ملفات الفساد تضع المعارضة المغربية تحت تدقيق “الشفافية” وحزب الأغلبية يلتزم “الصمت”

ياسر الرقاص
قبل أيام من توجه مجلس النواب إلى التصويت على التجديد في 23 سبتمبر 2026، وضعت الجمعية المغربية لمكافحة الرشوة “شفافية المغرب” حدا للخلافات السياسية العميقة في طريقة تعامل الأحزاب السياسية مع قضايا الفساد وحماية المال العام.
وبينما سارعت المعارضة اليسارية إلى إصدار تعهدات مكتوبة ومواقف واضحة، اختار حزب الأغلبية الحكومية والأحزاب الأخرى التزام الصمت، متجاهلين الجهود التي يقودها المواطنون لوضع خططهم الانتخابية تحت مجهر المساءلة.
وفي أواخر يوليو/تموز الماضي، وجهت الجمعية رسالة رسمية إلى ممثليها في البرلمان، تعرضها لثلاثة اختبارات أساسية: التعديلات المثيرة للجدل على قانون الإجراءات الجزائية (المادتان 3 و7) التي تحد من تدخل المجتمع المدني، ومسألة تجريم المكاسب غير المشروعة بناء على الإقرارات بالممتلكات، وأخيرا الآلية المقترحة لاحتواء حالات تضارب المصالح.
فئات سياسية متميزة: تفاعل اليسار وامتناع الأغلبية عن التصويت
وأظهر البيان الختامي للرابطة، الذي صدر اليوم 16 سبتمبر 2026، وحدة سياسية ملحوظة. واقتصرت الردود على أربعة أحزاب سياسية ذات مرجعية يسارية، تتمثل في اتحاد القوى الشعبية الاشتراكي، والحزب التقدمي الاشتراكي، ورابطة اليسار الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الموحد.
ومن ناحية أخرى، ومن حيث “الشفافية”، فمن المؤسف للغاية أنه بالإضافة إلى الأحزاب الرئيسية الثمانية بقيادة المؤتمر الوطني لحزب الأحرار، وحزب الحداثة الحقيقية، وحزب الاستقلال (تشكيل حكومة ائتلافية)، لم يكن هناك أي تفاعل بين حزب العدالة والتنمية، والحركة الشعبية، والاتحاد الدستوري، والحركة الديمقراطية الاجتماعية، والجبهة العسكرية الديمقراطية.
ويقول مراقبون إن هذا الصمت يطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى جدية هذه المنظمات في انتهاج سياسات وقائية صارمة ضد الاستغلال الريعي.

جبهة موحدة ضد التضييق على المجتمع المدني وتجريم “التخصيب”
إن القراءة المتأنية لردود الأطراف الأربعة تكشف عن اتفاق شبه كامل فيما يتعلق بأوجه القصور في النظام القانوني الحالي، ولا سيما القيود المفروضة على حقوق منظمات المجتمع المدني في مقاضاة الجرائم ضد المال العام (المادتان 3 و 7 من قانون الإجراءات الجزائية). ونتيجة لذلك، اعتبرت رابطة اليسار الديمقراطي هذا التوجه “انتكاسة قانونية ودستورية”، وشددت على ضرورة الحفاظ على حقها في تقلد المناصب العامة كحزب سياسي مدني.
في المقابل، أيد الحزب التقدمي الاشتراكي هذا الموقف، معتبراً أن تبرير الشكاوى لا ينبغي أن يستخدم لحرمان المواطنين من القدرة على فضح اختلاس الأموال العامة. واستذكر الاتحاد الاشتراكي تصويت الفريق البرلماني السلبي على هذه المواد، فيما رأى الحزب الاشتراكي الموحد في التعديلات محاولة واضحة للحد من دور الجمعيات وحماية “لوبي الفساد”.





وأعلنت الأحزاب الأربعة عزمها على تقديم مشروع قانون لتجريم الإثراء غير المشروع، والذي اعتبر بمثابة قنبلة موقوتة في المشهد التشريعي المغربي وتم سحبه مرارا وتكرارا من البرلمان تحت ضغط جماعات المصالح.
واقترحت «عصبة اليسار» آلية متقدمة «لعكس عبء الإثبات» تقتضي من المسؤولين تبرير مصادر ثرواتهم، في حين لفت التحالف الاشتراكي الانتباه إلى أن أغلبية أعضاء الحكومة السابقة سحبت مقترح مشروع قانون تقدم به المسؤولون بهذا الخصوص.
نهج مبتكر لمكافحة “تضارب المصالح”
وتجاوزت ردود أفعال أطراف الحوار لغة الشعارات إلى اقتراح الآليات الفنية والمؤسسية. واقترح الحزب التقدمي الاشتراكي توفير إطار صارم لمنع الخلط المباشر بين ممارسة السلطة والرقابة العامة من جهة، والمعاملات الاقتصادية الخاصة من جهة أخرى.
وفيما يتعلق بالفدرالية اليسارية، فقد قدمت مقترحات مستوحاة من المعايير الدولية، بما في ذلك آلية «الاستقالة الطوعية»، واعتماد نظام «الأمانة العمياء» لكبار المسؤولين، وحظر الأنشطة الاستشارية التي يقوم بها الوزراء السابقون والمسؤولون في الشركات الخاضعة للإشراف، لمنع ما يسمى «الباب الدوار» بين السياسة والعالم المالي.




السياق المهم ومسؤولية الناخبين
ويأتي هذا التصنيف المنهجي لمواقف الحزب في وقت حرج حيث أصبح المجتمع يدرك بشكل متزايد مخاطر الفساد الهيكلي وتأثيره المباشر على تكاليف المعيشة والعدالة الاجتماعية. وبما أن مبادرة “الشفافية” لا توثق التزاما مكتوبا فحسب، بل تضع الكرة في أيدي الناخبين المغاربة قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع في 23 سبتمبر/أيلول، فإن السؤال يبقى مطروحا: هل سيحاسب الرأي العام الأحزاب التي تختار الصمت لتجنب التدخل التشريعي في معركة حماية المال العام؟



