سياسة

ماريكا الفاسي… المغربية التي اتخذت من المقاومة الاستعمارية الفرنسية موطنا لها

مليكة الفاسي ناشطة سياسية وكاتبة وناشطة اجتماعية، من مواليد 1919. انضمت إلى الحركة الوطنية المغربية لمقاومة الاستعمار الفرنسي. وهي المرأة المغربية الوحيدة من بين 66 سياسيا وقعوا على وثيقة تدعو إلى استقلال المغرب عن الحماية الفرنسية عام 1944. مارست الصحافة وكانت ملتزمة بالدفاع عن تعليم الفتيات وحقوق المرأة والتمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي. توفيت يوم 12 ماي 2007 بمدينة فاس.

ولد ونشأ

ولدت مليكة مهدي الفاسي في 19 يونيو 1919 بمدينة فاس لعائلة ثرية ومثقفة، أنجبت قضاة وأساتذة جامعيين وأطباء وموظفين بارزين في الدولة، وشغلت مكانة خاصة في عاصمة العلوم (فاس)، حيث كان من أقاربها آرال الفاسي مؤسس حزب الاستقلال.

وكان والدها المهدي الفاسي قاضياً في كثير من الأمصار وعالماً فاضلاً، وكان يعتبر التعليم أساس الإخلاص في الإسلام. وبفضل مجهوده تمكنت مليكة من الجلوس مع كبار الأكاديميين في القرويين. وكان بيت الفاشي مقصد العلماء وملتقى سري لنشطاء الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي.

كما تأثرت بوالدتها طور بن الشيخ التي حرصت على تربيتها ورعايتها بشكل جيد، خاصة أنها كانت البنت الوحيدة إلى جانب إخوتها الذكور الثلاثة.

في عام 1935، تزوجت من ابن عمها محمد الفاسي، المقاوم الذي فقد والديها وكان يعيش في منزل والديها، وهي لا تزال في ريعان شبابها.

أصبح زوجها أول وزير للتعليم في المغرب في عام 1956، بعد وقت قصير من حصول المغرب على الاستقلال وتشكيل أول حكومة ما بعد الاستعمار. ثم أصبح رئيسا لوزارة الثقافة ورئيسا لعدة جامعات مغربية.

وأنجبت أربعة أبناء، أولهم سعيد الفاسي، الذي أصبح فيما بعد وزيراً للإسكان، لدرجة أنه أطلق عليها لقب “زوجة الوزير وأم الوزير”. وأنجبت ابنًا ثانيًا اسمه عبد الواحد، على اسم جده الذي أصبح عضوًا في الديوان الملكي. وأنجبت ابنتين فاطمة الزهراء وأمينة، وأكملت دراستها حتى أصبحت أستاذة جامعية على خطى والدتها.

وكان منزلها مقصداً للناشطين والسياسيين، وملتقى لأعضاء الحركة الوطنية السرية. وبسبب عمل زوجها، اضطرت إلى مغادرة مسقط رأسها مدينة فاس والاستقرار في العاصمة الرباط. ثم عادت إلى فاس واستقرت هناك مرة أخرى.

اشتهرت بالعديد من الهوايات، منها ركوب الخيل والعزف على آلة موسيقية (العود)، وكانت من محبي الموسيقى الأندلسية التي تشتهر بها مدينتها. أسست مع الموسيقار إدريس تويمي جمعية هواة الموسيقى الأندلسية.

المنهج التعليمي

باعتبارها الفتاة الوحيدة بين إخوتها، نشأت في أسرة معظمها من الذكور، لكن والدها حرص على ضمان تعليمها، خاصة عندما أصبح الأب مهدي رئيسًا لجامعة القرويين بفاس، وأرسلها للالتحاق بمكتبة قرآنية للبنات قبل أن تكمل تعليمها على يد أصدقاء والدها الفقهاء.

قرر والدها إلحاقها بالمدرسة القرآنية المعروفة بمدينة فاس بدار الفاكهية، وهي مدرسة متخصصة في تعليم القرآن الكريم للفتيات. ثم التحقت بمدرسة ابتدائية إسلامية.

وكان التعليم الجامعي وقتها محظوراً على المرأة، فخصص لها والدها غرفة في منزله لمواصلة دراستها، حيث تتلمذت على يد عدة أساتذة من جامعة القرويين. درست اللغة العربية والفرنسية والتربية البدنية وغيرها.

كانت هذه مسألة صعبة بالنسبة لها، لذلك ناضلت طوال الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي من أجل السماح للطالبات بالدراسة في جامعة القرويين، بدلاً من منعهن من ذلك بسبب وضعهن الأنثوي.

استغلت تعيين زوجها محمد الفصيح في مجلس إدارة جامعة القرويين، وبادرت بكتابة رسالة إلى الملك محمد الخامس، تطلب منه فتح أبواب الجامعة أمام النساء. وأمر دون تردد بافتتاح فرع خاص للطالبات.

طريق النضال والسياسة

وفي عام 1937، عندما كان عمرها 18 عامًا فقط، انضمت إلى الحركة الوطنية، التي تأسست لمحاربة الاستعمار الفرنسي. ثم انضمت إلى الحزب الوطني لتحقيق الإصلاحات المغربية، ومن ثم حزب الاستقلال.

عملت في خلية سرية عرفت باسم “الطائفة” أواخر الثلاثينيات وشاركت في أنشطة قام بها الوطنيون المقاومون. وكشفت عدة وثائق أنها كانت إحدى أعضاء الخلية التي أدت اليمين أمام الملك محمد الخامس، متعهدة بعدم خيانة ثقته، والحفاظ على الأسرار، وبذل ما في وسعها من أجل خير البلاد.

تم تكليفها ببناء جسر تواصل بين المقاومين والديوان الملكي للملك محمد الخامس. ومن المؤكد أن وصولها إلى القصر الملكي عام 1942 عزز حضور المرأة في الساحة السياسية.

وكانت المرأة الوحيدة من بين 66 سياسيًا وقعوا على الوثيقة التاريخية التي تم تسليمها إلى السلطات الفرنسية في 11 يناير 1944، والتي تدعو إلى استقلال البلاد. ولم يقتصر دورها على التوقيع، بل ساهمت في إنشاء الوثيقة منذ البداية.

وبحسب بعض التقارير، لم يكن السماح لها بالتوقيع على عريضة الاستقلال سهلاً أو مباشراً لأن القائمة كانت كلها من الذكور ومعظم الموقعين كانوا من علماء الدين المحافظين، بما في ذلك زوجها محمد الفاسي والعديد من أقاربها.

مليكة الفاسي في استقبال الملك الحسن الثاني (موقع التواصل الاجتماعي)

وتوطدت علاقتها بالعائلة المالكة، خاصة بعد أن أصبح زوجها مديرًا لمدرسة مواوي، التي بنيت داخل القصر لتعليم الطلاب الموهوبين الذين تم اختيارهم من الأمراء والأميرات والعوام. وكان مسؤولاً عن غرس المبادئ الإسلامية وتعليمها اللغة. وكانت مسؤولة عن كتابة ونسخ جميع الوثائق التي أراد أبناء الحركة الوطنية تسليمها إلى ملك البلاد.

وفي ليلة 19 أغسطس 1953، كانت آخر من رأى الملك محمد الخامس ملك المغرب في قصره. وجددت أمامه قسم الولاء لبلادها، لكن عندما رفض التنازل عن العرش في اليوم التالي، تم نفيها إلى كورسيكا بسبب السياسة الاستعمارية الفرنسية.

المسؤولية السياسية

المرأة الوحيدة في قلب الحزب القومي. حتى عام 1937، كان الحزب الوطني بمثابة كتلة تنسق عمل وجهود الوطنيين وتنظم أشكال المقاومة ضد الاستعمار.

لقد عايشت عملية الشد والجذب على مرحلتين التي تعرض لها الحزب من قبل السلطات الفرنسية. وكانت السلطات الفرنسية تحبط أي عمل منظم لمواجهة المشاريع الاستعمارية في البلاد.

كانت في قلب السياسة، وعندما أُعلن عن تأسيس حزب الاستقلال بعد وقت قصير من تقديم وثيقة الاستقلال، انضمت إلى جماعة الفاسي في الحزب مع معظم أفراد أسرتها، ومن بينهم زوجها محمد الفاسي، وأصبحت رئيسة الفرع النسائي للحزب.

وفي عام 1955، وفي نفس الوقت الذي حصل فيه المغرب على استقلاله عن فرنسا، بدأت في تعبئة النساء في الحياة السياسية. كما بدأت النضال من أجل منح المرأة حق التصويت والترشح للمناصب.

وعلى الرغم من مؤهلاتها السياسية والمسؤوليات التي تحملتها كزوجة وزير ثم كأم وزير، إلا أنها لم تتمكن من شغل منصب في المراحل الأولى لبناء مؤسسات الدولة لبعض الوقت بعد الاستقلال. وواصلت أنشطتها السياسية دون أن تحاسبها الحكومة.

وبحسب بعض التقارير الإعلامية، عرض عليها الملك محمد الخامس تولي وزارة الشؤون الاجتماعية في أول حكومة مغربية بعد الاستقلال، لكنها رفضت لأن زوجها كان وزيرا.

ماريكا الفاسي تنضم إلى أول منظمة نسائية بالمغرب
ماريكا الفاسي تنضم إلى أول منظمة نسائية بالمغرب (موقع التواصل الاجتماعي)

تجربة اجتماعية

وبالإضافة إلى اهتماماتها السياسية والناشطة، تعتبر من المدافعات المتحمسات عن حقوق المرأة المغربية وتمكينها، كما تركت بصمتها في المجال الاجتماعي. ولم يتوقف نشاطها عند هذه الحدود، بل امتد إلى العمل الخيري والعمل الخيري.

وفي عام 1946، انضمت إلى أول جمعية نسائية بالمغرب تسمى “جمعية راهبات الطهارة”.

كرست الكثير من نضالها للدفاع عن تعليم الفتيات، وبدأت حركتها تؤتي ثمارها بعد أن بادر العديد من المقاومين الوطنيين إلى إلحاق الفتيات بالمدارس الثانوية عام 1947. وفي عام 1955، حصلت ست فتيات على درجة البكالوريوس من جامعة القرويين.

بعد استقلال المغرب في 18 نوفمبر 1956، بدأت مليكة الفاسي مكافحة الأمية المنتشرة على نطاق واسع، خاصة بين النساء، وبالتعاون مع الأميرة للا عائشة، ابنة الملك محمد الخامس، أنشأت هي وفريق عمل مؤسسة التعاون الوطني تحت إشراف الدولة لرعاية الأشخاص الذين هم في وضعية هشة.

أسست مع نساء الرباط جمعية المساواة وترأستها منذ عام 1960 لرعاية ودعم المحتاجين.

أصبحت عضواً في جمعية المرأة المستقلة، وكلفت برفع وعي النساء المنتميات إلى الأسر البرجوازية، بينما كلفت زميلتها في النضال ثريا السكات برفع وعي الأوساط النسائية الشعبية.

تعبير

كتبت عدة مقالات صحفية في الثلاثينيات تناولت قضايا تعليم الفتيات ودمج المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية. كما خصصت مقالها لمعالجة قضية تهميش المرأة، علمًا أنه في ذلك الوقت لم يكن مقبولًا أن تكتب المرأة المقالات وتوقعها بأسمائها الحقيقية. وتعتبر أول صحفية مغربية تمارس مهنة إثارة المشاكل، التي كانت في ذلك الوقت حكرا على الرجال فقط.

وفي عام 1934 نشرت أول مقال صحفي لها على العديد من المنابر، نددت فيه بالظلم الذي تعرضت له المرأة خلال فترة حمايتها ودافعت عن حق الفتيات في الدراسة واستكمال دراستهن في جامعة القرويين.

قبل استقلال البلاد، انضمت إلى مجلة المغرب وكانت المرأة الوحيدة في هيئة تحريرها.

السيد الفاسي يتسلم وسام الفيدرالية المغربية للتعليم الأساسي ومحاربة الأمية
الفاسي يتسلم وسام الاتحاد المغربي للتعليم الأساسي ومحاربة الأمية (موقع التواصل الاجتماعي)

وتميز قلمها بحدة وشراسة دفاعها عن حقوق المرأة وتعليم الفتيات، مناشدة أولياء الأمور عدم حرمان بناتهم من الالتحاق بالمدارس.

ونظراً للوضع السياسي في تلك المرحلة، فضلت في البداية توقيع مقالاتها باسم مستعار، فوقعتها أولاً باسم عبد الكريم الفاسي، وتقول بعض التقارير إنها وقعت عليها لاحقاً باسم “بنت المدينة”، نقلاً عن هذا الاختيار لملك حفني ناصف، الكاتبة والشاعرة المصرية التي كانت رائدة في النضال الصحفي في القرن العشرين وناضل من أجل تحرير البدو في أعماله. امرأة مصرية تعارض التغريب والاحتلال البريطاني.

عند زواجها، بدأت مليكة الفاسي بتوقيع “الباحث الحضري” وواصلت الدفاع عن حقوق المرأة والتأكيد على ضرورة التعليم من خلال مقالاتها.

ومن أبرز مقالاتها مقال بعنوان “تشرق الشمس على المرأة المغربية” نشر في مجلة رسالة المغرب سنة 1943. وقالت الكاتبة إن منح الفتيات في تلك المرحلة شهادة الدراسة الابتدائية يعد حدثا وطنيا كبيرا وشجع جميع الآباء المغاربة على السماح لفتياتهم بتنمية مهاراتهم من خلال التعلم والتعليم.

وكتبت عن فرحتها عندما رأت فتيات مدرسة باب الجديد بفاس يخرجن بشهاداتهن الابتدائية مما يدل على تفوقهن وتفوقهن.

بالإضافة إلى استمرارها في نشر المقالات على العديد من المنصات، بدأت في كتابة نصوص العديد من المسرحيات والروايات. وأشهرها رواية «دار الفقيه» وهي سيرة ذاتية صدرت سنة 1938، ورواية «الضحية» التي تتناول مشاكل الزواج التقليدي، الصادرة سنة 1941 في مجلة «الثقافة المغربية».

ميدالية

  • كرمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لنضالها الكبير ضد الأمية المنتشرة ومنحتها وسامًا في هذا الصدد.
  • حصلت على وسام الاتحاد المغربي للتعليم الأساسي ومحاربة الأمية.
  • ومنحتها الحكومة الروسية وسام الاستحقاق تقديرا لمساهمتها في تعزيز علاقات الصداقة بين المغرب وروسيا.
  • في 11 يناير 2005، احتفالا بالذكرى 61 لإعلان الاستقلال، منحها الملك محمد السادس، ملك المغرب، وسام العرش من الدرجة الأولى، تقديرا للتضحيات التي قدمتها من أجل بلدها.

موت

توفيت ماريكا الفاسي يوم السبت 12 ماي 2007 بمدينة فاس عن عمر يناهز 88 عاما بعد صراع مع المرض.

وبعد أن أمضت حياتها في خدمة وطنها، تركت وراءها إرثا من النضال ودُفنت بجوار قبر زوجها محمد الفاسي بالرباط، تاركة اسمها رمزا للمقاومة والتضحية.

#ماريكا #الفاسي.. #المغربية #التي #اتخذت #من #المقاومة #الاستعمارية #الفرنسية #موطنا #لها

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button