مجتمع

كبار السن المغربيين الغربيين

لعقود من الزمن، ظل حلم العودة إلى المغرب رفيقا صامتا للجيل الأول من المهاجرين المغاربة في أوروبا الغربية. كلهم يؤجلون اتخاذ القرار إلى ما بعد التقاعد، أو بعد أن يكبر أطفالهم، أو بعد أن يبنوا منزلاً في الريف. تقاعد، وكبر أولاده، واكتمل البناء، لكن الحقيبة بقيت. وهذا التناقض لا يرتبط ببلد بعينه، بل يتكرر في فرنسا وبلجيكا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وغيرها، وهي موطن لمغاربة كبار السن يُعرفون في الأدب الفرنسي باسم “السيباني” (أي شخص كبير السن جاء للعمل واستقر). يناقش هذا المقال هذه الظاهرة في سياق غربي أوسع، حيث تساعد البيانات والأبحاث المتوفرة على فهم وضع هذا الجيل، وتتخذ من هولندا نموذجًا.

جيل التبني: عندما يتحول المؤقت إلى مصير

بدأت هجرة المغاربة إلى أوروبا الغربية على نطاق واسع في الستينيات في إطار اتفاقيات توظيف العمال التي أبرمها المغرب مع العديد من الدول الأوروبية، بما في ذلك الاتفاق مع هولندا في 14 مايو 1969. وصل الرجال أولا للعمل في المناجم والمصانع والموانئ والورش، وبعد توقف الاستقدام في أوائل السبعينيات، انضمت إليهم عائلاتهم من خلال لم شمل الأسرة. نظرت الدول المستقبلة إلى العامل كحل مؤقت لنقص العمالة، واعتبرت الدول المرسلة هجرة العامل منفذا اقتصاديا ومصدرا للتحويلات المالية، بينما رأى المهاجر في انشقاقه مرحلة عبور لجمع الأموال وبناء منزل في وطنه. إلا أن الإقامة أصبحت أطول، وولد ونشأ أبناء وأحفاد، وتحولت الفترة “المؤقتة” إلى حياة مرضية. اليوم، يصل الجيل الأول إلى مرحلة الشيخوخة في مجتمع لم يخطط له قط أن يكبر.

أسطورة العودة

يستخدم الباحثون في علم اجتماع الهجرة مفهوم “أسطورة العودة” لشرح حالة المهاجرين الذين ما زالوا يعتقدون أنهم سيعودون يوما ما ويبنون حياتهم اليومية على أساس هذه الفرضية. والمقصود بالأسطورة هنا ليس وهماً بالمعنى السلبي، بل هي آلية نفسية واجتماعية تعطي معنى لمشاعر الغربة وتجعل صعوبات العمل والبعد عن الأسرة محتملة. وبالنسبة للمغاربة، فإن هذا الحلم يتغذى على الروابط العائلية الممتدة، والبيئة اللغوية والدينية، والأهمية الروحية العميقة للدفن في تراب الأجداد. ولذلك، حتى لو قرروا الاستمرار في العيش في أوروبا، فإن العديد منهم ينضمون إلى صناديق التضامن لنقل جثثهم إلى المغرب. وهنا يظهر التناقض. وسيكون الجثامين في الغرب وسيتم اتخاذ الترتيبات المسبقة للعودة إلى وطنهم بعد الوفاة.

معوقات العودة: النموذج الهولندي

العامل الأول هو الحقوق الاجتماعية والدخل. من حيث المبدأ، يمكن تحويل معاشات الشيخوخة الأساسية إلى المغرب من خلال وكالة التأمين الاجتماعي الهولندية، لكن التحويل الرسمي إلى الموطن المغربي يؤثر على قيمة المبلغ، وإمكانية الاستقطاعات وإجراءات المراقبة، حيث يجب على المتلقي أن يثبت بانتظام أنه على قيد الحياة. وترتبط المساعدات الاجتماعية الأخرى بالإقامة في هولندا، وبالتالي لا يمكن الاحتفاظ بها بشكل دائم في المغرب. لن يكون دعم تعزيز العودة إلى الوطن متاحًا للطلبات الجديدة اعتبارًا من بداية عام 2025.

والثاني هو التأمين الطبي وتأمين الرعاية الطويلة الأجل. لن يستمر التأمين الصحي الهولندي إذا انتقلت إلى الخارج ما لم يتم استيفاء شروط معينة، مثل الإقامة في دولة أوروبية أو دولة أبرمت معها هولندا اتفاقية. بخلاف ذلك، يجب على المستلم تأمين نفسه في بلد الإقامة الجديد. وقد لا تنطبق هذه الشروط على الإقامة بالمغرب، لذا ينبغي على جميع كبار السن التحقق من وضعهم الخاص قبل اتخاذ القرار. وما يعنيه هذا من الناحية العملية هو أن كبار السن المرضى قد يفقدون نظام الرعاية المتكامل الذي اعتادوا عليه، من طبيب الرعاية الأولية إلى الرعاية المنزلية إلى الأدوية المغطاة بالتأمين، ثم يبدأون من جديد بنظام مختلف عندما يصبحون أكبر من أن يتمكنوا من إجراء التحول.

العنصر الثالث هو الأسرة. وكان المهاجرون يحلمون بالعودة مع أبنائهم، لكن أبنائهم نشأوا في مدارس غربية، ولهم وظائفهم ولغاتهم وأسرهم الخاصة، ولا يرون في المغرب بلدا مستقرا. عندما يصل الأحفاد، يصبح من الواضح أن مركز ثقل الأسرة قد تغير إلى الأبد. وجد هؤلاء كبار السن أنفسهم في مواجهة مقايضة صعبة بين العودة بمفردهم إلى بلد متغير والبقاء بالقرب من العائلة في بلد لم يعودوا يشعرون فيه بالانتماء الكامل. بالنسبة للكثيرين، لا يتعلق قرار البقاء بالتخلي عن الحلم، بل بالأحرى إعطاء الأولوية للعائلة على الموقع.

أما العامل الرابع فهو التغيرات التي يشهدها المغرب نفسه. مغرب الذكريات هو البلد الذي يحلم به المهاجرون، لكن في الواقع المغرب أصبح متحضرا وتغيرت الأسعار وإيقاع الحياة، وتراجع دور الأسر الممتدة في رعاية المسنين. وقد يتم التعامل مع العائدين كزائرين في بلدانهم الأصلية، لكنهم يشعرون بالاستبعاد المضاعف. في أوروبا هو دخيل لأنه ابن مهاجرين، وفي المغرب دخيل لأنه ابن غائب. ولذلك، ابتكر العديد من الناس نظام “العيش عبر المضيق”، حيث يقيمون لبضعة أشهر هنا وبضعة أشهر هناك. إنها طريقة تثير الحنين، ولكن مع تقدمك في السن تصبح متعبة ومكلفة، مما يؤدي في النهاية إلى تحويل الإقامات الطويلة إلى زيارات قصيرة.

الشعور بالغربة في الشيخوخة: لغة الأرقام

إذا كان الرحيل صعبًا، فليس من المريح دائمًا البقاء. وأظهرت دراسة نشرت سنة 2023 أن نحو 58 بالمئة من المهاجرين المغاربة في الفئة العمرية ما بين 55 و64 عاما يعانون من مستويات معتدلة من الوحدة، مقارنة بـ21 بالمئة من المنحدرين من أصول هولندية. أما بالنسبة للوحدة الشديدة، فقد أفاد 12% من كبار السن المغاربة أنهم يشعرون بالوحدة، مقارنة بـ 4% من كبار السن الهولنديين. والأهم من ذلك، ربط الباحثون هذه النتائج بعوامل خاصة بالمهاجرين، مثل الحواجز اللغوية، والتمييز، وخيبات الأمل في علاقات الأطفال، وليس فقط بنقص الروابط الاجتماعية. وتشير التوقعات المنشورة بناء على دراسات أخرى إلى أن عدد المغاربة الذين تبلغ أعمارهم 55 عاما فما فوق في هولندا قد يقترب من 180 ألف شخص، وهو تقدير لحجم المجموعة المعنية.

دور الرعاية والتمريض: حيث تظهر الفجوات

عندما تكون الأسرة غير قادرة على تلبية احتياجات شخص مسن، أو عندما تتدهور صحة شخص مسن، يصبح الانتقال إلى دار رعاية المسنين أو دار رعاية المسنين ضروريًا. تعتبر الأنظمة الغربية في هذا المجال، بما في ذلك النظام الهولندي، متقدمة تكنولوجياً وجيدة التنظيم، ولكنها مصممة بشكل أساسي للمجتمعات المحلية. ويمكن تلخيص أوجه القصور في خمسة جوانب.

الأول هو اللغة. لم يتعلم معظم أبناء الجيل الأول لغة البلاد بشكل جيد بما يكفي للتعبير عن آلامهم واحتياجاتهم، وكان بعضهم يتحدث باللهجات أو الأمازيغية فقط. وفي حالة الخرف تتضاعف المشكلة، حيث يميل المرضى إلى العودة إلى لغتهم الأولى، ويفقدون اللغات التي اكتسبوها فيما بعد، ويجدون أنفسهم محاطين بأشخاص لا يفهمونهم أو لا يفهمونهم. عندما ينهار التواصل، تنهار الرعاية نفسها أيضًا.

والشيء الثاني هو الطعام. الطعام الحلال جزء من الهوية والالتزام الديني، وإذا لم يتم تناوله بانتظام أو كانت الوجبات غريبة على الأذواق المغربية، تقل شهية كبار السن للطعام أو يمتنعون عن الأكل، مما يؤثر على صحتهم ويضعف إحساسهم بالتواجد في المنزل. تزداد حالات الحساسية خلال شهر رمضان، حيث يحتاج الصائمون إلى عناية خاصة عند تناول الطعام بسبب ظروفهم الصحية.

والثالث: العبادة والطهارة. وتتطلب إقامة الصلاة في أوقات محددة هدوء المكان، ومعرفة اتجاه القبلة، وسهولة الوضوء لمن لا يستطيع الحركة، وهو ما لا يتوفر دائما في المرافق غير المخصصة لهذا الغرض. غالبًا ما يتم التعامل مع هذه الاحتياجات على أنها تفاصيل شخصية، ولكنها بالنسبة لكبار السن هي جوهر الحياة اليومية.

والرابع هو الخصوصية والتواضع. تشعر العديد من النساء الأكبر سناً في المغرب بإحراج شديد إزاء تلقي العناية الشخصية من الرجال، كالاستحمام وارتداء الملابس، وينطبق الشيء نفسه على بعض الرجال تجاه النساء. وإذا لم تؤخذ هذه الحساسية بعين الاعتبار فإن النساء الأكبر سنا قد يرفضن الاستحمام أو يتوقفن عن ممارسة الأنشطة، مما قد يؤدي إلى تفاقم حالتهن الصحية والنفسية.

العامل الخامس هو الجو الاجتماعي والثقافي. تبدو الأنشطة المشهورة في المؤسسات الغربية غريبة على كبار السن الذين نشأوا على الحكايات الشعبية والأغاني والتلاوات القرآنية والشاي بالنعناع والتجمعات العائلية الكبيرة. ولذلك، فقد بُذلت جهود محدودة في هولندا فيما يتعلق بدور رعاية المسنين المخصصة لكبار السن من أصل تركي ومغربي. تقدم هذه المبادرات مرافقة روحية إسلامية، ومأكولات حلال تناسب أذواقكم، ومساحات منفصلة للرجال والنساء، وبرامج باللغات التركية والعربية والأمازيغية. وهي تسعى جاهدة للحفاظ على نسبة العمال من أصل مهاجر بين موظفيها في حدود 50-60 في المائة، مع مراعاة اللغة والمعرفة الثقافية. وقال مؤسس إحدى هذه المرافق إن المرافق التقليدية لا تقدم التخصص الكافي وأن الأبحاث تظهر اختلافات كبيرة في نوعية تجارب الحياة بين المهاجرين وكبار السن المحليين. ومع ذلك، لا تزال هذه النماذج استثناءات وغير كافية لتغطية احتياجات جميع الأجيال.

خارج الإنتاج: حيث يكون الاختلاف أكبر

ويتجلى هذا التناقض بشكل واضح عندما تقترب المواعيد النهائية. وتظهر دراسة حول الرعاية التلطيفية بين المسلمين، بتمويل من المعهد الهولندي للصحة والرعاية والابتكار، أن العديد من الممارسات الدينية والمنزلية التقليدية، مثل استشارة الإمام واستخدام الأعشاب والزيوت، يتم استبعادها من المناقشات مع الفرق الطبية، وأن الحديث عن الاقتراب من الموت غالبا ما يتم تجنبه. نحن نعلم أيضًا أنه على الرغم من رغبة العائلات في كثير من الأحيان في استمرار العلاج لأطول فترة ممكنة، فإن بعض الأطباء والممرضات يعتبرون ذلك مخالفًا لمبادئ الرعاية التلطيفية، مما يؤدي إلى سوء فهم متبادل وشعور العائلات بعدم الفهم وعدم وجود صوت مسموع. وفي كثير من الحالات، لا توجد أدوات تفاعلية أو مواد تعليمية تأخذ هذه الخصوصيات بعين الاعتبار.

بالإضافة إلى ذلك، هناك جوانب شرعية تقضي بحضور أفراد الأسرة مع المحتضر، وتعليمهم الشهادة، وتوجيههم إلى القبلة، وغسل الميت وتغطيته، والتأكد من تعجيل الدفن. وهي أمور تحتاج إلى ترتيب مسبق وتفهم من قبل إدارة المنظمة. وبدون هذا الفهم، يغادر كبار السن هذا العالم وهم يشعرون وكأنهم غرباء، حتى في لحظاتهم الأخيرة.

الثقافة الأسرية والإحراج المنزلي

ولا يقتصر المشكل على المؤسسات، بل يمتد إلى تعبير المجتمع المغربي نفسه. تعتبر العديد من العائلات إيداع والديها في دار رعاية المسنين بمثابة تنازل عن حقها في الإكرام، ولأنها تخاف من أعين محيطها ومجتمعها، فإنها تؤجل القرار حتى تنهار قدرتها على التحمل ويصل كبار السن متأخرين إلى الدار. وتزداد الاختلافات عمقا لأن النموذج الغربي للرعاية يقوم على الاستقلال الفردي والاستعانة بمصادر خارجية للرعاية للمهنيين، في حين تقوم الرؤية المغربية على التضامن الأسري. الحل لا يكمن في اختيار نموذج أو آخر، بل في الجمع بين أفضل الأجزاء في كل منهما.

ثلاث مسؤوليات متكاملة

وتقع المسؤولية الرئيسية على عاتق بلد الإقامة ومؤسساته، بما في ذلك هولندا. المهاجرون المسنون هم مواطنون ساهموا في بناء هذا البلد من خلال عملهم وضرائبهم، ولهم الحق في الخصوصية والاعتبار المناسبين. ويتطلب ذلك توظيف مرافقين يتحدثون لغته، وتوفير طعام حلال ومكان للصلاة والوضوء، وضمان العناية الشخصية مع مراعاة قواعد الحياء، وتدريب الفريق في مجال الاختلافات الثقافية والدينية، ودمج الرفاق الروحيين والأئمة في فريق الرعاية، وإعداد أدوات للحوار في نهاية الحياة مع مراعاة المرجعيات الإسلامية.

أما المسؤولية الثانية فتقع على عاتق المجتمع ومؤسساته المدنية والدينية. ويمكن للمساجد والجمعيات أن تلعب دور الشركاء الحقيقيين من خلال بناء شراكات مع دور الرعاية، وتنظيم متطوعين لزيارة كبار السن ومرافقتهم إلى المواعيد الطبية، وتثقيف الأسر حول حقوق كبار السن والخدمات المتاحة، وفتح حوار صادق داخل الأسر حول الوصايا والرعاية ونهاية الحياة قبل حدوث الأزمة.

أما المسؤولية الثالثة فتقع على عاتق الدولة المغربية. وينبغي إعداد هذه الفئة كملف استراتيجي يوضح بلغة مفهومة قواعد الهجرة بين البلدين فيما يتعلق بالمعاشات والتأمين الصحي، وتطوير خدمات الرعاية المناسبة للراغبين في العودة إلى المغرب، وتوفير قنوات معلومات موثوقة تتيح لكبار السن اتخاذ قرارات حرة ومدروسة لا تعتمد فقط على الحنين.

خاتمة

وكما تظهر التجربة الهولندية، فإن هؤلاء السكان المغاربة المسنين الذين يعيشون في الغرب يواجهون أسئلة تتعلق بالانتماء في أكثر مراحل الحياة حساسية. يحلم بالعودة إلى وطنه، لكن صحته وعائلته وحقوقه الاجتماعية لا تسمح له بذلك، ويبقى في بلد لم يتم فيه تكييف نظام الرعاية الاجتماعية بعد. فالمهمة ليست أن يقرر أين سيعيش، بل ضمان كرامة الحياة وكرامة الرحيل أينما حل. من حقّ من أعطى أوروبا الشباب والقوة، والمغرب الولاء والارتداد، أن يجد في خريف حياته لغة يفهمها، وطعاماً يعرفه، وأماكن صلاة يزورها، وأيداً رحيمة تعرف كيف تعتني به. وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى كثيرون منهم معلقين بين مكانين: القلب المغربي والجسد الغربي.

– باحث أكاديمي متخصص في قضايا الهجرة والهوية وأخلاقيات الطب والدين والتعليم، هولندا.
المدير الوطني للتربية الإسلامية في المدارس العامة الهولندية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button