفز الرجال. واتفق الجميع على أن المدارس الحديثة لم تعد قادرة على استيعاب خصوصيات تطور وسلوك الذكور التي كانت عليها في العقود السابقة، وتحولت إلى مناهج دراسية تقوم على اللغة والحفظ والانضباط الذاتي، وهي المناهج التي تميل فيها الفتيات بطبيعة الحال إلى التفوق.
أكدت دراسة استقصائية أجرتها وزارة التعليم في كيبيك (2012) أن 68٪ من المعلمين يعتقدون أن المنهج الحالي لا يحفز الرجال بشكل كاف، وخاصة في المرحلة الابتدائية. كما أظهرت دراسة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) عام 2015 أن أداء الرجال أفضل في البيئات التعليمية التي تعتمد على التجارب والمشاريع التطبيقية، ولكن أداءهم أسوأ في الأنشطة اللغوية الممتدة والمهام الكتابية المتكررة. وهذا يعني أن الفتيات أكثر عرضة للنجاح بسبب التطور المبكر للمهارات اللغوية، ويفسر نتائج كل من اختبارات PISA وTIMSS، التي تظهر أن الفتيات يتفوقن باستمرار في القراءة عبر الدول الأعضاء.
وينطبق هذا التحليل جزئيا على المنهج المغربي. بعد إصلاح الميثاق الوطني للتعليم والتدريب في عام 2003، اكتسبت مهارات التواصل والتعبير مكانة أكبر في العملية التعليمية لنظام التعليم الوطني، وبالتالي فإن المنهج الحالي يمنح امتيازات غير مباشرة للنساء في المراحل الأولى من التعليم.
2- تقصير سن الدراسة وأثره السلبي على الذكور.
وقد يستغرب البعض معرفة علاقة خفض سن الدراسة بهذه الظاهرة. وفي الواقع، كلما انخفض سن المدرسة، كلما حظيت النساء، بشكل غير مباشر، بمعاملة تفضيلية على الرجال. تظهر الأبحاث التي أجرتها كل من وكالة التعليم الوطنية (NEA) وأبحاث بوتفين (2015) أن الفتيات يبدأن المدرسة بنضج لغوي وعاطفي أكبر، في المتوسط قبل حوالي عام من الأولاد. عندما يبدأ الأطفال المدرسة في وقت مبكر، في سن 5 أو 6 سنوات بدلا من 7 سنوات، فإن الاختلافات في النضج تنعكس بشكل مباشر على درجاتهم وأدائهم الأكاديمي، وهناك فروق بين الأولاد والبنات من سن سنة واحدة. وكما يؤكد الباحث الأمريكي توماس دي (2006)، فإنه مع مرور الوقت، يترجم هذا الاختلاف إلى اختلافات في التحفيز والثقة بالنفس واحترام الذات الإيجابي، مما يزيد من تفوق الفتيات على الأولاد على المدى الطويل.
كان تعميم التعليم وخفض سن الدراسة إلى ست سنوات يعتبر من أبرز الإصلاحات التعليمية في المغرب في ذلك الوقت، لكن تقرير وزارة التربية الوطنية أظهر أن الرجال يعيدون الصف الدراسي بمعدلات أعلى من النساء، مما دفع العديد من المعلمين إلى مناشدة الآباء والأوصياء لتأخير دخول أطفالهم إلى المدرسة الابتدائية.
ولا تكمن المشكلة هنا في خفض سن الدراسة في حد ذاته، بل في عدم مواكبة وتيرة تكييف المناهج وطرق التدريس التي تأخذ في الاعتبار الفروق التنموية بين الأولاد والبنات.
3- الإفراط في الواجبات المنزلية وأثره على الأداء الأكاديمي للرجال.
تعد تحديات التعليم المنزلي من أبرز العوامل التعليمية التي تؤثر على دافعية المتعلم والجودة الأكاديمية. ومع ذلك، فقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن الكثير من هذه المهام يمكن أن يكون لها تأثير سلبي على التعلم، وخاصة عند الرجال مقارنة بالنساء.
أظهر مسح وقت الدراسة المنزلية الذي أجرته منظمة OCDE لعام 2014 أن الفتيات في مستوى المدرسة الابتدائية يقضين في المتوسط حوالي خمس ساعات أسبوعيًا في إكمال الواجبات المنزلية، مقارنة بثلاث ساعات فقط للفتيان. ويعود هذا الاختلاف إلى أن الفتيات يتمتعن بقدرة أكبر على التنظيم الذاتي والانضباط، بينما يحتاج الأولاد إلى تخصيص وقت أكبر للعب والأنشطة البدنية خارج المنزل، فهي مهمة جداً في تنمية الشخصية والتوازن النفسي والاجتماعي.
لذلك، في حين أن المهام الأطول تعتبر ميزة نسبية للفتيات، إلا أنها تشكل عبئًا مرهقًا على الأولاد، مما يزيد من مستويات التوتر والإحباط لديهم ويدفع بعض الفتيات إلى الانخراط في سلوكيات متعارضة مثل الرفض، أو المماطلة، أو الإنجاز السطحي، مما يؤثر سلبًا على تحفيز الفتيات، والثقة في قدراتهن، والأداء الأكاديمي العام.
بالنسبة للأطفال، فإن اللعب، وخاصة اللعب الجسدي، ليس ترفا، بل هو ضرورة نفسية وتربوية أساسية، تساهم في تنمية المهارات الحركية والاجتماعية والتواصلية، وتعزيز مهارات حل المشكلات والتعبير عن الذات. تؤكد الأبحاث التعليمية حول رفاهية المتعلم التي نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ووكالات اليونسكو أن الإفراط في الواجبات المنزلية لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين الأداء الأكاديمي، بل ويمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية من خلال خلق ضغوط نفسية ونفور من الدراسة. وقد تبين أيضًا أنه على عكس الطالبات، القادرات على الاستمرار في التركيز بفضل بيئة منزلية مستقرة، فإن الطلاب الذكور المحرومين من وقت اللعب المنتظم غالبًا ما يظهرون سلوكًا عدوانيًا، وميلًا نحو الملل، والتردد في التعلم.
تؤدي المهام الطويلة للرجال إلى صراع دائم بين متطلبات الدراسة والحاجة إلى اللعب. ويلجأ بعضهم إلى إنجاز الواجبات بسرعة كبيرة دون التركيز أو تقليد واجبات أقرانهم، مما يفقدهم القيمة التعليمية الحقيقية.
ومن ناحية أخرى، انتقد ماركو (2018) التحولات الملحوظة في الممارسات التعليمية المعاصرة. وبدلاً من أن يكون الواجب المنزلي وسيلة لقياس فهم المتعلمين وتعزيز النتائج الأساسية، فقد أصبح في كثير من الأحيان امتداداً مباشراً للدروس ومكملاً للمناهج الدراسية، بحيث فقد الواجب المنزلي جانبه التحفيزي وأصبح أداة للضغط بدلاً من كونه وسيلة للدعم.
ووفقا لبيانات هيئة الإحصاء الكندية (2020)، فإن 62% من الأمهات يساعدن بناتهن يوميا، بينما 44% فقط يساعدن أبنائهن الذكور. وهذا يعني أنه في حين تميل الأسر إلى تقديم المزيد من الدعم للفتيات لإكمال دراستهن، فإن الأولاد يُتركون لتدبر أمرهم بأنفسهم، مما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الجنسين.
4- قلة عدد المعلمين الذكور في التعليم الابتدائي وأثره على الأداء الأكاديمي للذكور.
ويشير الباحث الكندي بوتفين في إحدى دراساته إلى أن “المدارس الحديثة فقدت توازنها الرمزي” نتيجة انخفاض عدد المعلمين الذكور، خاصة في التعليم الابتدائي، حيث لا تتجاوز نسبة المعلمين الذكور في كيبيك 11%. وبدون هذه النماذج الذكورية، تضعف الهوية المدرسية للرجال ويتراجع دافعهم الأكاديمي وانضباطهم.
يمثل المعلمون نماذج سلوكية وقدوة إيجابية تزيد من الثقة بالنفس والشعور بالانتماء لدى الطلاب. تشير الإحصاءات إلى أن الرجال الذين يدرسون على يد مدرسين ذكور يكون أداؤهم في فنون اللغة أفضل بنسبة 8% إلى 12% من أولئك الذين يدرسون على يد أستاذات فقط. وعلى مدى السنوات العشرين الماضية، شغلت النساء أكثر من 60% من وظائف التعليم الابتدائي في المغرب، ومن المتوقع أن يتسع هذا الخلل في المستقبل.
ومن التحليل حتى الآن، يتضح أن تفوق المرأة وتراجع أداء الرجل الأكاديمي ليسا مجرد ظاهرة بيولوجية، بل هو نتاج تفاعل معقد بين العوامل التربوية والنفسية والاجتماعية. إن المناهج الحالية، وأعمار ما قبل المدرسة، وطبيعة العمل الأكاديمي وغناه، وتخصيص المدرسة الابتدائية، كلها تعكس نظاما تعليميا لا يأخذ بعين الاعتبار الفروق النمائية والسلوكية بين الأولاد والبنات.
ولذلك يقترح بوتفان (2021) عدة إجراءات إصلاحية أهمها:
- دمج الأنشطة التجريبية والتفاعلية التي تحفز الرجال في المنهج الدراسي.
- إعادة النظر في سن التعليم الإلزامي وربط الالتحاق بالنضج الفردي وليس فقط السن القانوني.
- – تقليل كمية الواجبات المنزلية والتركيز على التعلم الممتع بدلاً من الحفظ.
- تدريب المعلمين على التعامل مع الفروق بين الجنسين دون تحيز.
- تشجيع وجود المعلمين الذكور كنماذج إيجابية في التعليم الابتدائي.
5- تأثير هذه الظاهرة على المجتمع المغربي.
وما يجب علينا جميعا، كمجتمع مغربي، أن نفهمه هو أن تأثير هذه الظاهرة ليس مجرد رقم يؤكد تفوق ونجاح المرأة على الرجل، وحصولها على المزيد من فرص الشغل والسلام، بل إن آثارها تمتد حتما إلى المجتمع وسوق العمل والعلاقات الأسرية.
وبحسب المندوبية السامية للتخطيط، فإن نسبة النساء الحاصلات على شهادات عليا ارتفعت بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين، مما زاد من حضورهن في المجتمع في مجالات مثل التعليم والصحة والوظيفة العامة بشكل عام. وقد أدى هذا التغيير إلى ظهور فوارق جديدة في الأدوار الاجتماعية، إذ تشغل العديد من النساء مناصب أكثر تقدما اقتصاديا من الرجال.
ومع ذلك، فإن هذا التفوق الأكاديمي والمهني صاحبه للأسف زيادة في معدلات الزواج المتأخر، والمعروفة أيضًا بمعدلات عدم الزواج مطلقًا. وبحسب تقرير المندوبية العليا للتخطيط 2025، هناك أكثر من 4 ملايين امرأة غير متزوجة فوق سن الثلاثين، خاصة بين الموظفات. ويرى بعض الباحثين أن ذلك يعكس ما يسمى بالخلل الاجتماعي في الزواج، والذي ينشأ نتيجة التفاوت بين الرجل والمرأة في التعليم والعمل والوضع الاجتماعي.
في الثقافة المغربية، لا تزال العادات تمنع النساء المتعلمات من الزواج من رجال ذوي وضع اجتماعي أو اقتصادي أدنى، مما يخلق توتراً بين النجاح المهني واستقرار الأسرة.
تفسر الأبحاث السوسيولوجية المغربية، مثل بحث فاطمة المرنيسي والدكتور مصطفى محسن، هذه الظاهرة على أنها انعكاس مباشر لتحول الأدوار الاجتماعية وتغير معايير الوضع الاجتماعي داخل المجتمع.
ومع ذلك، تبقى الأسئلة الأساسية التي تطرح فيما يتعلق بهذه الظاهرة قائمة. فهل الإصلاحات التعليمية مثل تعديل المناهج المدرسية وخفض سن الدراسة وزيادة الواجبات المنزلية وتأنيث المدارس الابتدائية حدثت بشكل طبيعي وبدوافع تعليمية بحتة؟ أم أنه نتيجة لتوجه مقصود ومخطط من قبل مؤسسات الفكر الاستراتيجي، مخطط ليلاً ويهدف إلى تعزيز الحركة النسوية وإعادة توزيع الأدوار الاجتماعية وتوازن القوى داخل المجتمع؟
ويصبح هذا السؤال أكثر شرعية عندما ندرك أن هذه التغيرات تزامنت تاريخيا مع صعود الحركات النسوية على المستوى العالمي وزيادة المطالبات بما يسمى “الكوتة النسائية” في السياسة وفي المناصب العليا وصنع القرار.
وفي الختام، لا ينبغي استخدام هذه الظاهرة كذريعة لتبرير تأخر الأداء الأكاديمي للرجال، إذ لا يمكن تفسير تراجع الأداء الأكاديمي للرجال بهذه العوامل وحدها، ولا شك أن هناك عوامل أخرى مؤثرة. كما لا بد من التركيز على النماذج الذكورية الجيدة ودراستها من خلال البحوث الاجتماعية والسوسيولوجية، والمساهمة في إعادة التوازن داخل المجتمع وإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح من خلال تقديم القدوة وتوفير الأساس العلمي الذي يمكن أن تقوم عليه الإصلاحات المستقبلية.
السيد جمال حبوز
*إطار الإرشاد التربوي بزاكورة
المراجع والمصادر
- بوتفين، بيير. قضايا منطقة مدارس الأطفال. جامعة كيبيك، 2010.
- وزارة التربية الوطنية والتعليم الابتدائي والرياضة. تقرير عن نتائج امتحان البكالوريا 2025. الرباط، 2025.
- مكتب المفوض السامي للتخطيط. عدد النساء والرجال. الرباط، 2024.
- توماس دي. الفروق بين الجنسين في أداء المعلم والطالب. مجلة الموارد البشرية، 2006.
- جامعة ستانفورد. الاختلافات في الواجبات المنزلية والتحفيز حسب الجنس. دائرة التربية والتعليم، 2014.
- الرابطة الوطنية للتعليم (NEA). الفروق بين الجنسين في التعلم المبكر. واشنطن، 2018.
- المرنيسي، فاطمة. الحريم السياسي: الأنبياء والنساء. الدار البيضاء، 1991.
- محسن، مصطفى. سوسيولوجية التربية والتغيير الاجتماعي في المغرب. الدار البيضاء: شرق أفريقيا، 2012.
- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE). نتائج استطلاعات PISA وTIMSS. باريس، 202.




