بين تصريح الإبراهيمي واتهامات ركجة والعالمي.. أين تنتهي حرية التعبير وتبدأ المسؤولية القضائية؟ – أصوات مغربية

أعاد التحقيق القضائي في تصريحات النائب عن العدالة والتنمية عن منطقة القنيطرة والمرشح للانتخابات التشريعية، مصطفى الإبراهيمي، الجدل حول الخط الفاصل بين حرية التعبير للمرشحين وأعضاء البرلمان والمسؤولية القضائية، خاصة عندما تتضمن التصريحات بيانات أو اتهامات يمكن اعتبارها تمس بنزاهة العملية الانتخابية.
وقد وضع ممثلو الادعاء حماية نزاهة الانتخابات المقبلة “في صميم دورهم”، لكن توقيت التدخل وطبيعة التصريحات التي تم الإدلاء بها تثير تساؤلات مماثلة حول ما إذا كان التدخل القضائي، حتى بشكل غير مباشر، يمكن أن يكون عاملا في التأثير على الحملة الانتخابية.
وجاء تحرك وكيل الجمهورية بالقنيطرة بعد تداول مقطع من كلمة الإبراهيمي خلال ندوة اتصال حول “الأداء السياسي ونتائج الأنشطة البرلمانية” نظمتها الأمانة الجهوية للعدالة والتنمية. وأعلن وكيل الجمهورية لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة، في بلاغ له، عن فتح تحقيق قضائي لتحديد حيثيات وملابسات التصريح مع الأخذ في الاعتبار النتائج وفرز الآثار القانونية اللازمة.
وذكر التقرير أن “هذا الإجراء يندرج ضمن الدور المنوط بالنيابة العامة لضمان نزاهة العملية الانتخابية وحسن تطبيق القانون وسلامة الحقوق”.
وفي هذا السياق، فإن القضية لا تشكك في مضمون التصريحات فحسب، بل تمتد إلى طبيعة التدخل القضائي في المرحلة الانتخابية، التي تتسم بحساسيات خاصة. مع اقتراب يوم الانتخابات، تثير الإجراءات القضائية التي تؤثر على المرشحين وبيانات الحملات الانتخابية، اعتمادًا على توقيتها، جدلاً حول تأثيرها المحتمل على مشهد الحملة الانتخابية.
وما يثير مزيدا من الشكوك في هذا الصدد هو أنه بعد “تسريب” المقطع الصوتي لرشيد طالبي العلمي عام 2015، فشلت النيابة نفسها في اتخاذ خطوات مماثلة في قضايا مماثلة بطولة رشيد طالبي العلمي، زعيم التجمع الوطني للمستقلين، وفوزي ركجة، رئيس حزب الأصالة والمعاصرة، على خلفية اتهامات خطيرة وتبادل أوصاف أخطر مثل “الإرهاب”. اجتماع المكتب السياسي لحزب “الحمامة”.
ولذلك يطرح السؤال التالي. من أين تبدأ حرية المرشحين والمسؤولين الحزبيين في التعبير وانتقاد منافسيهم خلال الحملات الانتخابية، ومن أين تبدأ مسؤولية السلطات القضائية في التدخل لحماية نزاهة الانتخابات والتصريحات المضادة التي تتضمن اتهامات أو بيانات يمكن أن تؤثر على إرادة الناخبين والعناصر التي يقوم عليها هذا التدخل؟
تصريح الإبراهيمي: اتهام أم خطاب سياسي؟
وفي قضية البرلماني والمرشح الإبراهيمي، ترى شريفة ريمير، أستاذة العلوم السياسية، في تصريح لجريدة صوت المغرب، أن “تدخل الوكيل العام كان متوقعا، خاصة وأن المعطيات المنشورة كانت أشبه باتهام منه بتصريح سياسي في إطار التنافس السياسي”.
لكنها شددت أيضا على أن تدخل المدعي العام “يجب أن يأخذ في الاعتبار سياق التصريحات المنشورة بما يضمن نزاهة التدخل”، معتبرة أن الغرض من التدخل هو “ضمان المسار السليم في كل مرحلة من مراحل الدائرة الانتخابية”.
وتحدث السيد الإبراهيمي بصفته عضوا في البرلمان في كلمة مسجلة كاملة بحضور أكثر من 100 برلماني ومستشار وقادة مجموعات وقيادات حزبية وقيادات أحزاب الائتلاف. وأضاف: “بعضهم في السجن، وبعضهم محكوم عليهم بالإعدام، أو لا تزال قضاياهم قيد المتابعة”.
كما ناقش اتهامات العديد من هؤلاء المنتخبين وارتباطهم بتهريب المخدرات، قبل أن يسأل عن كمية المخدرات المرتبطة بهذه الملفات، مستشهدا برقم 270 طنا.
وبحسب التسجيل الكامل، فإن الإبراهيمي لم يذكر أي مرشح محدد ولم يذكر صراحة أن الحديث كان يتعلق بالانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 23 سبتمبر 2026. كما أن التسجيلات لا تحتوي على تصريحات حرفية تفيد بأن أموال المخدرات تستخدم لشراء الأصوات أو تمويل الانتخابات؛ بل إن الارتباط بين الحديث عن المخدرات والتأثير على العملية الانتخابية حدث ضمن مجموعة من السياقات.
شروط فهم التدخل القضائي
وتكتسب مسألة السياق أهمية خاصة في هذه القضية، خاصة وأن اللقطات التي أثارت الجدل تم توزيعها على أجزاء قبل إعادة التسجيل الكامل لتصريحات الإبراهيمي.
وفي هذا الصدد، يرى لومير أن “معالجة هذه التصريحات وفتح تحقيق في هذا الوضع لا يمكن أن يمر دون عواقب”، مذكرا بالوضع “خاصة في المرحلة الانتخابية الحالية، حيث تم قطع التصريحات وتوزيع أجزاء معينة فقط، حتى يمكن استغلالها من قبل الأحزاب السياسية المتنافسة”.
لكن الوثيقة تؤكد أن النيابة العامة «لا يمكنها الاعتماد على أجزاء من الكل في إطار الحفاظ على حيادها ونزاهتها في التعامل مع الملف».
الحصانة البرلمانية
ومن ناحية أخرى، تثير قضية الإبراهيمي تساؤلات حول الامتياز البرلماني، خاصة أنه عضو في البرلمان ومرشح لولاية جديدة. وبالعودة إلى دستور 2011، يضمن الفصل 64 حماية للأعضاء فيما يتعلق بالآراء والمواقف التي يعبرون عنها أثناء أداء واجباتهم.
وينص الفصل على أنه “لا يجوز ملاحقة أعضاء البرلمان أو تفتيشهم أو اعتقالهم أو احتجازهم أو تقديمهم للمحاكمة عند التعبير عن آرائهم أو التصويت في أداء واجباتهم، ما لم تكن الآراء التي يتم التعبير عنها تطعن في النظام الملكي أو الإسلام، أو تتضمن محتوى يسيء إلى احترام الملك”.
علاوة على ذلك، تنص المادة 30 من النظام الداخلي لمجلس النواب على أنه “لا يجوز ملاحقة أعضاء مجلس العموم أو تفتيشهم أو القبض عليهم أو اعتقالهم أو تقديمهم للمحاكمة عند التعبير عن آرائهم أو التصويت أثناء أداء واجباتهم، إلا في الحالات التي تتحدى فيها الآراء المعبر عنها النصاب الموحد للدولة المغربية، وهو ما يتعارض مع الإسلام أو الملكية أو الوحدة الوطنية أو الاختيار الديمقراطي أو أي احترام آخر للملك”.
وبموجب المادة نفسها، يقصد بالتعبير عن الرأي الموقف أو الاعتقاد الذي يعبر عنه عضو المجلس بالقول أو الكتابة أثناء أداء واجباته الدستورية، سواء داخل المجلس أو خارجه.
ويوضح لو مير أن الحماية المكفولة للبرلمانيين في المادة 64 تتعلق ببند الحصانة الذي يمنحهم الحصانة من الملاحقة القانونية بناء على آرائهم ومواقفهم التي يعبرون عنها في إطار واجباتهم.
أما بالنسبة للحصانة الإجرائية، فيرى الباحثون أنه “ما لم يتم رفع هذه الحصانة بعد طلب من الجهات المختصة، فإنها ستشكل عائقا كبيرا أمام مباشرة التحقيق أو الملاحقة القضائية”.
لكنها تقول إن نقاش اليوم يتجاوز قدرة الكونجرس على رسم خط فاصل بين “التعبير السياسي الذي يضمنه الدستور والمسؤولية الجنائية الناشئة عن تصريحات غير مدعومة بأدلة تؤثر على المنظمات أو الأفراد”.
وفي هذا الصدد، أصدرت محكمة الاستئناف الجزائي بالدار البيضاء، في القضية المعروفة إعلاميا باسم “إسكوبار في الصحراء”، حكما يوم 25 يونيو 2026، بالحكم على القياديين السابقين في حزب الحداثة الحق، سعيد الناصري وعبد النبي بيوي، بالسجن 10 سنوات عن الجرم الأول و12 سنة عن الجرم الثاني. بتهم تتعلق بالاتجار الدولي بالمخدرات.
اتساق معايير التدخل القضائي
من ناحية أخرى، فإن عدم الإعلان عن فتح تحقيق قضائي، رغم التصريحات السابقة لرشيد طالبي العلمي وفوزي ركعة، والتي تضمنت اتهامات وتبادلت لغة بالغة الخطورة، يثير تساؤلات حول مدى اتساق معايير التدخل القضائي في القضايا المتعلقة بالمناظرات السياسية والانتخابية.
وأثار تسريب مقطع صوتي الأسبوع الماضي لاجتماع المكتب السياسي للمؤتمر الوطني للحزب الليبرالي جدلا واسع النطاق، أعقبه تبادل الاتهامات والردود ذهابا وإيابا، لكن النيابة العامة لم تعلن أنها ستطلق تحقيقا مماثلا لتحديد محتوى التصريحات والحقائق الواردة فيها، وفقا للبيانات المتاحة.
والمسألة هنا ليست المطالبة بفتح تحقيق قضائي تلقائياً في كل تصريح سياسي مثير للجدل، بل وفق القانون، حيث تبقى مسؤولية النيابة العامة تقييم مستوى الشبهة التي تستدعي التحقيق. ومع ذلك، فإن الاختلافات في التعامل مع التصريحات المتشابهة في طبيعتها وخطورتها، خاصة خلال فترات الانتخابات، يمكن أن تثير نقاشات مشروعة حول المعايير التي تحكم حركة البحث ومدى تطبيقها بشكل متسق على مختلف الجهات السياسية الفاعلة، بغض النظر عن الموقف الحزبي أو الانتخابي.
ومن هذا المنطلق، فإن القضايا التي تثيرها قضية الإبراهيمي لا تقتصر على القيود المفروضة على حرية التعبير داخل البرلمان أو طبيعة الاتهامات التي تضمنتها تصريحاته، بل تمتد إلى معايير موحدة للتعامل مع الخطاب السياسي الذي يتضمن اتهامات وبيانات يمكن أن تؤثر على صورة المنافسين أو خيارات الناخبين.
العازمي..حالة أخرى تعيد الجدل إلى الواجهة من جديد
ولم يقتصر الحديث عن القيود المفروضة على التعبير السياسي على تصريحات الإبراهيمي. يأتي ذلك بعد أن أدلى إدريس العازمي الإدريسي، مرشح حزب العدالة والتنمية عن دائرة سهيرة تمارة، بتصريحات أخرى خلال ظهوره على القناة الثانية اتهم فيها منافسه رشيد الحمري، مرشح المجلس الوطني عن حزب الأحرار، بتضارب المصالح، ما أثار جدلا واسعا. قام بتنظيم حفل عشاء في الأيام الأولى للانتخابات وربط اسمه بالقضايا الإدارية في شيلرات.
هذه التصريحات، خاصة أن هذه التصريحات، كما يشير مراقبون إعلاميون، أذيعت على القناة الثانية في غياب الأطراف المتهمة للرد في البرنامج نفسه، أثارت مزيدا من الجدل حول حدود الخطاب السياسي خلال فترات الانتخابات، وهو ما يتطلب ضمان حق الرد.
هل يؤثر القضاء على اختيارات الناخبين؟
هناك سؤال بارز آخر نشأ في المناقشة حول ضمان نزاهة العملية الانتخابية، وهو يتعلق بمدى تأثير هذا التدخل القضائي على صور المرشحين واختيارات الناخبين، والخط الفاصل بين حماية نزاهة الانتخابات وعدم التأثير على المنافسة الانتخابية.
وأقر لومير، الباحث في العلوم السياسية، بأن معالجة البيان وفتح تحقيق في الوضع “لن يكون بدون عواقب” نظرا لسرية إدارة الانتخابات، وأشار إلى أنه في حين أنه “قد يسمح للأحزاب السياسية المتنافسة بالاستفادة سياسيا من هذه القضية”، إلا أنه “لا يمكن استنتاج أن التدخل القضائي يؤثر بالضرورة على خيارات الناخبين”.
ويوضح لومير أن “هناك محددات أخرى للسلوك الانتخابي للناخبين المغاربة لها تأثير كبير على العملية برمتها”. وفيما يتعلق بالخط الفاصل بين الخطاب السياسي المشروع والخطاب الذي قد يخضع للتدخل القضائي، يوضح الباحثون أن “النقاش السياسي يجب أن يعتمد على خطاب دقيق موجه في إطار الحملة الانتخابية”.
وأضاف أنه “لا ينبغي النظر إلى التصريحات على أنها إهانات أو اتهامات لا أساس لها من الصحة ضد أشخاص محددين”، لافتا إلى أن “مثل هذا الرد كان ممكنا نظرا لأنه تم تعيين مدع عام جديد في نفس الوقت الذي صدرت فيه هذه التصريحات”.
وأضاف لو مير أن آلية تدخل النيابة العامة “تواصل ضمان نزاهة الحملات الانتخابية”، معتبرا أنها “تتقاطع إلى حد كبير مع الحريات الممنوحة للبرلمانيين، والتي لا تزال غير مطلقة”.
وأضافت أن هذا الموضوع له أهمية خاصة في كافة مراحل الانتخابات، معتبرة أن “الدولة مهتمة باختيار وسائل وأساليب التعامل مع هذه التصريحات، بهدف عدم المساس بنزاهة العملية الانتخابية”.
ويتضمن القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب حظراً على إذاعة أو توزيع أو نشر أو إذاعة أخبار كاذبة أو ادعاءات أو وقائع كاذبة أو وثائق ملفقة أو ملفقة بقصد الإضرار بالحياة الخاصة أو تشويه سمعة الناخبين أو المرشحين. ويشمل ذلك إنشاء محتوى يحتوي على محتوى كاذب أو ملفق بغرض المساس بنزاهة العملية الانتخابية ونزاهتها.
الدعم القضائي لحقوق التصويت
وفي هذا الصدد، دعا مدير النيابة العامة جميع أعضاء النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف والمحكمة الابتدائية إلى التعبئة والمرافقة الفعالة للانتخابات التشريعية وضمان إجرائها في أجواء يسودها الالتزام بالقانون والأمانة والشفافية والمنافسة العادلة.
أكد النائب العام العام لدى محكمة النقض، هشام براوي، في منشور له، أنه وفقا للمادة 11 من الدستور، التي تجعل من الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة حجر الزاوية في شرعية التمثيل الديمقراطي، فإن “السلطة القضائية تلعب دورا حيويا في مواكبة العملية الانتخابية”، مما يساهم في تعزيز ثقة الجمهور وتحقيق الأمن الانتخابي.
بالإضافة إلى تعزيز التعاون بين مكاتب الخلايا الإقليمية والمحلية ومكتب الخلية المركزي المنشأ حديثًا بقيادة مكتب المدعي العام، تضمنت الدورية توجيهات للتعامل بحزم وصرامة مع الممارسات المخالفة للقانون، وتسريع التحقيقات في الشكاوى الانتخابية، وتفعيل الأحكام القضائية المتعلقة بالمواد الانتخابية. كما تم تعزيز التعاون مع الفريق الأمني المسؤول عن التعامل مع القضايا الانتخابية.
وفي هذا السياق، تشير الباحثة في العلوم السياسية شريفة الرميل إلى أن “تدخل المدعي العام في العملية الانتخابية بهذا الشكل يعتبر ركيزة مهمة لضمان نزاهة العملية الانتخابية والقدرة على مواكبة مختلف مراحل التأهيل الانتخابي بشكل فاعل”، إضافة إلى “التصدي الحازم لأي ممارسات من شأنها المساس بنزاهة العملية الانتخابية أو المساس بنزاهة وشفافية العملية الانتخابية”.




