بعد نهائي كان.. المغرب والسنغال يتصديان للخطابات العنصرية

وأدت الحادثة التي وقعت خلال المباراة النهائية لكأس إفريقيا بين المغرب والسنغال إلى تصاعد التعليقات العنصرية مع اندلاع مناوشات بين مواطنين مغاربة وسنغاليين واستمرار التوتر في شوارع المغرب والسنغال. وسارع القادة السياسيون وجماعات حقوق الإنسان من البلدين إلى احتواء الوضع ودعوا إلى تغليب قيم السلام والتسامح والتعايش. وبالإضافة إلى المواطن الجزائري، يحاكم حاليا 18 مشجعا سنغاليا في الرباط بتهم تشمل “المشاركة في أعمال عنف خلال المباريات الرياضية، وإتلاف المعدات الرياضية، وأعمال العنف ضد أفراد القوات العمومية”.
الخوف من المستقبل
وبعد عودة الوضع إلى طبيعته، أعرب بعض مواطني أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى عن قلقهم بشأن المستقبل وتأثير الحدث على أوضاعهم المهنية والاجتماعية. وقال شاب سنغالي يبلغ من العمر 20 عاما، طلب عدم الكشف عن هويته، لـ DW عربية إنه تعرض للتحرش اللفظي في منطقة شعبية بالرباط حيث يعيش، حيث وصفه البعض بـ “المنافق”، لكنه لم يتعرض لاعتداء جسدي.
وأضاف أنه تلقى اتصالات من بعض أصدقائه وعائلته في الرباط والدار البيضاء تحذره من احتمال قيام السلطات المغربية بحملة ترحيل، مما دفعه إلى تأجيل مغادرته الأيام القليلة المقبلة، خاصة أنه لا يملك وثائق إقامة قانونية وتقتصر إقامته على بطاقة لاجئ. وأوضح أنه بدأ يعيش ظروفا صعبة بعد ترك عمله في قطاع البناء بمدينة عين عودة المتاخمة للعاصمة الرباط. وكشف أيضًا أنه تم اعتقاله لعدة ساعات قبل إطلاق سراحه ضمن عملية مراقبة أمنية شملت عددًا كبيرًا من المهاجرين غير الشرعيين.
في هذه الأثناء، قال محمد، الغيني البالغ من العمر 18 عاماً والذي يعيش في المغرب منذ عدة سنوات ويحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم محترف، لـ DW عربية إنه تعرض للإيذاء، حتى لو كان ذلك “بشكل غير مباشر”، في مقهى يرتاده. وأضاف: “لم ألاحظ أي تغيير في موقف المغاربة، ولم أتلق أي كلمات قاسية، لكني سمعت أحدهم يمزح معي: “الآن بعد أن فزنا بكأس إفريقيا، علينا أن نذهب إلى وطننا”. لم أكن أعرف”. وطلب منه بعض أصدقائه توخي الحذر بعد انتشار “حملة عنصرية” على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه أوضح أنه لا يشعر بأي تأثير في النادي الذي يلعب فيه كرة القدم، حيث يشعر “”مثل جزء من العائلة””
جهود محلية لاحتواء الأزمة
في حين أوضح خالد العيود، مدير مركز طاوسنا لدراسات وأبحاث الهجرة، أن كرة القدم تعكس درجة معينة من الانقسام بين المهاجرين في منطقة سوسة (وسط ووسط المغرب). ويعيش في منطقة سوسة حوالي 3000 سنغالي، منهم حوالي 12000 مهاجر يعملون في الأراضي الزراعية.
وقالت أولو أيود إنها بادرت على الأرض لاحتواء الأزمة التي نشأت في نهائي كأس الأمم الأفريقية، مضيفة: “لاحظنا عقد ندوات حول التطرف والتعصب، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، وقمنا بالاتصال برؤساء المنظمات المعنية للتأكد من أنها عقلانية وغير تصادمية. حتى أننا تحدثنا عن ضرورة عدم الخروج لمدة يومين أو ثلاثة أيام بعد المباراة، وهذا ما حدث بالفعل، ولم يتم تسجيل أي حوادث في مناطق مثل آيت أميرة”. وسيدي ب. والحقيقة حتى الاحتفالات لم تتم إلا في منطقة بلفا.
كما تصدرت عدد من المنظمات والأحزاب السياسية في المغرب والسنغال إدانة أعمال العنف التي ارتكبتها بعض جماهير ستاجل خلال المباراة النهائية، داعية وسائل الإعلام إلى الالتزام بالأخلاق الصحفية وعدم الانسياق وراء الخطابات التحريضية التي شهدتها وسائل التواصل الاجتماعي. وتشمل هذه المنظمات جمعية الأطباء المغاربة وجمعية الأطباء في السنغال، وجمعية الصحفيين المهاجرين، وجمعية الأطباء الذين يقومون بتأهيل ضحايا العنف، وإمارة التيجانية.
وشهدت الصحف تعاملا متباينا، إذ اختارت بعض الصحف عناوين استفزازية مثل «الكأس خلفنا والعدو أمامنا»، بينما فضلت صحف أخرى عناوين أكثر توازنا مثل «أفريقيا أفسدت العرس». ورأى الأمين العام للنقابة، عبد الكبير أكتيسين، أن «الخطاب العنصري لم يظهر بقوة إلا على وسائل التواصل الاجتماعي، وحدث بعض الالتباس في الصحف، التي كشفت عيوب ما يسمى «صحافة المواطن». والصحافة مهنة ذات قواعد علمية تتطلب منا الابتعاد عن الإثارة والتحلي بالجرأة في تعاملنا المهني.
العلاقات الاقتصادية والثقافية بين البلدين
المغرب موطن لحوالي 160.000 شخص من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، معظمهم من السنغاليين، مما يجعل الوجود المغربي في السنغال الأكبر في القارة. ووفقا لبيانات الإدارة الوطنية للإحصاء والديموغرافيا السنغالية، يتصدر المغرب قائمة الدول الأفريقية المصدرة إلى السنغال، حيث بلغت صادرات المغرب حوالي 264.6 مليون دولار، وصادرات السنغال إلى المغرب حوالي 44.5 مليون دولار. وتشمل صادرات المغرب بشكل رئيسي الأسمدة ومواد البناء والمواد الغذائية.
وتتمتع الدولتان أيضًا بعلاقات ثقافية وروحية قوية من خلال الزاوية التيجانية، وهي طريقة صوفية سنية مقرها في فاس ولها ملايين من الأتباع، خاصة في السنغال وموريتانيا والجزائر. ودعت إمارة الزاوية التيجانية، في بيان لها، كافة المؤمنين والمخلصين وكافة أبناء الشعبين الشقيقين إلى اليقظة والحذر وعدم الانسياق وراء دعاة الفتنة والتطرف والعنف.
وأكد بلاغ مغربي صدر عقب اتصال هاتفي بين رئيسي حكومتي البلدين، أن “علاقاتنا الثنائية مبنية على أسس متينة وتلامس أبعادا إنسانية ودينية واقتصادية قوية”. كما حذر بلاغ الديوان الملكي من أن “المخططات العدائية لن تحقق أهدافها وأن الشعب المغربي لن يقبل الانسياق وراء الحقد والانقسام، لأنه يفهم كيف يفرق بين الأشياء ولا شيء يمكن أن ينال من الصداقة الحميمة المنسوجة منذ قرون بين الشعوب الإفريقية”.
ويرى الباحث خالد العيود أن التعامل مع الوضع المرتقب يتطلب “سيادة العقل، وليس العاطفة، بعد مرور العاصفة، لأن اهتمام المغرب بالعلاقات الدولية والقارية يتطلب الحكمة”، مضيفا أن “دور المثقفين والدولة ووزارة الخارجية هو العمل معا لتعزيز القيم العالمية من خلال الأخوة وإعطاء الحقوق للعمال”.
وأعرب العاهل المغربي الملك محمد السادس الأسبوع الماضي عن ثقته في قدرة “الأخوة الإفريقية” على تجاوز “الأحداث المؤسفة” التي شهدها نهائي البطولة القارية. كما أقر الوزير الأول السنغالي عثمان سونكو بالرباط يوم الاثنين (26 يناير 2026) أن الصداقة بين السنغال والمغرب “أقوى من المشاعر”. وكان سببها المباراة النهائية الفوضوية لبطولة كأس الأمم الأفريقية يوم 18 يناير الماضي، والتي فاز بها المنتخب السنغالي على حساب المغرب.
وشدد سونكو على أن زيارته للمغرب “لم تكن رحلة استرضاء، بل رحلة تأكيد وتجاوز وإعادة بناء العلاقات بما يليق بالبلدين، واحترام بعضهما البعض، والتعرف على بعضهما البعض، والعمل معا بعين استشراف للمستقبل”. كلام رئيس الوزراء السنغالي جاء خلال أشغال اللجنة المشتركة بين البلدين، التي يرأسها مع رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش.




