مجتمع

أي نوع من المواطن الرقمي نريده من حرية الشبكة؟

لم تعد أسئلة الإنترنت أسئلة فنية. وذلك لأن الشبكات، التي تم إدخالها إلى حياتنا منذ عدة عقود باعتبارها مساحة اتصالات جديدة، أصبحت الآن جزءًا من نسيج الحياة نفسها. نحن نعمل، ونتعلم، ونستهلك الأخبار، وندفع المال، ونناقش، وننشئ صورًا للعالم داخل الأنظمة الرقمية، لكننا في كثير من الأحيان لا نفهم القواعد وكيفية اتخاذ القرارات. وفي المغرب، حيث تتسارع عملية الرقمنة وتدخل مشاريع الذكاء الاصطناعي والخدمات العامة الرقمية مرحلة أكثر طموحا، سيكون من المفيد العودة إلى اللحظات الأولى عندما تمت كتابة الويب لأول مرة كوعد.
وهذا ما يؤكده كتاب “وعود ويوتوبيا” للكاتب لو سيرا، عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي والخبير في البحث العلمي والتكنولوجي. مجموعة من بيانات الويب المنشورة في عام 2026. يتراوح هذا الكتاب من إعلان GNU لريتشارد ستالمان عام 1985 وإعلان جون بيري بارلو لاستقلال الفضاء الإلكتروني إلى النصوص المعاصرة التي تفكر في عمل المنصة، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، من المتسللين، والويب المستقل، والنسوية السيبرانية. لذا، بدلًا من العثور على تاريخ الأجهزة والبرمجيات، يجد القراء تاريخًا للرغبات التي عهد بها البشر إلى الشبكات.
وتكمن قيمة هذا الاختيار في أن هذا البيان، على عكس النصوص التحليلية المحايدة، يصف المستقبل بصيغة الأمر. إنه يعلن ما يجب أن يكون عليه العالم، ويحدد الخصوم، ويقترح مجموعات جديدة. وكانت الكلمات الرئيسية للمرحلة الأولى هي الحرية والانفتاح واللامركزية وتقاسم المعرفة. وفي حين بدا الفضاء الإلكتروني وكأنه ملاذ من السلطات القديمة، وكانت ثقافة البرمجيات الحرة تتصور أن المعرفة يمكن نقلها دون حواجز، فقد خلقت مجموعات القراصنة صورة لأفراد تستطيع مهاراتهم التقنية أن تتجاوز المؤسسات.
لكن قراءة هذه الوثائق اليوم تكشف عن تناقض مثير للقلق. وكانت بعض المفردات تحمل معاني ليبرالية، مثل الانفتاح والشفافية وتدفق المعلومات والتحرر من وسائل الإعلام والمؤسسات. لقد عادت الشركات الرقمية الكبرى إلى الاستغلال الرقمي ضمن اقتصاد يعتمد على جمع البيانات وتركيز السلطة في عدد قليل من المنصات. المستخدمون، الذين كان يُعتقد في البداية أنهم أفراد أحرار في مساحة مفتوحة، أصبحوا أيضًا حسابات وملفات بيانات ومصادر اهتمام وعناصر غير مرئية في اقتصاد المنصة.
تدفع النصوص النسوية السيبرانية وتلك التي تليها النقد إلى طرق أخرى، حيث أن الاتصال عبر الشبكة وحده لا يمحو الاختلاف الجسدي والاجتماعي. وبدلا من ذلك، تنتقل قضايا النوع الاجتماعي والهوية والعمل والتعبير إلى الفضاءات الرقمية وتتخذ أشكالا جديدة. ويتغير معنى اليوتوبيا وفقًا لذلك عبر صفحات الكتاب… من أحلام الهروب إلى فضاءات بلا سلطة إلى محاولات إنشاء قواعد أكثر عدلاً داخل الفضاءات التي تكون فيها الهندسة المعمارية جزءًا من الهندسة المعمارية. كما يريدون أيضًا الحق في تحدي الخوارزميات، والقدرة على حذف الحسابات فعليًا، وظروف عمل أفضل للموظفين عبر الأنظمة الأساسية، والمنصات التعاونية حيث يتقاسم المستخدمون الملكية والحوكمة.
وفي هذا المجال، تحظى هذه المختارات حاليًا باهتمام القراء المغاربة. عندما نتحدث عن السيادة الرقمية والحوكمة الأكثر ذكاءً واقتصاد البيانات والذكاء الاصطناعي “صنع في المغرب”، يبقى السؤال الأهم قبل التكنولوجيا. يتعلق الأمر بنوع المواطن الرقمي الذي نريده. فهل سيكون مستهلكاً لخدمة يتم تصميم قواعدها في مكان آخر، أم أنه سيكون شريكاً في تعريفها؟ من يملك البيانات؟ كيف يمكن أن تكون العربية والأمازيغية والدارية لغات فعالة ضمن الذكاء الاصطناعي؟ أين يقف السعاة والمنصات وصانعي المحتوى فيما يتعلق بالحقوق التي أنشأها الاقتصاد الجديد؟ لقد أصبحت ذات أهمية متزايدة في الفضاء الإعلامي الذي يتم تشكيله من قبل البلدان والمنصات وصانعي الفيديو والمحتوى الذين يشكلون جوهر استراتيجياتهم للعام المقبل.
على الرغم من أن الجغرافيا الفكرية للأنطولوجيا لا تزال مرتبطة بشكل أساسي بتاريخ الشبكة الأوروبية والأمريكية، إلا أن وجود تجارب الجنوب الرقمي أقل وضوحًا. ومع ذلك، فإن هذا الخلل يثير أسئلة ربما لم يكن الكتاب نفسه يقصدها. والسؤال هو متى تقوم المجتمعات التي تدخل العصر الرقمي من مواقع تاريخية ولغوية مختلفة بكتابة بياناتها الخاصة؟ متى تقوم بصياغة ما تتوقعه من التكنولوجيا قبل أن تتولى زمام الأمور وتشكل ظروفك المعيشية؟
تكمن قوة هذا الكتاب في أنه يعيد لكلمة يوتوبيا معناها النقدي. اليوتوبيا هي أداة للنظر في الحاضر. من يملك الهيكل؟ من يستطيع التحدث؟ ومن يقرر قواعد الظهور والاختفاء؟ ومن له الحق في الرفض؟ وبعد أربعين عاماً من الوعد الرقمي، ربما لم يعد التحدي يتمثل في الحلم بالإنترنت خارج المجتمع، بل في تحديد نوع المجتمع الذي نريد خلقه داخله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button