سيكولوجية الإسبان المهزومين

المبدأ الأساسي في هذه القصة هو أن الرجال لا يبكون ولا يذرفون الدموع عند الغضب مثل النساء، رغم أن البكاء سلوك طبيعي في مواقف معينة. لكن علم النفس يظهر أن الغضب يتضاءل تدريجيا مع التقدم في السن، والدولة المغربية عمرها أكثر من 12 قرنا، إذ أسسها المولى إدريس الأول سنة 788 م (172 م). إن ما حدث في شوارع المدن الإسبانية خلال الأسابيع الأخيرة يظهر أن المغرب يخلق بهدوء حالة من الخوف والقلق في النفس الإسبانية. كلمة الوزير أمام الملك محمد السادس بمناسبة المولد النبوي وتصريح وزير مغربي آخر في مقابلة تلفزيونية كانا كافيين لإثارة عاصفة من الإسبان في كل الاتجاهات، وعويل في وسائل الإعلام، وبكاء هستيري. إن الدموع التي يذرفونها أمام وسائل الإعلام لا تعني إلا شيئاً واحداً: إنهم خائفون من رد فعل المغاربة وأن تصرفات المغاربة ليست مزحة.
الإسبان في حيرة من أمرهم..
لقد عرف الإسبان أكثر من أي شخص منذ القدم قوة جنودنا وقوة شعبنا ووحدته، منذ طارق بن زياد إلى يومنا هذا، وقوة شعبنا ووحدته، حتى لو كان هناك خونة ممن يعيشون في بلادنا أو ممن يعيشون معنا ويحتفظون بجنسيتنا. تشهد أرشيفات فرانكو العسكرية أن انتصارات إسبانيا في أوروبا لم يحققها الجنود الإسبان، بل الجنود المغاربة. إن الساسة الأسبان اليوم في حيرة من أمرهم. وفي بداية الحملة الانتخابية، ادعى سياسيون وإعلاميون إسبان أنهم يعرفون كل شيء عن المغرب، لكن خبراء عسكريين واستراتيجيين واقتصاديين نفوا ذلك وقالوا عكس ذلك. لقد أصبح من الواضح لهم أخيرا أن المغرب الذي هددته إسبانيا لسنوات عديدة قد تغير كثيرا وأن كل ما يعرفونه عن المغرب هو أنه “لم يعد مغرب الأمس”. ولهذا السبب هم خائفون، حتى لو أظهرت لهم العكس.
إن سحب العلم هو حالة ذهنية مرضية.
وبعيداً عن التقيد بالقرب أو التاريخ أو الجغرافيا، فإن تمزيق العلم المغربي من قبل المدنيين في شوارع مدنهم ليس تعبيراً عن علاقات حسن الجوار بين البلدين الصديقين اللذين ينبغي أن ينسجما بشكل جيد مع جيرانهما الآن وفي المستقبل. يعرف الأسبان أكثر من أي شخص آخر أن كل البيانات تشير إلى أن المستقبل لنا وهو معنا، وأنهم سوف يحتاجون إلينا أكثر. لذلك يمكنك أن ترى آراءهم تتأرجح. وما يُسمع اليوم تحت قبة البرلمان الإسباني، سيُعلن عكسه في وسائل الإعلام في اليوم التالي من أفواه قادة اليمين أو اليسار. وما رأيناه من هلاوس في شوارع إسبانيا ما هو إلا حالات نفسية مرضية تمثل مظهر الهزيمة الداخلية والشك وعدم اليقين وتعدد الاحتمالات والتوتر والغموض، مما يعني أنهم خائفون فعلا. إن تصرفاتهم المتهورة، بما في ذلك الصراخ والبكاء وتمزيق العلم المغربي، تدل على عدم الاستقرار النفسي الذي يعاني منه المجتمع الإسباني. تصرفات غير مقبولة من الدول الأوروبية المحتلة. إسبانيا اليوم دولة متقدمة في أوروبا، ليس هناك شك في ذلك. لكن ذلك لا يمنع من أن يقال عنه إنه بالون منتفخ يعيش على المساعدات الأوروبية ويحتمي تحت المظلة العسكرية لماما أمريكا. وفي نهاية المطاف، فإن ما رأيناه من تدمير العلم المغربي يبقى عملا استفزازيا وجريمة أخلاقية وعملا غير مقبول وغير أخلاقي.
وربما كان لدى المغاربة حافز أكبر من الإسبان لتمزيق العلم الإسباني في الشارع، لكن أخلاقهم وكبريائهم لم يسمحوا بذلك. وطالما كانت إسبانيا قوة استعمارية واحتلت المدن والموانئ والجزر المغربية، كان بإمكانها التظاهر بتمزيق وحرق الأعلام الإسبانية في شوارع المغرب، كما حدث في العديد من المدن الإسبانية. لكن بسبب غرابة الواقع الذي نعيشه وازدواجية معاييره الدولية، لم نكن نحن المغاربة الأفارقة من فعل ذلك، بل السيبيريين الأوروبيين. مشهد غريب وسريالي وعجيب حيث ذكّر الإسبان العالم بأن الدول الأوروبية لا تزال تحتل المدن والموانئ المغربية في وقت لم تقبل فيه بالاحتلال.
هامان فرعون…!!
ونعرف قصة الشيخ والتيس، وحقيقة ألوهية فرعون وادعاءاته بإقامة الموتى، وهوسه بتربية الإبل، ورد هامان الشهير لفرعون: “إلى هامان فرعون”. واليوم يطالب الإسبان بتحرير فلسطين ورفع الحصار عن غزة. والأكثر من ذلك أنهم اعترفوا بالدولة الفلسطينية عام 2024. ومن المدهش أن بعض المعوقين في مسقط رأسهم صدقوا كلامهم. إنهم من لحمنا ودمنا، يتنفسون هوائنا ويأكلون خيراتنا مثلما نفعل. كم هم ساذجون؟ ولا يهمنا انتفاضات السيبيريين في مدن قشتالة والأندلس وكاتالونيا، ولا اعترافهم بفلسطين المحتلة، ولا احتجاجاتهم في سبتة ومليلية. لكن المحزن أن بعض الكوفيين واليساريين وتجار الدين الإسلامي خرجوا في مسيرة تضامنية مع غزة وفنزويلا وإيران وكوبا، وينامون هنا اليوم وهم “يمسكون بهم ويضربونهم”. لا صوت ولا تضامن مع ما يحدث في سبتة أو مليلية، ولا دليل على احتجاجات ضد حقوق الإنسان والانتهاكات الإنسانية هناك، مع العلم أن القضية مرتبطة بتمزيق علم بلادهم واحتلال مدينتين مغربيتين. نحن نعلم أن الإسبان، عندما علموا أن رحيلهم عن أراضينا كان وشيكًا، دفعوهم إلى حالة من الجنون وأسرعوا مسيرتهم بالصراخ، متناسين أنهم في حماقتهم كانوا يحثون العالم على التعاطف معنا.
ونحن نعرف من يقف إلى جانب قطر اليوم ومن منهم يدعم مزاعم الأتراك.
وهنا، أتساءل أحيانا أين هو كوفان اليوم، معتبرا أنه في صمته وبراءته مزق السيفيريون العلم المغربي. أين الخونة في الداخل والخارج؟ وماذا عن الإسلاميين الذين استولوا على سبتة ومليلية؟ وما الفائدة من إلقاء الكوفيين والإسلاميين في أحضان بعض البدو والأتراك؟ واليوم، عندما ينضم أبناء هالكي والخونة الإسبان من سبتة ومليلية إلى صفوف أبناء بريكار ويستمرون في احتلال مدينتين مغربيتين وجزيرة وميناء، ألا يخجلون من أنفسهم أمام وطنهم وأبناء وطنهم؟ ألم يفكروا يومًا في النظر إلى أنفسهم؟ ألم يستفيدوا من الدروس المجانية التي قدمتها لنا هند بنت عتبة في وقت كان العرب جاهلين؟ وهي تراقب الموقف من النافذة، فكرت في حيرة من أمر أبي سفيان، لحظة فتح المسلمين لمكة، حيث ظهر الحق واندثر الباطل. “هل فقدنا…؟”
المغاربة في سبتة ومليلية بإسبانيا يتساءلون ماذا يحدث حولهم؟ أم أن صمتهم وبكائهم هو خير دليل على خوفهم من فقدان جنسيتهم الإسبانية؟ فأين المنظمات والجمعيات الحقوقية المغربية التي تستفيد من المال العام ظلماً وظلماً من كل الانتهاكات الحقوقية والأخلاقية الجسيمة التي تشهدها مدينتي سبتة ومليلية؟ ألم يحن الوقت لتصحيح هذا الخلل؟ ماذا لو كانت لا تزال هناك جمعيات مغربية أصيلة وأصيلة مثل “الشورى” و”الطفولة الشعبية” وغيرها من الجمعيات الوطنية المغربية الأصيلة؟
ألم الهزيمة وأخلاقية الانتخابات
أشعر بألم كبير بسبب الخسارة لأن المغرب أضاع العديد من فرص الانطلاقة الاقتصادية والتنمية. أتأمل الدعايات والحملات المملة والمتعبة التي يتم تداولها حولنا، وأملي أن الخونة والجشعين والمشعوذين والانتهازيين ومصاصي الدماء وعائلاتهم وعائلاتهم، يأملون في غد أفضل لهذا الوطن، بعيدا عن منطق قادة الأحزاب السياسية الذين لا يمثلون إلا مصالحهم الخاصة، وبعيدا عن جيراننا السيئين كمغاربة ومصيرنا الجغرافي مع من “جمعنا الله إليهم” في الشمال وفي الشمال. الشرق. ورغم أن المغرب انتصر في معارك سياسية وعسكرية شرسة، إلا أنه يفتقر إلى القوة العسكرية والاقتصادية. وعلى الرغم من أن أصدقائنا وأحبائنا وحلفائنا خذلونا في تلك الأيام، إلا أننا ما زلنا نتذكر أننا انتصرنا. واليوم، جعل التحول الجيوستراتيجي من المغرب قوة ناشئة، ولكن ماذا سيحدث لإسبانيا التي تضعف وتنهار وتتجه نحو الإفلاس؟
حساب الرباط الدقيق
وكما ضعفت أو قوّت شعوب أخرى على وجه الأرض، فقد ضعف المغرب في مرحلة ما. هُزمت سبتة لأول مرة على يد البرتغال عام 1415، ثم مرة أخرى على يد مليلية، وسيطرت عليها إسبانيا بشكل مشترك عام 1497 م، لكن هذا لا يعني أننا استسلمنا لها أو أضعفناها بشكل دائم. لا الخرائط الجغرافية ولا الوثائق التاريخية تثبت أن مدينتي سبتة ومليلية كانتا إسبانيتين يوما ما، أو أنهما كانتا معزولتين عن أوروبا خلال العصور الجيولوجية القديمة مثل العصر الجوراسي أو الديفوني، أو أن مظلة خرافية ألقيت من فوق السحاب فاحتلها الإسبان دون علم المغاربة. تبقى التربة مغربية أصيلة، والأرض مغربية إلى حد كبير. وعلى الرغم من الضجيج الذي تسمعه وسائل الإعلام، فإن إسبانيا اليوم في موقف ضعيف. لقد أدى الضغط والترهيب إلى تقريب المغرب من الجزائر وإيران، مما أدى إلى إضعافه وتحويل ميزان القوى في البحر الأبيض المتوسط لصالح المغرب.
الموقع الجغرافي للمغرب هو هبة من الله، ووفقا لبعض المصادر، سيسمح للمغرب بتصنيع وإنتاج أنواع مختلفة من الطائرات الانتحارية العسكرية بدون طيار، الأمر الذي سيجعل العمليات العسكرية الإسبانية المستقبلية صعبة. وسيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل تقريباً، هزيمته. إن التوترات العسكرية بين روسيا وأوكرانيا، على الرغم من تفوق روسيا اقتصادياً وعسكرياً، تشكل أفضل دليل على أن القوة العسكرية والاقتصادية حرمت روسيا من المزايا والانتصارات. وإسبانيا تدرك جيدا كل هذه الحقائق وتدرك أن التغيرات الجيواستراتيجية في البحر الأبيض المتوسط لصالح المغرب وأن الانتصار على المملكة المغربية في صراع عسكري محتمل يكاد يكون مستحيلا، رغم أن احتمال حدوثه في الواقع يقترب من الصفر. فالصراع العسكري ليس في مصلحة أي حزب سياسي، ولن تتسامح معه القوى الكبرى في العالم. ولذلك يبقى حقنا السيادي في استعادة أراضينا، ولن نستعيد ما أخذته إسبانيا منا بالقوة. واليوم، حان الوقت لكي تغادر إسبانيا مدننا، وتنتقل من كل ركن من أركان أرضنا، وتسلمنا المفاتيح في أسرع وقت ممكن.




