سياسة

“”المشاهير”” أصبحت سلاحا في الانتخابات المغربية

أحدث اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في المغرب زخما كبيرا على الساحة السياسية من خلال محاولات الأحزاب السياسية استقطاب أفراد معينين، قادرين، بفضل وضعهم الاقتصادي أو شبكات علاقاتهم الاجتماعية، على حشد الناخبين لصالحهم.

يحتل هؤلاء “المشاهير” مكانة مهمة في البنية الانتخابية في المغرب، لكن رغم تعرضهم لكثير من الانتقادات بسبب ارتباطاتهم بشبكات “العملاء”، وتبادل المنافع، وتحويل العملية الانتخابية إلى ولاءات شخصية، فإن البعض يعتبرهم ناخبين “لا غنى عنهم” بفضل معرفتهم الدقيقة بالهياكل المحلية والاحتياجات الملحة للسكان.

“كنز الانتخابات”

بعد نحو أربعة أشهر من إجراء الانتخابات البرلمانية في المغرب، أطلقت الأحزاب السياسية أجهزة استشعار لرصد واستقطاب المرشحين ذوي الخصائص المحددة. وأبرز سماتها هي القدرة على التأثير من خلال الأموال أو السلطة أو شبكات العلاقات الاجتماعية والقرب من السكان المحليين.

وتحاول الأحزاب السياسية جلب السير الذاتية للأشخاص ذوي النفوذ و”المشاهير” المعروفين أيضًا في الدوائر الانتخابية في المدن والقرى، حيث إنهم حاسمون للفوز بمقاعد في البرلمان المقبل.

وفي هذا الصدد، نجحت الأحزاب السياسية في جذب “المشاهير” الذين يتمتعون بقواعد شعبية محترمة في العديد من المناطق الريفية والحضرية وشبكات اجتماعية ومهنية واسعة. وهم أعضاء حاليون في البرلمان وأولئك الذين مثلوا البرلمان سابقًا، وهم أعضاء كبار منتخبون من دوائر انتخابية قوية.

وترى التحليلات والتقارير السياسية للعديد من مراكز الأبحاث أن المشاهير ليسوا ظاهرة سياسية ناشئة، بل هم أساس متين متأصل في النظام السياسي السعودي بشكل عام والنظام الانتخابي بشكل خاص.

ونظراً لتأثيرها القوي داخل هذا النوع من الشبكات المجتمعية، تعتمد الأحزاب السياسية على “المشاهير” للفوز بالعديد من المقاعد، وخاصة في المناطق الريفية والضواحي الحضرية. علاوة على ذلك، تعتمد الأحزاب السياسية على خدمات “المشاهير” لتغطية نقاط ضعفها الإدارية وضمان فوزها بمقاعد في البرلمان.

وقد أدت ظاهرة اعتماد العديد من الأحزاب السياسية على المشاهير للفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد على الخريطة الانتخابية إلى أن يصبح هؤلاء “المرشحون ذوو الأسماء الكبيرة” بمثابة كنوز انتخابية جاهزة دون أن يمتلكوا بالضرورة قدرة سياسية أو سمعة انتخابية قوية، مما يزيد من تفاقم ضعف قاعدة الحزب.

“إيجابية المشاهير”

من ناحية أخرى، قال الحبيب إستيتي زين الدين، الخبير في مجال القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، إن ظاهرة “المشاهير” في الانتخابات المغربية تقدم كأحد السمات البنيوية للحياة السياسية، وأن أدبيات العلوم السياسية تشير إلى فاعلين محليين يجمعون موارد متعددة -اقتصادية واجتماعية ورمزية- وقادرون على الخروج من المسار الحزبي الكلاسيكي واحتلال موقع وسيط داخل المجال السياسي. أو في هامشها.

وفي هذا السياق، يتم التعامل مع مفهوم “المشاهير” كامتداد لما يشار إليه في الأدب المقارن باسم “النخب المحلية” أو “المحكمين التقليديين”. لقد راكموا شبكات نفوذ مع مرور الوقت بناءً على وضعهم الاجتماعي، وقدراتهم على التعبئة، واتصالاتهم المباشرة مع الناخبين. ورغم أن وجودها تبلور في سياقات تاريخية سابقة، إلا أنه لا يزال مستمرا، ويتكيف مع التغيرات المؤسسية، ويصبح عنصرا مستقرا نسبيا في بنية المنافسة الانتخابية.

ومضى زين الدين يقول إن المشاهير لعبوا دوراً وسيطاً مهماً، خاصة في المناطق التي كانت فيها الهياكل الحزبية ضعيفة، مما ساهم في تعبئة الناخبين وربط الشعب بالحكومة. علاوة على ذلك، فإن معرفتهم الدقيقة بالهياكل المحلية واحتياجات السكان أعطتهم أيضًا القدرة على تمثيل مطالب المجموعات التي ظلت خارج دائرة النشاط السياسي المنظم.

ولاحظ المحللون سمة إيجابية أخرى. أي أنه بالإضافة إلى أن بعض المشاهير لديهم خبرات إدارية متراكمة، فإن الموارد المالية والتنظيمية المتوفرة لدى هؤلاء المشاهير تساعد في استمرار الأنشطة الانتخابية، وهو ما ينعكس مع الكفاءة والمسؤولية على مستوى فعالية إدارة الشؤون المحلية في حالات محددة.

القضايا الوظيفية والهيكلية

ومن ناحية أخرى، فإن وجود المشاهير في الانتخابات كثيرا ما أثار مشاكل وظيفية وهيكلية تؤثر على جودة التمثيل الديمقراطي، حيث يرتبط تأثيرهم في كثير من الأحيان بشبكات الزبائنية وتبادل المصالح، مما يؤدي إلى تحول العملية الانتخابية من المنافسة البرنامجية إلى علاقات الولاء الشخصي.

وأشار المتحدث نفسه إلى ما يمكن تسميته “هيمنة رأس المال غير السياسي” على المجال السياسي، بعد أن أصبحت القدرات المالية والاجتماعية محددات أساسية للنجاح الانتخابي.

وبحسب الأستاذ الجامعي، فإن الاعتماد المتزايد على المشاهير داخل الحزب لم يقتصر على إعطاء الأولوية لمنطق التعبئة الانتخابية، بل ساهم أيضًا في تراجع مكانة الناشطين داخل تنظيم الحزب، حيث شعر الكثيرون بالتهميش في مواجهة صعود مرشحين يتمتعون بنفوذ وموارد أكبر من خطوطهم القتالية أو التزامهم بالحزب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقالات ذات الصلة الموضوعة في (حقل العقد ذات الصلة).

ويلخص زين الدين الآثار السلبية لهذه الظاهرة بـ “ضعف الإيمان بقيمة الانتماء الحزبي، وتراجع الحماس التنظيمي، وأحيانا تراجع تدريجي لبعض القدرات الحزبية”، ويتساءل: “كيف يمكن للأحزاب السياسية التي تسعى إلى تعزيز حضورها الانتخابي من خلال استقطاب المشاهير، أن تحافظ في الوقت نفسه على التماسك الحزبي والقدرة على خلق نخبة مناضلة من داخل الحزب؟” ويخلص إلى أن «هذا الوضع يحد من ديناميكية تجديد الحزب ويقلل من قوة الهيكل التنظيمي على المدى المتوسط ​​إلى الطويل».

وأشار الباحث السياسي إلى أن التحدي لا يكمن في تحييد المشاهير كفاعلين اجتماعيين، بل في إعادة هيكلة حضورهم ضمن قواعد تنافسية أكثر شفافية وعدالة، وتضمن تكافؤ الفرص، وتربط بين المسؤولية والمساءلة. وشدد على أنه “بدلا من أن يظل مصدرا للتوتر داخل الحزبيين والمجالات السياسية، يمكن استيعاب وجود المشاهير ضمن ديناميكية سياسية أكثر انفتاحا وتعددية”.

اغتراب الكفاءة

في الوقت نفسه، تشير الباحثة في العلوم السياسية شريفة رميا، إلى أن التركيز على استقطاب المشاهير في كل دائرة انتخابية، أصبح المنطق الأساسي الذي يؤطر تصرفات الأحزاب السياسية، على اعتبار أن الهدف الأساسي للأحزاب السياسية يبقى الفوز بأقصى عدد من الأصوات والمقاعد التي تسمح لها بشغل المراتب العليا والانضمام إلى الأغلبية الحكومية.

وفي هذا الصدد، قالت لموير إن هذا الاتجاه يجبر الأحزاب السياسية على التغاضي عن اعتبارات كثيرة، مثل جلب المشاهير من الأحزاب الأخرى وإعطاء تأييدات للمشاهير الذين شاركوا في قضايا مختلفة، موضحة أن إغراق الساحة السياسية بالمشاهير يفقد جوهره القائم على تمثيل الناس، حيث يتم استبدال لغة المصلحة بالكفاءة ويتم تهميش المرشحين الصادقين إلى جانب الشباب والنساء.

وتابع ليمويا أن ما يعزز هذا الوضع هو النفوذ الاجتماعي والاقتصادي الذي يتمتع به المشاهير، وأن الحصول على أصوات الناخبين يرتبط في كثير من الأحيان باستخدام المال، وهو واقع قائم رغم الإجراءات التي اتخذتها وزارة الداخلية لضمان نزاهة العملية الانتخابية.

وتابع الباحث أن استمرار حضور الشخصيات البارزة في الانتخابات، وخاصة وصولها إلى مقر البرلمان، يمثل وضعا مقلقا يتطلب العلاج، لأنه يعكس حرصا على حماية المصالح الاقتصادية، لكنه لا يترجم بالضرورة إلى تعبير فعلي عن القضايا المدنية.

وتخلص شريفة رميا إلى أن “التنافس الحزبي على المقاعد النيابية حول هذه الظاهرة إلى نهج نظامي، واليوم هناك حاجة إلى اعتماد نهج حاسم يحد من سيطرة المشاهير داخل الهيئات التشريعية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button