لماذا لا تنجح حركة الوقاية من حوادث المرور في المغرب؟

قررت وزارة النقل والتجهيز بث برامج تلفزيونية وإذاعية تعليمية للوقاية من الحوادث المرورية. ويأتي ذلك بعد وقوع حوادث طرق مروعة هذا العام، بما في ذلك مأساة تان تان التي أودت بحياة أكثر من 30 طفلا. وبالتوازي مع التوعية التلفزيونية بمخاطر الطريق، يتم تنظيم “خيم السلامة على الطرق” مع بداية العطلة الصيفية.
وهذه الحملات، التي تشرف عليها وزارة التجهيز والنقل واللوجستيات والمجلس الوطني للوقاية من حوادث الطرق، لا تتناسب في كثير من الأحيان مع الانخفاض الكبير في عدد الضحايا، بما في ذلك القتلى والجرحى الذين يسقطون على جانب الطريق كل يوم. وقال محمد بوريف ممثل وزير النقل والتجهيز، خلال اجتماع لعرض خطة العمل، إن عدد الوفيات لا يزال مرتفعا، وهو ما أدى إلى خفض العدد بأكثر من 9.30% خلال العام الماضي. CNPAC.
هل العنصر البشري هو المسؤول؟
وعندما وقع حادث طانطان، تخلى وزير التجهيز والنقل واللوجستيك عزيز رابا عن مسؤولية الطرق عن الحادث، قائلا في جلسة مفتوحة لمجلس العموم: “هذا الحادث لا علاقة له بالطرق، ومعظم الحوادث لا علاقة لها بالطرق”. وفي وقت سابق، قال رباح في اجتماع بمراكش، إن معظم حوادث المرور على الطرق المغربية سببها عوامل بشرية، ودعا إلى “بذل الجهود لمد اليد إلى العمال وتحسين سلوكهم”. فالثقافة تدور حول نقل سلوك الناس من بعده الفوضوي إلى المستوى المدني. “
وبما أن وزير التجهيز والنقل يضع اللوم في حوادث الطرق التي تقتل وتجرح آلاف الأشخاص في المغرب كل عام على العوامل البشرية، وعلى حد تعبيره في البرلمان، “عوامل أخرى”، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: “لماذا لم تساهم حملة الوقاية من حوادث الطرق في تخفيض كبير في عدد الحوادث؟” وتكمن أهمية هذا السؤال في أن الدولة، كما صرح وزير التجهيز والنقل أمام البرلمان، وضعت خطة للفترة 2013-2016، تضاعفت فيها التخصيصات المالية المخصصة للحد من حوادث الطرق ثلاث مرات.
وعلق الناشط الجمعوي رضوان الحساني قائلاً: “مع مرور الوقت، أصبحت الحملة التوعوية السنوية التي تقيمها وزارة النقل للتوعية بمخاطر الطرق بمثابة حدث سنوي”، لافتاً إلى أن معظم المساحات التي تختارها الوزارة، راعية قطاع النقل، هي تلك التي تقع بجانب المهرجانات في المدن السياحية أو بعض الأماكن المزدحمة لدى المواطنين. وأضاف الحسني: “في هذه المساحات يتلقى الزوار كتيبات أو يشاهدون لوحات إعلانية تعلمهم بالحوادث والتحذيرات التي قد تؤدي إلى حوادث مرورية أو مخالفات مرورية، لكنها غير فعالة”.
حملات التوعية الموسمية
تم نصب إحدى خيام حملة الوقاية من الحوادث المرورية قبل أسبوع في ساحة باب المريسة بمدينة صالح. كان ذلك بعد الظهر وكان العديد من الأطفال يجلسون على طاولة يتلقون المعلومات والنصائح حول كيفية التعامل مع الطريق. أما “الكبار” فبالرغم من قلة عددهم إلا أنهم اكتفوا بنظرة سريعة وغادروا ومعهم القليل من النشرات. يقول زكريا الشاوي، عضو فرع جمعية تعليم الشباب المغربي بسلا، الشريك في هذا الجهد: “همنا الرئيسي هو في المقام الأول تعليم الشباب، لأن الأطفال هم الذين سيحملون شعلة الغد”.
وتتقاطع آراء السيد الشاوي مع آراء السيد الحسني الذي يرى ضرورة إعادة النظر في حملات التوعية حول مخاطر الطرق وأساليبها والجمهور المستهدف. ويرى السيد الحساني أنه ينبغي على المسؤولين في وزارة التجهيز والنقل التركيز على الجهود المبذولة داخل المؤسسات التعليمية، وخاصة تشجيع الشراكات والمبادرات التي تتم داخل فضاءات المؤسسات التعليمية، “على اعتبار أن احترام قواعد الطريق كان وسيظل ثقافة وتربية يجب غرسها في أطفالنا منذ الصغر”.
ومن العوامل الأخرى التي يرى الحسني أنها ستكون لها نتيجة إيجابية في تقليل عدد حوادث الطرق في المستقبل، هو دمج المواضيع والمواد التربوية في المناهج المدرسية من أجل غرس ثقافة احترام قواعد المرور في نفوس الأطفال المغاربة منذ سن مبكرة. وهذا يجعل رسالة الحملة التوعوية أكثر فعالية “لترسيخ وتذكر ما تعلمناه منذ الصغر” ويدعو إلى نشر حملات التوعية والروابط الإعلانية في جميع أنحاء البلاد. وتساهم فيها شخصيات بارزة في المجتمع، كالفنانين والرياضيين، مما ينزع عنها طابع “الحملة الموسمية”.
وفي السياق نفسه، قال زكريا الشاوي في جملة لخصت جوهر الخبرة التي راكمها من خلال التعامل مع مستخدمي الطريق: “نعمل على توعية السكان بمختلف فئاتهم العمرية، وتركيزنا على توعية الأطفال في المقام الأول، لكن عندما يتعلق الأمر بالكبار فلا يوجد ما يحسسهم، وتوعيتهم عقوبة بالزجر”. لكن هذا لا يمنع زكريا وزملائه من العمل على توعية الكبار على النحو التالي: الخروج في طريق الطريق. ويقول المتحدث: “على الأقل النصائح التي نقدمها لهم ستشجعهم على الالتزام بقوانين المرور، حتى لو كان ذلك لبضعة أسابيع فقط”.
مدونة “سويدية” تحكي واقع المغرب
وفي عام 2010، تم تطبيق الأنظمة المرورية “الجديدة” في عهد وزير النقل والمرافق كريم غراب. أثار هذا القانون جدلاً كبيرًا وأطلق عليه اسم “القانون السويدي” لأن قوانينه مقتبسة من قانون المرور السويدي. ورغم التدابير الصارمة التي فرضتها هذه المدونة، فإن عدد ضحايا حوادث الطرق في المغرب لا يزال يتجاوز 4000 حالة وفاة سنويا، كما أن عدد حوادث الطرق في تزايد بمعدل حادثتين سنويا. 100 في عام 2012 مقارنة بعام 2010 عندما دخلت لوائح المرور الجديدة حيز التنفيذ. وتبلغ الخسائر الاقتصادية التي يتكبدها المغرب سنويا بسبب ارتفاع حوادث المرور 11 مليار درهم سنويا.
في الشهر الماضي، أدخلت الحكومة الحالية عددا من التعديلات على قانون الغرب استجابة لمطالب الخبراء والرأي العام الذين اعتقدوا أنه يحتوي على أحكام غير مبررة. وبعد التعديلات الجديدة، يتحرك القانون لتشديد الإجراءات على المتلاعبين بالأدلة الطبية، والسماح بإجراءات القبض على السائقين المخمورين، وتخفيض الغرامات.. لكن المشكلة الأكبر، كما يقول رضوان الحسني، “هي أننا لسنا قادرين على تطبيق هذا القانون على الجميع”.
وأوضح المتحدث أن “التعديلات التي أدخلت على المجلة كلها، في رأيي، إجراءات جيدة، لكنها لا تعالج المشكل الحقيقي لحوادث الطرق في المغرب”، مشيرا إلى أنه في حين يتعامل القائمون على الطرق بقسوة مع بعض المواطنين، أضاف أنه يغض الطرف عن حافلات النقل العمومي المتهالكة التي تجوب شوارع المدينة والمركبات الحكومية التي تجوب وسط المدينة، والتي يفتقر بعضها إلى المعدات اللازمة وبعضها سيئة التجهيز. محترم. يلتزم السائقون بقوانين المرور بحضور حراس الأمن والشرطة العسكرية.
وأضاف الحسني أن المشكلة الكبيرة التي يجب معالجتها لإيجاد حل تكمن تحديدا في عدم القدرة على تطبيق القانون على الجميع دون محاباة لأشخاص معينين. ويوضح أن تجاهل سجلات المخالفات لبعض “السائقين المحظوظين” يخلق شعوراً “بالاحتكار” بين السائقين الأقل حظاً، الذين قد يتحدون بعد ذلك القانون ويلجأون إلى وسائل غير عادلة لتجنب العقوبات الزجرية. وأشار إلى أن قانون المخالفات لا يطال السائقين فقط، بل يشمل بعض ممثلي الجهات الرقابية الذين «يبتزون الجمهور عند تسجيل المخالفات وتحويلها إلى إتاوات».
ويبدو أن رأي الحسني منتشر على نطاق واسع بين المهتمين بمجال السلامة على الطرق. وقال وزير التجهيز والنقل أمام البرلمان إن الدولة وضعت خطة لتقليل عدد حوادث الطرق، وضاعفت المخصصات المالية المخصصة لهذا الغرض ثلاث مرات، وضاعفت عدد مراقبي الطرق، وضاعفت نسبة مراقبة الطرق بأكثر من 60 بالمئة، لكن بحسب زكريا الشاوي، كل هذه الإجراءات غير مجدية. وطالما أن القانون لا يطبق بصرامة، فإن عبارة “نحن المغاربة لاواعيون، فلنطرق لنشم” مفيدة.
ما يعنيه كلامه هو أن العقوبات الزجرية التي تنص عليها قوانين المرور لن تجدي نفعا طالما بقيت مجرد حبر على صفحات قوانين المرور. وأوضح أن “أوروبا لا تحارب حوادث الطرق بالوعي وحده، بل بالقانون الزجري. والمشكلة التي نعاني منها في المغرب هي عدم تطبيق القانون. وإذا قامت الشرطة العسكرية وحراس الأمن بتطبيق القانون، سينخفض عدد حوادث الطرق”. وفي السياق نفسه، قال الحسني إن الإصلاحات القانونية الأخيرة لتقليل حجم الغرامات المفروضة على سائقي السيارات لن تحل المشكلة إلا إذا تغيرت عقلية المسؤولين عن تطبيق القانون.
معضلة معقدة
وردا على وزير التجهيز والنقل عزيز الرباح الذي سبق أن ذكر أن العنصر البشري يتحمل المسؤولية الأكبر عن حوادث الطرق التي تحدث بالمغرب، قال الحسني إن مشكلة حوادث الطرق بالمغرب معضلة معقدة ولا يمكن تحميل طرف واحد المسؤولية على الطرف الآخر، مشيرا إلى أن مسؤولية العنصر البشري “راهنة وقوية”. لكنه أكد أنه “على الرغم من الجهود المبذولة في هذا السياق، إلا أن هذا التبرير لا يمكن أن يخفي حقيقة الوضع المتردي لطرقنا، إذ أن معظمها متهالكة، والعديد من النقاط غير محددة أو لا توجد عليها علامات على الإطلاق، كما أن طرقاتنا تفتقر إلى الإضاءة اللازمة”.
وإلى جانب الحالة العامة للطرق، أشار الحسني إلى عوامل أخرى تساهم في زيادة حوادث المرور في المغرب. وتشمل هذه العوامل الزيادة السريعة في عدد السيارات التي بدأت شركات السيارات في تقديمها لمشتري السيارات المحتملين، والحالة الميكانيكية لسيارات الأجرة والحافلات، والحاجة الملحة لوسائل النقل الخاصة لحماية السكان من جحيم وسائل النقل العام التي تترك الطرق المغربية مكتظة بشكل شبه دائم. حتى في المركبات الخاصة بسبب عدم وجود مراقبة صارمة ومسؤولة.
ومن العوامل الأخرى التي يرى الحسناوي أنها تساهم في زيادة عدد حوادث الطرق في المغرب، ما يتعلق بـ “التلاعبات” التي يمارسها بعض أصحاب مراكز الفحص الفني للمركبات. وقال الحسناوي إن هذه الشركات تشجع أصحاب المركبات على التوجه لمثل هذه المراكز لأنها أصبحت أفضل في تعريف العملاء بكيفية التحايل على أجهزة المراقبة التكنولوجية لإخفاء بعض عيوب المركبة، التي قد تكون خطيرة في بعض الأحيان، مما يعرض حياة وسلامة مستخدمي الطريق والمارة للخطر.
#لماذا #لا #تنجح #حركة #الوقاية #من #حوادث #المرور #في #المغرب



