سياسة

عبد الرحمن اليوسفي.. ثائر مغربي قاد الحكومة برئة واحدة

وفي فبراير 1998، استقبل الملك الحسن الثاني عبد الرحمن اليوسفي زعيم حزب الاتحاد الشعبي الاشتراكي بالقصر الملكي بالرباط وعينه رئيسا للوزراء (رئيس الحكومة). فالتفت إليه وقال: “أقدر قدرتك ونزاهتك، وأعلم جيداً منذ الاستقلال أنك لا تسعى وراء المناصب، بل تهرب منها دائماً، ولكننا جميعاً نسير نحو مرحلة ستتطلب الكثير من الجهد والتبرعات للمضي بالبلاد إلى الأمام”.

ومنذ تلك اللحظة، انتقل اليوسفي وحزبه من المعارضة إلى الحكم، منهيا بذلك عقودا من الصراع بين هذا الحزب اليساري والنظام المغربي، ومعه بدأت تجربة المغرب في ما يسمى بالاستبدال التوافقي أو الانتقال السياسي.

وبعد اعتزاله السياسة قبل 16 عاما، ظل اليوسفي صامتا ونائيا عن الإعلام حتى أمس الجمعة، عندما تقاعد عن عمر يناهز 96 عاما.

الملك محمد السادس يزور اليوسفي الذي دخل المستشفى بسبب أزمة صحية عام 2016 (موقع التواصل)

بسبب وضعية الحجر الصحي بسبب انتشار وباء كورونا، لم يتمكن المغاربة من توديع أحد أهم سياسيي البلاد، زعيم تيار التوافق والسياسي الذي وصفته وسائل الإعلام المغربية. وبدلاً من ذلك، كتبوا مدونات وتغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي، ينعون فيها المتوفين ويحيون ذكرى مواقفهم في جنازات جماعية افتراضية تحضرها مختلف الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية.

وفي جنازة حضرها عدد قليل من الأصدقاء المقربين وتحت إجراءات أمنية مشددة، دُفن عبد الرحمن اليوسفي في مقبرة الشهداء بالدار البيضاء، بالقرب من قبر عبد الله إبراهيم، أحد رموز الحركة الوطنية ورئيس وزراء المغرب الثالث بعد الاستقلال.

وقال الملك الراحل محمد السادس، في رسالة تعزية إلى أرملته، إن اليوسفي “شكل مرحلة مهمة في تاريخ البلاد الحديث بفرديته وأسلوبه المميز المبني على الالتزام الواضح بالمسؤولية والمبادئ والنزاهة والوفاء”.

حياة مزدحمة

ولد اليوسفي في 8 مارس 1924 بمدينة طنجة شمال المغرب، حتى وفاته في 29 مايو 2020 بمدينة الدار البيضاء (وسط المغرب)، وعاش حياة حافلة بالتنفس برئة واحدة فقط بعد استئصال الرئة الأخرى في عمليتين جراحيتين في الخمسينيات من القرن الماضي.

أمضى حياته في مقاومة الاستعمار، وتعرض للسجن والاضطهاد والنفي في فرنسا كمعارض للاتحاد الشعبي الاشتراكي، وكمؤيد لحركات التحرير، وفي عام 1998 كزعيم لحكومة الوفاق الدورية.

وفي عام 2002، بعد أن قرر الملك تعيين وزير الداخلية التكنوقراطي إدريس جتو رئيساً للوزراء على الرغم من فوز الحزب الاتحادي الاشتراكي في الانتخابات البرلمانية، اعتبر اليوسفي التعيين “انحرافاً عن المنهجية الديمقراطية” وقرر التقاعد وإنهاء مسيرته السياسية.

وقال رئيس الوزراء الأسبق عبد الإله بنكيران في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت إن اليوسفي كان “وطنيا عظيما، خدم وطنه بشرف ومن حقه أن يفعل ما لا مفر منه لكل كائن حي: الموت. نسأل الله أن يغفر له ويرحمه”.

الجزيرة نت خاص / الدار البيضاء / ضريح المرحوم عبد الرحمن اليوسفي بمقبرة الشهداء بجانب ضريح المرحوم عبد الله إبراهيم أحد رموز الحركة الوطنية. ضريح اليوسفي في مقبرة الشهداء بجوار قبر المرحوم عبد الله إبراهيم أحد رموز الحركة الوطنية (الجزيرة)

مخاوف عربية ودولية

لم يكن اليوسفي يهتم بمشاغل بلاده فحسب، بل أيضا بالقضايا العربية والدولية، وكرس نفسه لدعم حركات التحرر في جميع أنحاء العالم. وكانت حياته في منفاه بفرنسا مليئة بالصراعات السياسية والقانونية داخل اتحاد المحامين العرب والمنظمة العربية لحقوق الإنسان التي ساهم في تأسيسها مطلع الثمانينيات. كما دافع عن النشطاء الفلسطينيين في المحاكم الأوروبية وكان عضوًا في المحكمة الدولية للجرائم المرتكبة في فيتنام في الستينيات.

بعد حصوله على العفو العام والعودة من المنفى، أصبحت العلاقة بين الحسن الثاني واليوسفي أقرب. وفي مذكراته التي جمعها زميله المناضل مبارك بودرجه، قال اليوسفي إنه عندما قدم لأول مرة ولي العهد محمد (الملك الحالي) وشقيقه ولي العهد الأمير رشيد، قال الملك الحسن الثاني مازحا: “إنه أحد أكبر مهربي الأسلحة. وحتى عندما كان يرقد على سرير في مستشفى بإسبانيا، كان يخفي مهربي الأسلحة ويزود المقاومة وقوى التحرير المغربية بالسلاح”.

ورغم ابتعاده عن السياسة، فقد واصل التواصل مع الملك محمد السادس، الذي كان يتابع حالته الصحية باستمرار، وفي يوليو/تموز 2016 حضر افتتاح شارع يحمل اسمه في طنجة، وهو الحدث الذي وصفه اليوسفي في مذكراته بأنه “حدث غير مسبوق في التاريخ المغربي كان له تأثير عميق علي”.

اليوسفي يمثل أمام المحكمة بتهمة المساس بالأمن الداخلي بالتآمر على الملك الحسن الثاني (تقرير المغرب)

تقاطع رئيسي

ويصف عبد الحميد الجماهيري، زعيم حزب الجيش الشعبي الاشتراكي الموحد ورئيس تحرير صحيفة الاتحاد الاشتراكي الناطقة باسم الحزب، اليوسفي بالشخص الذي يجمع الأمة كلها.

وفي اتصال هاتفي مع الجزيرة نت، قال جمالي إن الفقيد “عاش حياة عفيفة وكان قاسيا على نفسه وعلى من يعمل معهم، لكنه في الوقت نفسه كان يتمتع بقدرة كبيرة على خرق القانون وإيجاد الاتفاقات”. لذلك يوضح جمالي أن الأطراف وجدت فيه حكماً أساسياً، قادراً على صياغة معادلات معقدة ببساطة ترضي الجميع.

غلاف كتاب “أحاديث عما حدث” والذي يتضمن مذكرات يرويها زميل اليوسفي مبارك بودلخة (الجزيرة)

وقال جمالي، الذي كان من القلائل الذين حملوا الفقيد إلى مثواه الأخير، إن اليوسفي كان “مفترق طرق عظيما، مفترق طرق في الزمن بين النضال من أجل الحرية والاستقلال والنضال من أجل القمع والديمقراطية، وهو زعيم وطني كبير. “لقد عاش تقاطع النضال من أجل الشرعية والسلطة وزمن تقاسمها وتربية الشعب على النضال من أجل الديمقراطية، وتقاطع الوطنيين الحقيقيين والزعماء الدوليين الذين أمسكوا السلطة الوطنية”. تحتل مكانة مهمة عربيا ودوليا”.

وبحسب الجماهيري، فإن هذه القدرة على دمج كل هذه الجوانب في شخصية واحدة جعلت من اليوسفي “ليس رجل دولة فحسب، بل رجل تاريخي”.

قبل عامين من رحيله الأخير، شرع اليوسفي في تسجيل شهادته حول مراحل مهمة من تاريخ المغرب في كتاب من ثلاثة أجزاء بعنوان «أحاديث عما حدث». يروي فيه قصته منذ أن رأى النور في منزل متواضع في طنجة شمال المغرب، حتى اعتزاله السياسة. ورغم أنه كان حذرا في سرد ​​مذكراته، إلا أنها تظل سردًا موثقًا للأحداث التي عاشها خلال مسيرته السياسية الطويلة والمزدحمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button