قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي.. كيف قامت ماري عجمي ووداد السكاكيني بتوعية المرأة العربية؟

تم النشر في 30 سبتمبر 2026
|
آخر تحديث: 1 أكتوبر 2026 الساعة 00:57 (بتوقيت مكة)
ليست كل الشهرة دليلاً على التأثير، ولا كل موجة حضور تعني أن صاحبها ترك بصمة دائمة. بين أولئك الذين يخلقون الوعي بالكلمات وأولئك الذين يخلقون الحضور بالصور، تطرح اليوم أسئلة جديدة حول معنى التأثير الحقيقي. من يكتب الذكريات فعلاً، ومن يمحوه الضجيج؟
في الوقت الذي يتصدر فيه “المؤثرون” ومنشئو المحتوى منصات التواصل الاجتماعي، وأصبحت الأزياء ومستحضرات التجميل والعلامات التجارية الوقود الأساسي للمحتوى الأكثر شعبية، قد يبدو من الصعب تخيل وقت تمارس فيه المرأة حضورها وتأثيرها بطرق مختلفة تماما. لم تكن هناك كاميرات هواتف ذكية أو أزرار إعجاب، بل كانت الكلمات أهم وسيلة لجذب قلوب الناس وتشكيل الرأي العام.
منذ أكثر من قرن من الزمان، كانت المرأة العربية تدخل المجال العام من خلال الصحافة والكتابة والأنشطة الثقافية، في وقت كان ظهورها استثناءً ومحاطاً بالتحديات.
ومن بين هذه الأسماء، ظهرت السوريتان ماري عجمي ووداد السكاكيني، تاركتين أثراً تجاوز حدود عصرهما وفتحت الباب أمام الحضور النسائي المرتكز على الأفكار والمعرفة والمشاركة في الشأن الاجتماعي.
القصص الموصى بها
قائمة من عنصريننهاية القائمة
عندما كانت «المجلات» هي «تيك توك» العصر!
واليوم، أصبح بإمكان حساب إنستغرام أو تيك توك ببساطة نشر مقطع قصير وفي غضون ساعات يتحول إلى “ترند” يشاركه ملايين الأشخاص. قد يكون حدث واحد كافيًا لتوليد موجة واسعة النطاق من التفاعلات. حدث هذا أيضًا في حالة منشئة المحتوى نارين بيوتي. وتحولت تفاصيل حفل زفافها إلى حدث رقمي ضخم، تابع خلاله المشاهدون كل لقطة، بدءاً من الفستان ووصولاً إلى الإطلالة، وهو مشهد يعكس كيف أصبح خلق “الصورة” واللحظة جزءاً لا يتجزأ من تشكيل المصلحة العامة.
في المقابل، كان الوضع في بداية القرن العشرين مختلفًا تمامًا. وكانت المجلات والصحف هي المحافل الرئيسية التي يتم فيها تشكيل الرأي العام وطرح القضايا المتعلقة بالتعليم والثقافة ودور المرأة.
تمت قراءة المقالات ببطء ومناقشتها بعمق، مما ترك أثرًا تراكم مع مرور الوقت. ولم تكن المجلات النسائية في ذلك الوقت تكتفي بالأمور اليومية العابرة فحسب، بل كانت منابر لتشكيل الوعي الوطني وفتح نقاش اجتماعي غير مسبوق.
ماري عجمي…عندما كانت تلك الكلمة حالة
في البيئة الرقمية اليوم، توسع مفهوم “صناعة المحتوى” بطرق غير مسبوقة، لدرجة أن النساء يوثقن وصفات الطعام، ومقاطع تحضير الفشك، وفيديوهات عن المكياج وصبغ الشعر، وحتى التفاصيل اليومية مثل “تحضير شطيرة زعتر للأطفال” تندرج مباشرة في فئة “المؤثرين”. ولم تعد الظروف أفكاراً أو مواقف أو إنتاجاً ثقافياً. بل أصبحت معايير الوصول مرتبطة بسرعة الانتشار وسرعة المشاهدة.
كان الوصول إلى الجمهور في الماضي يتطلب مسارًا مختلفًا تمامًا. مسار يقوم على المقالات والمواقف والنقاشات الثقافية، لأن المجلات لم تكن مجرد تمرير محتوى، بل مساحات يتم فيها خلق التصورات بهدوء وعمق كجزء من مشروع فكري.
وفي هذا السياق، برزت ماري عجمي كواحدة من أوائل الصحفيات السوريات وأكثرهن تأثيراً في أوائل القرن العشرين. أسست مجلة “العروس” في دمشق عام 1910. وفي وقت كانت الصحافة النسائية في بداياتها، كان إصدار مجلة تديرها امرأة حدثاً بحد ذاته في مجتمع محافظ.
العروس لم تكن مجلة خفيفة. بل على العكس من ذلك، كان لها طابع إصلاحي واضح، وبالإضافة إلى القضايا الأدبية وقضايا عصر النهضة، بدأت نقاشًا مباشرًا حول تعليم المرأة وحقها في المشاركة في الحياة العامة. أصبحت ماري عجمي، التي كتبت في الصحف والمجلات العربية الكبرى، صوتًا أنثويًا نادرًا دخل المجال العام من خلال كلماتها وليس من خلال كيانات أخرى.
لم تكن ماري عجمي تسعى إلى الشهرة الشخصية، بل أرادت تغيير المجتمع، ومناصرة قضايا النهضة، والتأكد من بقاء اسمها مرتبطا بشكل أعمق بـ (الكتابة كعمل من أعمال المقاومة الثقافية) من مجرد تجربة صحفية عابرة.
وداد السكاكيني.. الكتابة كوعي نقدي
أما وداد السكاكيني فهي تمثل امتدادا آخر للحضور النسائي في الثقافة العربية. لم تكن راضية عن الكتابة الأدبية، فدخلت مجال النقد الأدبي والمقالات الفكرية في مرحلة كانت فيها الأسماء الذكورية تهيمن تقريباً على المجال.
كان السكاكيني منشغلاً بقراءة الأدب العربي الحديث وتحليل تطوره. كتبت عن صورة المرأة في القصص ومكانتها بين الواقع والتمثيل الأدبي. لم يكن حضورها يعتمد على السرد القصصي فحسب، بل على التساؤل وتفكيك النصوص أيضًا، وهو ما أضفى على كتابتها طابعًا نقديًا هادئًا.
وفي بيئة ثقافية كانت فيها المرأة غالباً “موضوعاً” للكتابة، مثّل انتقال السكاكيني إلى منصب “الناقد” تغييراً جوهرياً. لقد كتبت من موقع تفكيك وإعادة تفسير الخطاب الثقافي نفسه.
لم يرتبط اسم وداد السكاكيني بالاستعراض أو الضجيج، بل بالتراكم الفكري الهادئ الذي رفع المرأة العربية من هامش الكتابة إلى مركز القراءة والنقد.
من “المجلات” إلى “السوشيال ميديا”.. معركة بين العمق والسرعة
على الرغم من الفارق الزمني الكبير، لا تزال هناك أوجه تشابه بين مجلات الأمس ومنصات اليوم. وكلاهما وسيلة للوصول إلى القراء والتأثير عليهم. لكن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة هذا التأثير والمعايير التي تتيح له المجال للانتشار.
وفي زمن ماري عجمي والوداد السكاكيني، كان حضور المرأة مرتبطا بالإنتاج الفكري والمشاركة في السجالات الثقافية والاجتماعية. واليوم، تعمل المنصات الرقمية على تسهيل المحتوى السريع القائم على الصور، والترويج، والاستهلاك، كما تحكم الموضة والجمال وأسلوب الحياة العالم.
وهنا تظهر مفارقة أعمق. ولم يعد معيار التأثير مرتبطاً بعمق الفكرة، بل بسرعة تداولها. وفي حين تم قياس تأثير النساء الرائدات من خلال الوعي والمعرفة الطويلة الأمد التي تركنها وراءهن، فإن الكثير من حضورهن الحديث يقاس الآن من خلال وجهات النظر والتفاعلات العابرة.
بين “الرائد” و”النفوذ”.. كيف تغير المعنى وضعفت النفوذ؟
في الماضي، كانت النساء اللاتي شقن مسارات جديدة في الفكر أو الصحافة يطلق عليهن لقب “الرائدات”. هذا وصف مرتبط بأنشطة بدء الأعمال التجارية والتغيير الاجتماعي. اليوم، أصبح لقب “المؤثر” راسخًا في معظم السياقات ويرتبط بالتواجد الرقمي وعدد المتابعين وسرعة الانتشار.
ومع تغير المصطلحات، تغير مفهوم التأثير نفسه من الأفكار والمواقف إلى الصور والتفاعلات اللحظية. ويعيد هذا التحول تشكيل فهمنا لمن يترك بصمة حقيقية في الذاكرة العامة.
على الرغم من أن المؤثرين اليوم يتمتعون بملايين المتابعين، إلا أنه لا يزال لديهم القدرة على النسيان مع تراجع الضجيج. ومن ناحية أخرى، فإن أسماء مثل ماري عجمي ووداد السكاكيني لا تزال حاضرة في أذهاننا. لأنه ثبت أن (الذاكرة الورقية) أكثر استقرارًا من الذاكرة في العصر الرقمي.
وعلى الرغم من الاختلافات في الأساليب والعصور، فإن الأمر المؤكد هو أن التأثير الحقيقي لا يقاس بمدى تأثيره وحده، بل بما يبقى في غياهب النسيان ويستمر لفترة طويلة بعد أن يهدأ الضجيج.
#قبل #عصر #وسائل #التواصل #الاجتماعي. #كيف #قامت #ماري #عجمي #ووداد #السكاكيني #بتوعية #المرأة #العربية




