مجتمع

د. عبد السلام دكان: هوية الحزب في المغرب – كخبرس

تطرح هوية الأحزاب السياسية في المغرب أسئلة مركزية تتعلق بشروط تكوين الانتماءات السياسية ووظيفة الأحزاب السياسية في المجتمع. ويمكن النظر إلى الأحزاب، في نطاق التقييمات التحليلية التي تظل نسبية ومفتوحة للتأويل، كفاعلين مؤسسيين يتشكلون ضمن المجال السياسي والاجتماعي الذي تتفاعل فيه قيم وتوقعات الدولة والنخبة والجمعية، وتتحدد هويتها بقدرتها على تنظيم التعددية الاجتماعية وصياغتها في مواقف ومشاريع سياسية يمكن تمثيلها وتداولها في المجال العام. وتتأسس هذه الهوية من خلال تراكم المرجعيات، والذكريات التنظيمية، والقواعد الاجتماعية، والموارد الرمزية، وأنماط الإنتاج النخبوي، وآليات التوسط، مما يجعلها ظاهرة ديناميكية تتأثر بالتحولات الاجتماعية، وبنية المجال السياسي، ومصادر الشرعية. وهذا يثير سؤالا جوهريا. إلى أي مدى تمكنت الأحزاب السياسية المغربية من إبراز هوية سياسية متميزة ومعترف بها اجتماعيا، في ظل التحولات التي شهدها المجال السياسي، وما تأثير ذلك على العلاقة بين الجمهور والأحزاب، وطبيعة الاختيارات الانتخابية؟ وما يستنتج من هذا السؤال هو دراسة حول قدرة الفئات التقليدية من اليمين واليسار والوسط على قراءة الخريطة الحزبية للمغرب، وعلى تأثير تحول النخب والفضاءات العمومية الرقمية في التجزئة الحزبية والشخصنة الانتخابية وإعادة تشكيل الانتماء السياسي.

تشكلت هوية الأحزاب السياسية المغربية في عملية تاريخية ارتبطت بالحركات الوطنية وبناء الدولة والنضالات السياسية في مرحلة ما بعد الاستقلال. وفي هذه العملية، تراكمت لدى الفاعلين ذكريات سياسية ورموز ومرجعيات ومواقف داخل المجال العام، وأصبحت هوياتهم مرتبطة بتاريخ التنظيم ومكانة التنظيم في التحول السياسي والاجتماعي. ومع تغير الأجيال، تغيرت أنماط المشاركة، واتسعت مساحات التعبير، وأعيد تشكيل قيمة هذا الأصل، وأصبحت استمرارية الهوية مرتبطة بالقدرة على توليد معنى سياسي مستجيب للتغيرات الحالية. تتحرك الهويات الحزبية اليوم ضمن شبكة من الموارد السياسية والاجتماعية والرمزية. يمنح التاريخ التنظيمي الأحزاب توازنًا في الشرعية، وتمنحها الشبكات الاجتماعية اتساعًا داخل المجتمع، وتمنحها الخبرة المؤسسية القدرة على المشاركة في الأنشطة السياسية، ويمنحها الوضع الإقليمي إمكانية الوصول إلى موارد انتخابية واجتماعية متنوعة. وتكتسب هذه الموارد فعاليتها من خلال قدرتها على التحول إلى نفوذ سياسي وكيانات تنظيمية. ولذلك فإن التغيرات في الهوية ترتبط بالتغيرات في مصادر السلطة، وآليات اكتساب الشرعية، ومواقف الفاعلين في المجال السياسي. تتجلى هذه التغييرات في مسألة الموقف الأيديولوجي للحزب. وتشكل مفاهيم اليمين واليسار والوسط الأدوات الأساسية لتحديد المواقف السياسية، وتتطلب قراءة الخريطة الحزبية في المغرب مؤشرات أكثر تعقيدا، بما في ذلك مواقف الحزب من الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمؤسساتية، والسياسة العامة، والحرية، والتنمية، ودور الدولة. كما تؤثر التحالفات، وإعادة توزيع المناصب الحكومية، وتركيز بعض الخطابات الانتخابية على درجة وضوح الحدود الأيديولوجية. وتصبح هوية الحزب قابلة للتحديد من خلال تماسك مواقفه، وبرنامجه، وممارساته، وقاعدته الاجتماعية، وذاكرته السياسية. تتجسد القضايا الانتخابية في العلاقات المعقدة بين الأحزاب السياسية والمرشحين والناخبين، حيث يحتفظ كل حزب بمناصب ووظائف محددة. وتحمل الأحزاب هوية سياسية جماعية تقوم على السلطة، والبرنامج، والتنظيم، والذاكرة، والموقع المؤسسي، مما يمنح العملية الانتخابية إطارًا سياسيًا عابرًا للشخصية واستمرارية. أما المرشح فيدخل الساحة الانتخابية كفاعل شخصي يجسد الحزب ضمن دوائر اجتماعية وانضباطية محددة، ويحمل معه رأس مال اجتماعي يتكون من شبكة علاقات ومعرفة بالميدان والمكانة والخبرة وقدرات الوساطة. ومن خلال هذه الموارد، يستطيع المرشحون تحويل حضورهم الاجتماعي إلى أموال لحملاتهم الانتخابية، في حين توفر الأحزاب للمرشحين الشرعية التنظيمية والإطار المؤسسي الذي يمنحهم معنى سياسيا. إن التمييز بين الأحزاب السياسية والمرشحين له أهمية خاصة لفهم السلوك الانتخابي.

ويشير التصويت لحزب سياسي إلى اختيار هوية وبرنامج ومعايير وتنظيم، في حين يرتبط التصويت للمرشح بخصائص شخصية ومكانية وشبكات اجتماعية وتجارب محلية. ويعمل هذان المستويان معًا ضمن العملية الانتخابية بدرجات متفاوتة. وتتأثر قوة الحزب بقدرته على جعل المرشحين حاملين لهويته السياسية، وتتأثر قوة المرشحين بقدرتهم على ترجمة تلك الهوية إلى علاقات اجتماعية داخل محيطهم المحلي. ويكشف هذا التفاعل أن بعض رأس المال السياسي قد انتقل من المستوى التنظيمي إلى المستوى الفردي، حيث لا يزال المرشحون بحاجة إلى الإطار الحزبي لتحويل حضورهم الاجتماعي إلى تمثيل سياسي. وترتبط هذه الفعالية بتغير أنماط المشاركة السياسية. لقد تضاعفت مصادر المعلومات، وتوسعت إمكانيات التعبير والتعبئة، وأصبحت المساحات الرقمية جزءًا من المجال العام حيث تتشكل المواقف والتوقعات. أعادت هذه البيئة توزيع القدرة على تأطير الخطاب السياسي وإيصاله وإنتاجه، حيث بدأ المواطنون في تلقي الخطاب السياسي من خلال وسائل الإعلام المتعددة والمشاركة في تشكيله وتداوله وتقييمه خارج الأطر المؤسسية التقليدية. وتتطلب هذه التغييرات من الأحزاب زيادة حضورها السياسي، كما تتطلب من المرشحين تطوير القدرة على التواصل المباشر مع المجالات الاجتماعية التي يتحركون فيها. تكتسب الانقسامات الحزبية أهمية اجتماعية من علاقتها بقدرة الناخبين على التمييز بين المقترحات السياسية. يتطلب التنوع في المؤسسة مقاييس واضحة تحدد المواقع والمشاريع والخيارات. وبما أن الخطابات تتمحور حول مفردات مثل التنمية والحكم والإصلاح والاستثمار والعدالة الاجتماعية، فإن الشخصيات السياسية والتاريخ الانتخابي والشبكات الإقليمية ورموز الأحزاب تصبح أكثر أهمية في التمييز. وترتبط الهوية الحزبية أيضًا بآليات إنتاج النخبة وإعادة توزيع المناصب داخل التنظيمات. يعكس اختيار القادة والمرشحين طبيعة الموارد التي تتيح للجهات الفاعلة الوصول إلى المجال السياسي ويكشف عن انفتاح المنظمة على التغيير الاجتماعي والأجيال الجديدة. كما تؤثر آليات الاختيار الداخلي على قدرة الحزب على تجديد موارده البشرية والرمزية، وعلى طبيعة العلاقات التي تنشأ بين القيادة والقواعد والمرشحين والمحليات. وتحتل الوساطة السياسية مكانة مركزية في هذه العملية. وذلك لأن الأحزاب تحول المطالب الاجتماعية إلى قضايا سياسية يمكن صياغتها وتداولها داخل المنظمة. سيقوم المرشحون بترجمة هذه القضايا إلى المجال المحلي من خلال الاتصال المباشر مع السكان ومعرفة توقعاتهم وشبكاتهم وقضاياهم اليومية. ولذلك، تنقسم وظيفة الوساطة إلى مستويين متكاملين. الأول هو المستوى التنظيمي الذي يولد المشروع السياسي ويؤطره، والآخر هو المستوى الشخصي والمكاني الذي يجسده في الحياة الاجتماعية. وإذا ظل هذا التوزيع متسقا مع طبيعة التمثيل الذي تقدمه الأطراف، فإن هويات الأطراف تزداد قوة.

ويتم تحديد هوية الأطراف في هذا السياق. ومن هذه الزاوية تصبح الأسئلة المتعلقة بالتصويت للأفراد أو الأحزاب أو البرامج مهمة. ويرتبط اختيار الحزب السياسي بسلطته وبرامجه وهويته التنظيمية، كما يرتبط اختيار المرشحين برأس المال الاجتماعي والشخصي والمكاني. وتتجلى طبيعة الاختيارات الانتخابية في الأوزان التي يعطيها الناخبون لكل مستوى. فكلما كان للحزب هوية سياسية واضحة، كلما كان لدى مرشحيه إطار ملموس للتعبير عن أنفسهم وتمثيل مشاريعهم، وكلما زاد رأس المال الاجتماعي المؤثر للمرشح، زادت قدرة الحزب على تحويل مشروعه السياسي إلى حضور انتخابي داخل محيطه المحلي. تكشف هوية الحزب طبيعة المجتمع السياسي نفسه. فهو يعكس التغيرات في الشعور بالانتماء، وتوزيع رأس المال السياسي، وأشكال التمثيل، والتغيرات في العلاقة بين المؤسسات والمواطنين. كلما زادت قدرة الأحزاب السياسية على خلق إحساس واضح بمواقفها ومشاريعها، كلما زادت قدرتها على بناء جمعيات سياسية مستقرة، وفي الديمقراطيات التمثيلية التي تستمد حيويتها من وضوح الاختلافات السياسية ومساءلة الفاعلين، يصبح التصويت عملاً للمشاركة في إنتاج القرارات العامة.

شاهد المزيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button