تناضل المرأة المغربية بين المساواة والإنصاف وتكافؤ الفرص: مسارات الإصلاح والمصالح السياسية

تعد قضية تمكين المرأة في المغرب من أبرز القضايا المصاحبة لمسيرة التحول الديمقراطي التي شهدتها السعودية في العقود الأخيرة. إن زيادة حضور المرأة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لم يعد مجرد حق من حقوق الإنسان أو مطلب اجتماعي، بل أصبح جزءا لا يتجزأ من مشروع بناء الدولة الحديثة على أساس المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص. منذ نهاية التسعينيات، شهد المغرب حركات إصلاحية مهمة في مجال حقوق المرأة، بلغت ذروتها باعتماد مبادئ دستورية جديدة تؤكد على المساواة بين الجنسين والسعي لتحقيق المساواة في مختلف المجالات. وعلى الرغم من التقدم المحرز، إلا أن العديد من التحديات المتعلقة بالأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا تزال قائمة أمام تحقيق المساواة الحقيقية.
من مطالب حقوق الإنسان إلى دستورة المساواة
لقد تغيرت قضايا المرأة في المغرب تدريجيا، حيث انتقلت من المطالبة بإصلاحات قانونية إلى إرساء الحقوق في النصوص الدستورية والتشريعية. ومع نهاية التسعينيات، بدأت مرحلة جديدة من النقاش العام حول وضع المرأة، خاصة مع صعود الحركة النسائية والمطالبة بإصلاح القوانين المتعلقة بالأسرة والحقوق المدنية.
وكان إصلاح قانون الأسرة لعام 2004 بمثابة نقطة تحول في هذا الاتجاه، إذ ساهم في تعزيز حقوق المرأة داخل الأسرة وإعادة التوازن إلى العلاقات الأسرية. كما تم اعتماد نظام الحصص النسائية في الانتخابات البرلمانية بهدف زيادة تمثيل المرأة في البرلمان.
لكن التغيير الأكبر جاء مع دستور 2011، الذي ينص بوضوح على المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات. كما أكد على جهود الدولة في إنشاء مؤسسات لتحقيق المساواة ومكافحة كافة أشكال التمييز. وقد فتح هذا المطلب الدستوري الباب أمام سياسات عامة جديدة تهدف إلى تعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة.
المفاهيم الأساسية: العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص
ترتكز السياسات المتعلقة بتمكين المرأة في المغرب على ثلاثة مفاهيم أساسية مترابطة.
التكافؤ: يعني تحقيق التمثيل المتوازن بين المرأة والرجل في مناصب صنع القرار السياسية والاقتصادية والإدارية.
الإنصاف: يتعلق باتخاذ إجراءات تصحيحية لمعالجة الاختلالات التاريخية التي حدت من مشاركة المرأة في الحياة العامة.
تكافؤ الفرص: يهدف إلى ضمان المساواة في حصول النساء والرجال على التعليم والعمل والمشاركة السياسية.
ومن خلال هذه المبادئ، تهدف الدولة المغربية إلى تحقيق مشاركة أكثر مساواة للمرأة في مختلف المجالات، بما يساهم في تعزيز التنمية والديمقراطية.
دور الأحزاب السياسية في تمكين المرأة
وتلعب الأحزاب السياسية دوراً هاماً في دعم مشاركة المرأة في الحياة العامة، باعتبارها الفاعل الرئيسي في تنظيم السكان والمشاركة في العملية الانتخابية. وعملت معظم الأحزاب السياسية في المغرب، خلال السنوات الماضية، على إنشاء تنظيمات نسوية موازية تهدف إلى تأطير المرأة سياسيا وتشجيع مشاركتها في الأنشطة الحزبية. وساعدت هذه الأحزاب أيضًا في الدفع باتجاه تطبيق نظام الحصص النسائية وزيادة تمثيل المرأة في البرلمانات والمجموعات الإقليمية. كما شاركت الأحزاب السياسية في سن العديد من القوانين المتعلقة بحماية حقوق المرأة، بما في ذلك القوانين المتعلقة بمكافحة العنف ضد المرأة وتعزيز المساواة في السياسة العامة.
جهود حزب العدالة والتنمية لدعم مشاركة المرأة
ويعد حزب العدالة والتنمية أحد الأحزاب التي انخرطت في النقاش العام حول قضايا المرأة، خاصة خلال فترة قيادته للحكومة من 2011 إلى 2021. وخلال هذه المرحلة، تم إطلاق عدد من المبادرات والسياسات الهادفة إلى تحسين وضع المرأة، أبرزها خطة الحكومة للمساواة، “إكرام”، التي هدفت إلى دمج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسة العامة وتعزيز التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة. وشهدت هذه الفترة تشريعات تهدف إلى مكافحة العنف ضد المرأة وتعزيز الحماية القانونية. وقد ساهمت هذه التدابير في تطوير الأطر القانونية والمؤسسية المتعلقة بقضايا المرأة. وعلى المستوى الحزبي، شجع الحزب مشاركة المرأة في هياكله التنظيمية وسعى إلى ترشيح عدد كبير من النساء للانتخابات التشريعية والجماعية، مما ساهم في ظهور قيادات نسائية داخل الحزب وفي الهيئات المنتخبة.
الرهان على المرحلة المقبلة
يطرح موضوع تمكين المرأة في المغرب العديد من الأسئلة المهمة المتعلقة بمستقبل الديمقراطية والتنمية في هذا البلد. أول هذه الرهانات هو تعزيز المشاركة السياسية للمرأة وضمان وجودها في مواقع صنع القرار بما يعكس تنوع المجتمع ويساهم في تطوير الحياة السياسية. كما يعد التمكين الاقتصادي للمرأة قضية أساسية، نظرا لدوره في زيادة استقلال المرأة وقدرتها على المشاركة في الحياة العامة. علاوة على ذلك، فإن التذرع بالمتطلبات الدستورية المتعلقة بالمساواة، وخاصة فيما يتعلق بتطوير السياسات العامة وتعزيز آليات الرصد والتقييم، يعد من أهم التحديات في الوقت الحالي.
القيود والتحديات المستمرة
ورغم التقدم الذي أحرزه المغرب في مجال تمكين المرأة، إلا أن هذا المسار لا يزال يواجه العديد من القيود. ومن أبرز هذه التحديات ضعف حضور المرأة في مواقع صنع القرار داخل الأحزاب السياسية، فضلا عن استمرار العديد من أنظمة التمثيل الاجتماعي التقليدية التي تحد من مشاركة المرأة في المجال السياسي. كما تشكل العوامل الاقتصادية أحد أبرز العوائق، حيث لا تزال نسبة كبيرة من النساء يعانين من الضعف الاقتصادي، مما يؤثر على قدرتهن على ممارسة النشاط السياسي.
نحو الانتقال من التكافؤ القانوني إلى التكافؤ العملي
تعكس تجربة المغرب في مجال تمكين المرأة مسارا إصلاحيا تدريجيا يجمع بين الإصلاح القانوني والسياسة العامة والمبادرات المجتمعية. لكن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو الانتقال من مجرد النصوص القانونية إلى تحقيق المساواة على أرض الواقع. وسيتطلب ذلك تعزيز دور الأحزاب السياسية في تأهيل القيادات النسائية وتطوير السياسات العامة الداعمة للمرأة، بالإضافة إلى تغيير بعض التعبيرات الثقافية التي لا تزال تمنع المرأة من المشاركة في الحياة العامة. إن تمكين المرأة ليس مجرد قضية حقوقية، بل هو رهان استراتيجي لبناء مجتمع أكثر عدلا وتوازنا وتحقيق تنمية شاملة تعود بالنفع على كافة شرائح المجتمع.
* إيجي بومجيل، عضو لجنة المساواة وتكافؤ الفرص بحزب العدالة والتنمية
#تناضل #المرأة #المغربية #بين #المساواة #والإنصاف #وتكافؤ #الفرص #مسارات #الإصلاح #والمصالح #السياسية




