سياسة

“ثورة ناعمة” في حقوق المرأة.. إصلاحات غيرت وضع المرأة في عهد محمد السادس

شهدت وضعية المرأة في المغرب، خلال العقدين الماضيين، تغيرات كبيرة على المستوى القانوني والاجتماعي والمؤسساتي، وسط مسار إصلاحي تدريجي قاده الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش عام 1999. وتميز هذا الخط بما يمكن تسميته بـ “الثورة الهادئة”، التي أعادت صياغة وضعية المرأة في الأسرة والمجتمع، وانتقلت تدريجيا من منصب الوصاية إلى منصب الشراكة الكاملة في بناء الأمة وإدارتها.

ولم يكن هذا التحول مجرد شعار أو اتجاه سياسي ظرفي، بل تجسد من خلال سلسلة من الإصلاحات التشريعية والمؤسسية التي طالت جوانب عديدة من حياة المرأة، بدءا بالأسرة، مرورا بالحماية القانونية والتمثيل السياسي، وامتدادا إلى المجالات المهنية التي هيمن عليها الرجل منذ فترة طويلة.

وفي حين حققت هذه الإصلاحات نتائج مهمة، لا تزال ورش العمل الإصلاحية تعقد لمواكبة التغيير الاجتماعي وتعزيز المساواة الجوهرية.

قانون الأسرة.. ثورة تشريعية

شكلت سنة 2004 نقطة تحول في إصلاح وضعية المرأة في المغرب. تم اعتماد قانون جديد للأسرة. وقد أدى ذلك إلى قطيعة واضحة مع المجموعة التقليدية من الممارسات القانونية التي تنظم العلاقات الأسرية، كما أرسى رؤية أكثر توازنا داخل الأسرة، تقوم على المسؤوليات المشتركة بين الزوجين بدلا من ترسيخ هيمنة طرف واحد.

ومن أبرز التطورات التي أحدثها هذا المعيار اعتماد مبدأ المساواة في إدارة شؤون الأسرة، حيث أصبحت الأسرة تحت رعاية الزوج والزوجة، بدلاً من أن تكون خاضعة لسلطة الزوج وحده، كما كان الحال في الماضي.

كما تم إدخال إصلاحات مهمة على مستوى الطلاق، وإخضاعه للرقابة القضائية بهدف الحد من حالات الطلاق التعسفي، والاعتراف بإجراءات الطلاق لعدم التوافق كآلية قانونية يمكن من خلالها حلها ضمن إطار قضائي يحمي حقوق الطرفين.

وتشمل الإصلاحات رفع السن القانوني لزواج الفتيات إلى 18 عاما، بهدف الحد من ظاهرة الزواج المبكر وتعزيز حماية القاصرات. وللمرأة أيضاً الحق في الوصاية في الزواج، وهو إصلاح قانوني مهم يعيد للمرأة استقلالها وحقها في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها الخاصة.

ومثلت هذه التعديلات تغييرا كبيرا في فلسفة قانون الأسرة المغربي، حيث سعت إلى إرساء توازن جديد داخل الأسرة يقوم على الشراكة والمسؤولية المتبادلة، وليس مجرد تغييرات فنية في النص القانوني.

دستور 2011.. تعزيز المساواة

شكل اعتماد دستور 2011 علامة دستورية بارزة في عملية تعزيز حقوق المرأة في المغرب، حيث ينص الفصل 19 على أن الرجل والمرأة يتمتعان بحقوق وحريات مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية متساوية.

كما كرّس الدستور مبدأ المساواة بين المرأة والرجل كهدف تسعى الدولة إلى تحقيقه، وهو ما يشكل نقلة نوعية على مستوى المعايير الدستورية المنظمة لحقوق المرأة. إن مبدأ المساواة ليس مجرد اتجاه سياسي أو اجتماعي، بل هو قاعدة دستورية ملزمة توجه السياسة العامة والتشريعات المستقبلية.

وساعد هذا الإطار الدستوري الجديد في تمهيد الطريق لسلسلة من السياسات والبرامج الرامية إلى تعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة، سواء في المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.

مكافحة العنف ضد المرأة

وفي سياق تعزيز حماية المرأة، اعتمد المغرب سنة 2018 القانون رقم 103.13 المتعلق بمكافحة العنف ضد المرأة. ويعتبر هذا التشريع خطوة مهمة نحو مكافحة مختلف أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي.

ولأول مرة، جرم القانون مجموعة من الأفعال التي لم يتم تعريفها بشكل واضح في القوانين السابقة، بما في ذلك التحرش الجنسي، والزواج القسري، وإهدار المهر. كما نصت على أن تكون العقوبات المفروضة على مرتكبي هذه الأفعال محدودة، بهدف تعزيز الردع القانوني وحماية المرأة من الاعتداءات المختلفة.

ولم يقتصر القانون على الجوانب الزجرية، بل شمل أيضا تدابير عملية لرعاية النساء ضحايا العنف من خلال إنشاء آليات الاستقبال والتوجيه داخل المحاكم والمستشفيات والمراكز الأمنية، فضلا عن مكاتب متخصصة للتعامل مع هذه الحالات وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا.

ورغم الجدل الدائر حول بعض جوانبه التطبيقية بعد نشره، إلا أن هذا القانون شكل خطوة مهمة نحو الاعتراف المؤسسي بظاهرة العنف ضد المرأة وجهود مكافحة العنف عبر وسائل قانونية واضحة.

تعديل قانون الجنسية

وفي إصلاح يعتبر خطوة تاريخية للمنطقة، تم تعديل قانون الجنسية المغربي في عام 2007، مما أعطى المرأة المغربية الحق في نقل الجنسية من زوجها الأجنبي إلى أطفالها.

وقبل هذا الإصلاح كان هذا الحق يقتصر على الأب فقط، مما خلق العديد من المشاكل القانونية والاجتماعية للأسر المختلطة. ومع ذلك، فقد أرست الإصلاحات الجديدة مبدأ المساواة في المواطنة، مما أعطى المرأة نفس الحق الكامل مثل الرجل في نقل جنسيتها إلى أطفالها.

واعتبر هذا التعديل خطوة تقدمية مقارنة بالعديد من القوانين السائدة بالمنطقة في ذلك الوقت، حيث ساعد في حل العديد من الأوضاع القانونية المعقدة التي كانت تواجهها الأسر المغربية التي لديها أزواج أجانب.

الوصول إلى المهن “المحظورة” تاريخياً

بالإضافة إلى الإصلاحات القانونية، شهدت السنوات الأخيرة تحولا كبيرا في وجود المرأة في العديد من المهن التي كان الذكور تقليديا.

ومن أبرز هذه التغييرات أنه في عام 2018 تمكنت المرأة من دخول مهنة القضاء، وهي مهنة توثيق العقود القانونية التي ارتبطت تاريخياً بالفقه الذكوري لعدة قرون. وأكد هذا القرار فتح المجال القانوني والديني لوجود المرأة في ظل نظام كان مغلقا أمامها في السابق.

ثانياً، شهد المجال الديني تطورات مهمة تتمثل في إيجاد برامج لتدريب القيادات الدينية النسائية من خلال مؤسسات متخصصة تهدف إلى إشراك المرأة في التكوين الديني للمجتمع والمساهمة في نشر الخطاب الديني المعتدل.

وفي مجال الشؤون الأمنية والعسكرية، فإن تزايد مشاركة المرأة في مختلف الرتب والمسؤوليات في القوات المسلحة والأمن الوطني، وكذا تزايد حضور المرأة داخل مختلف المؤسسات، يعد مؤشرا على التحول الذي يشهده المجتمع المغربي على مستوى الأدوار المهنية.

تحسين الحضور في منتديات صنع القرار

وفي الوقت نفسه، حققت مشاركة المرأة في الحياة السياسية تقدماً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، خاصة منذ تطبيق نظام الحصص الذي يهدف إلى ضمان الحد الأدنى من تمثيل المرأة في البرلمانات والمجموعات الإقليمية.

وقد ساهم النظام في زيادة عدد النساء في الهيئات المنتخبة ومهّد الطريق أمام قيادات نسائية جديدة في السياسة المغربية.

وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، شكل ملف المرأة السلالية أحد أبرز الورش التي شهدت إصلاحات مهمة، إذ بعد سنوات طويلة من الإقصاء، تم الاعتراف للنساء المنحدرات من الفئات السلالية بحق الاستفادة من المشاعات على قدم المساواة مع الرجل.

وقد مكّن هذا الإصلاح آلاف النساء من الاستفادة من الحقوق الجماعية في الأراضي من خلال الاستغلال والتعويض المتعلق بالتحويلات والاستثمارات.

مراجعة مدونة العائلة

رغم التقدم المحرز خلال السنوات القليلة الماضية، لا تزال قضايا حقوق المرأة في المغرب تشهد حركات إصلاحية متواصلة. وفي ظل التغيرات الاجتماعية المتسارعة، ظهرت سلسلة من القضايا المتعلقة بتطبيق بعض متطلبات الأعراف الأسرية، مما دفع إلى عقد ورشة عمل لمراجعة الأعراف الأسرية.

وقد دعا الملك محمد السادس مراراً وتكراراً إلى إعادة النظر في الأعراف الأسرية بما يتناسب مع تطور المجتمع المغربي ويحافظ في الوقت نفسه على التوازن والاستقرار الأسري.

ويتضمن النقاش الحالي العديد من القضايا الحساسة، مثل زواج القاصرات، وتقسيم الممتلكات المكتسبة أثناء الزواج، والوصاية القانونية على الأطفال. وتعتبر هذه من أبرز التحديات التي يطرحها الأفق الإصلاحي المرتقب.

#ثورة #ناعمة #في #حقوق #المرأة. #إصلاحات #غيرت #وضع #المرأة #في #عهد #محمد #السادس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button