الفوائد التشريعية في مواجهة فجوات التنفيذ وتحديات التمكين الاقتصادي للمرأة المغربية

وحدد نشطاء حقوق الإنسان الاحتفال باليوم العالمي للمرأة عام 2026 بأنه نقطة تحول في تقييم الإنجازات الحقوقية ومحاسبة السياسة العامة على قدرتها على تحقيق المساواة الحقيقية على أرض الواقع.
أجمع المدافعون عن حقوق الإنسان على أنه، على الرغم من تجميعه لأدوات تشريعية مهمة، لا يزال المغرب يواجه تحديات بنيوية تعيق التمكين الشامل للمرأة، لا سيما في البعد الاقتصادي والحماية من العنف.
فهم واقعي لوضع المرأة الحالي
وفي هذا السياق، قالت ليلي العامري، رئيسة جمعية الأيادي الحرة، اليوم إن هذه المناسبة تفرض قراءة واقعية لوضعية المرأة في المغرب، مضيفة: “إن يوم 8 مارس الحالي في وضع نحتاج فيه إلى إلقاء نظرة صادقة وواقعية للغاية على وضعية المرأة في المغرب. لا نحتاج فقط إلى الاحتفاء بالإنجازات التي تم تحقيقها حتى الآن، ولكن أيضا إلى طرح أسئلة صعبة حول حدود هذه الإنجازات ومدى تأثيرها الحقيقي على حياة المرأة”.
وأشار العامري في تصريح لهسبريس إلى أن من أبرز القضايا المطروحة هي الفجوة بين نص القانون وتطبيقه على أرض الواقع: “إلى جانب مجموعة من الالتزامات الدولية، هناك أيضا نص قانوني مهم يتعلق بقضايا المرأة، مثل قانون مكافحة العنف الذي تمت المصادقة عليه عام 2018، وبالتالي فإن القضية الحقيقية هي الفجوة بين النص وتطبيقه على أرض الواقع”.
وسجل نفس المتحدث أن المغرب شهد تقدما مهما على المستوى التشريعي والمؤسساتي في مجال حقوق المرأة خلال العقود الأخيرة، موضحا أن هذا التطور تجسد في “قانون الأسرة ومناهضة العنف والجنسية لسنة 2004، بالإضافة إلى تعزيز عدد من الضمانات القانونية المتعلقة بحماية المرأة من العنف”.
وأضاف نفس المواطن الناشط أنه بالإضافة إلى الدور المتزايد للمرأة في المجتمع، وحضورها المتزايد في التعليم العالي وسوق العمل وفي العديد من المجالات المهنية، هناك أيضا إدماج متزايد لمقاربات النوع الاجتماعي في السياسة العامة.
واعتبرت رئيسة جمعية تحدي المساواة والمواطنة، بشرى عبود، اليوم العالمي للمرأة معلما تاريخيا هاما لتقييم الإنجازات التي تحققت لصالح المرأة المغربية، وقالت إن يوم 8 مارس “يشكل فرصة لتقييم ما تم تحقيقه وما لا يزال يتعين تحقيقه من حيث الاستحقاقات”.
وأوضح عبده، في تصريح لهسبريس، أنه تم إحراز تقدم في السنوات الأخيرة، بما في ذلك ورش عمل لمراجعة قانون الأسرة وقانون العمالة المنزلية، فضلا عن المناقشات الجارية حول تعديل القانون رقم 103-13 المتعلق بمكافحة العنف ضد المرأة. كما أشارت إلى وجود برامج واستراتيجيات حكومية تهدف إلى معالجة العديد من القضايا التي تواجه المرأة المغربية.
الربح له تأثير محدود على الواقع الاجتماعي
ورغم أهمية هذه الإنجازات، ترى العامري أن تأثيرها يبقى محدودا مقارنة بحجم الفوارق الاجتماعية والاقتصادية التي يتسم بها واقع المرأة، مؤكدا أن “الفجوات لا تزال موجودة بين نص القانون وتطبيقه على أرض الواقع، وهو ما يكشف عن استمرار بعض أشكال التمييز غير المعروفة، فضلا عن وجود عوائق هيكلية تتعلق بطبيعة السياسات الاجتماعية والثقافية والعامة”.
وفيما يتعلق بالتمكين الاقتصادي، أشارت رئيسة جمعية الأيادي الحرة إلى أن مشاركة المرأة في سوق العمل لا تزال من بين الأدنى في المنطقة، حيث “تعمل غالبية النساء في القطاع الهش وغير الرسمي ودون حماية اجتماعية كافية”.
وتابع المتحدث نفسه أن هذا الضعف أصبح أكثر وضوحا في المناطق الريفية والجبلية، حيث تواجه المرأة صعوبات مزدوجة في الحصول على التعليم والخدمات الصحية والموارد الاقتصادية. كما أشارت إلى ضعف الإدماج الاقتصادي للمرأة، لافتة إلى أن الدراسات الأخيرة أظهرت أن “ما لا يزيد عن 20% من النساء يمتلكن حسابات مصرفية، مقابل 60-65% من الرجال”، متسائلة “كيف يمكن أن نتحدث عن التمكين الاقتصادي والاستقلال المالي عندما لا تمتلك المرأة حسابات مصرفية؟”.
العنف ضد المرأة.. تحدي مستمر
على صعيد آخر، أكد العامري أنه على الرغم من صدور قانون خاص لمكافحة العنف عام 2018، إلا أن ظاهرة العنف ضد المرأة لا تزال من أبرز التحديات، مضيفا أن “أشكال العنف لا تزال موجودة سواء في المنزل أو في الأماكن العامة”. وأضافت أن أشكالاً جديدة من العنف، وخاصة العنف الرقمي والنفسي، بدأت في الظهور، مشيرة إلى أن إثبات هذا النوع من العنف لا يزال يشكل تحدياً.
كما أشار نفس المدافعين عن حقوق الإنسان إلى أن عدداً من القضايا المتعلقة بالحقوق داخل الأسرة، مثل النفقة والحضانة وتقاسم ممتلكات الأسرة، كشفت عن استمرار الاختلالات الخطيرة التي تؤثر على الأمن الاقتصادي والاجتماعي للمرأة.
وأكدت عبده أنه لا يزال هناك طريق طويل يجب قطعه لحماية المرأة بشكل حقيقي من العنف، مشيرة إلى أن الضحايا يواجهن العديد من العقبات، بما في ذلك عبء الإثبات والإجراءات القضائية الطويلة والمعقدة.
وأضاف المتحدث أن عدم حرية التقاضي يشكل عائقاً أمام العديد من الضحايا الذين يعانون من الضعف والفقر ولا يملكون الوسائل لتوكيل محام لحماية حقوقهم. كما دعت إلى زيادة تدريب مديري الخلايا الذين يعتنون بضحايا العنف من النساء، لضمان سماع أصوات الضحايا ومتابعة ملفاتهم بشكل صحيح.
وفي هذا السياق أكدت الناشطات على ضرورة إنشاء مراكز ومستشفيات متخصصة في الاستماع والدعم النفسي لضحايا العنف، مؤكدات أن العنف الذي تتعرض له النساء يترك أثراً نفسياً خطيراً، مضيفات أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بحاجة إلى الاهتمام أكثر بهذا الجانب، ومراقبة الممارسة المهنية في هذا المجال حتى لا يتعرض الضحايا لأشكال أخرى من العنف أثناء تلقي العلاج والدعم.
وشددت رئيسة جمعية التحدي للمساواة والحقوق المدنية على ضرورة السعي إلى تغيير الصور النمطية والتمثيلات الاجتماعية التي تغذي العنف والتمييز ضد المرأة، ودعت مختلف الدوائر الحكومية إلى دمج برامج التعليم والتوعية في مناهجها وأنشطتها التعليمية، بهدف بناء مجتمع يقوم على احترام المرأة ونبذ العنف والتمييز.
المدونات العائلية على مفترق طرق
وفيما يتعلق بالنقاش حول إصلاح قانون الأسرة، رأت أميلي أن المجتمع المغربي اليوم يواجه خيارين أساسيين. فإما أن تكتفي بإصلاحات جزئية تعالج بعض الاختلالات الشكلية، أو تلتزم بإصلاحات جوهرية تضمن المساواة الجوهرية داخل الأسرة وتعزز العدالة بين الرجل والمرأة. وأكدت أن من عناصر القوة التي تميز المرأة المغربية اليوم هو اتساع مستوى وعيها القانوني وزيادة حضورها في المجال العام، بالإضافة إلى الخبرة المتراكمة من خلال الحركات النسوية والمدنية في الدفاع عن قضايا المساواة.
ورأى المتحدثون أن الاحتفال باليوم العالمي للمرأة لا ينبغي أن يبقى مجرد حدث رمزي أو خطابي، بل لحظة للتشكيك في المسؤولية الجماعية عن السياسة العامة ونطاق قدرتنا على تحقيق المساواة والعدالة الدستورية.
واعتبر نفس الناشط المدني أن تمكين المرأة “ليس قضية تخص المرأة فقط، بل هو شرط أساسي لأي مشروع تنموي وديمقراطي حقيقي”، مشددا على أن المرأة المغربية لم تعد تسعى فقط إلى الاعتراف الرمزي، بل إلى الحقوق الكاملة والعدالة الحقيقية والثروة والسلطة والمشاركة المتساوية في صنع القرار.
دعوة للإسراع في إنشاء المؤسسات الدستورية
وأعربت السيدة العامري عن أملها في أن يتم، في عام 2026، الدفع بعدد من مشاريع الإصلاح المتعلقة بحقوق المرأة، مثل إصدار قانون الأسرة المنقح وإنشاء ولاية لمكافحة المساواة وجميع أشكال التمييز على النحو المنصوص عليه في الفصل 19 من الدستور. ولم ترَ الهيئة النور لمدة 15 عاماً بعد إقرارها.
وشدد المتحدث أيضا على ضرورة تفعيل القانون بشكل فعال وضمان احترام التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، بالإضافة إلى التوعية بحقوق المواطنين، معتبرا أن “السكان الذين يعرفون حقوقهم هم أكثر قدرة على حمايتها”.
#الفوائد #التشريعية #في #مواجهة #فجوات #التنفيذ #وتحديات #التمكين #الاقتصادي #للمرأة #المغربية




