مجتمع

بين الفضاء الرقمي والشوارع.. باحثون يناقشون هوية “الجيل الجديد” بالمغرب – صوت المغرب

وناقش باحثون وخبراء وإعلاميون، في جلسة حوارية، التغيرات العميقة التي يعيشها المجتمع المغربي، خاصة على مستوى الفئات الشبابية، في بيئة رقمية متسارعة تتقاطع فيها أسئلة الهوية مع أزمات الخطاب والثقة والمؤسسات.

كما أشار المؤتمر، الذي نظمه منتدى الإعلام والحقوق المدنية بالرباط يوم الاثنين 22 ديسمبر، إلى الصعوبات في فهم شباب “جيل Z” وراء أهداف الاحتجاجات الأخيرة، ليس فقط كفئة عمرية، ولكن أيضا كظاهرة اجتماعية وقيمية جديدة تعبر عن نفسها خارج القنوات التقليدية وتعيد تعريف الفضاءات العامة وأشكال الاحتجاج وأنماط العلاقات مع الدولة.

جيل فقد الثقة

وفي هذا الصدد، ركز الصحفي حمزة فاضل على الجوانب الميدانية للاحتجاجات، وحذر من خطورة المؤشرات التي أحدثتها الاحتجاجات. وأشار إلى أنه تم اعتقال أكثر من 1000 معتقل ومعتقلة في سياق الاحتجاجات المرتبطة بالجيل Z، في حين يتم تعقب عدد مماثل عند إطلاق سراحهم، منددا باعتقال حوالي 5000 شخص في أربعة أيام، وهو ما اعتبره مؤشرا مثيرا للقلق.

وقال فاضل إن ثقة شباب الجيل Z في مؤسسات مثل البرلمان آخذة في الانخفاض، ودعا إلى دق “أجراس الإنذار”. ورأى أن “جيل Z” ليس كتلة متجانسة، بل يضم فئات متعددة، بما في ذلك الشباب المسيس وكذلك الشباب الذين ليس لديهم “انتماء أو وعي سياسي” وغيرهم ممن لا ينتمون بالضرورة إلى تلك الفئة العمرية ولكنهم يرثون قيم هذا الجيل.

وشدد على أن قسما كبيرا من الشباب المحتجين ليس مدفوعا بمطالب شخصية، بل بإحساسهم بالوضع في المجتمع ككل، مشيرا إلى أنهم “يقاتلون من أجل الآخرين” وقارن وضعهم بما يرونه على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط.

وسجل فاضل أن هذا الجيل يتميز بالخطابات القاسية وفقدان شبه كامل للثقة في المؤسسات. وأشار أيضًا إلى أن مفهوم الفضاء العام يتغير بشكل جذري، حيث لم تعد الساحات والشوارع هي مجالات التعبير الوحيدة، بل أصبحت المنصات الرقمية مثل Discord مساحات مركزية للمناقشة والتعبئة.

وشدد على أن المشكلة لا تكمن في عدم فهم الجيل الجديد، بل في عدم فهم السلطات التي، على حد تعبيره، اعتمدت مقاربة أمنية “أشبه بحملة تطهير” في وقت أخطأت فيه اتجاه التحول الرقمي.

اتساع الفجوة

وتحدثت الصحافية والباحثة في مجال الاتصال التنموي كريمة غانم عن الهوية في العصر الرقمي، لافتة إلى أنه لم يعد من الممكن مقاربة الهوية في العصر الرقمي باستخدام المراجع الكلاسيكية. وأوضحت أنه قبل العصر الرقمي، كانت الهوية أكثر استقرارا وارتباطا بالدين والثقافة والأسرة.

وشددت على أن المجتمع الرقمي هو مجتمع مجزأ، يخلق هويات رقمية متعددة تعتمد على المنصة والسياق حيث يشكل الأفراد صورًا مختلفة لأنفسهم. وبحسب غانم، فإن هذا التعدد يخلق فجوة متزايدة الاتساع بين الهويات الرقمية والحقيقية، ما يؤدي إلى نوع من الازدواجية أو “الصدع” في التعبير عن الذات.

وأكدت أن فهم الجيل الرقمي ليس مجرد تكنولوجي، بل يجب أن يبدأ بمقاربة اجتماعية ونفسية تأخذ في الاعتبار تأثير الخوارزميات، وسرعة التعبير، وأنماط الاتصال المتغيرة، وما ينتج عن ذلك من أزمة في الخطاب بين الأجيال وبين المنظمات.

أزمة الوساطة

إدريس كراوي، خبير اقتصادي وخبير في قضايا الحكم والشباب، تناول قضايا الجيل الرقمي من منظور بنيوي يتعلق بإنتاج القيم والعلاقة بين الشباب والدولة.

ووثّق القراوي التباعد المتزايد بين الشباب والمؤسسات الوسيطة مثل الأحزاب السياسية والنقابات والمدارس والأسر، فضلاً عن الصدع بين الأجيال بين الدولة والمجتمع، وداخل المجتمع نفسه. ورأى أن أزمة الوساطة هذه تفاقمت بسبب دخول المغرب السريع إلى المجتمع الرقمي دون دعم مؤسسي كاف.

وفي عرضه حول المعطيات الرقمية، أشار إدريس قروي إلى أن المغرب يحتل موقعا رائدا بإفريقيا في مجال الولوج إلى الإنترنت، حيث بلغت نسبة الاستخدام أكثر من 90%، وهي أعلى من العديد من الدول الأوروبية. مع حوالي 27 مليون مستخدم للفيسبوك، يحتل المغرب المرتبة 33 في العالم.

وأضاف أن نسبة ملكية الهاتف المحمول تزيد عن 137% وأن حوالي 74% من الأسر المغربية متصلة بالإنترنت، لكن هناك اختلافات بين المناطق الحضرية والقروية. ووفقا له، فإن هذه المؤشرات تظهر أن الشباب المغربي منخرط بشكل شبه كامل في العالم الرقمي، وأن سلوكهم يشبه سلوك الشباب في البلدان المتقدمة.

الحاجة إلى الحوار

في حين رأت الصحفية فاطمة الإفريقي أن الحديث عن الجيل الرقمي لا يمكن فصله عن الأزمة الأعمق المتعلقة بإنتاج القيمة والعلاقات بين الأجيال، وقدمت مداخلة تفاعلية ركزت على الجوانب القيمية والثقافية للتحول الرقمي.

وأعرب الإفريقي عن تضامنه مع الشباب المعتقلين على خلفية الاحتجاجات، معتبرا أن ما يعيشه الجيل Z اليوم هو استمرار للتاريخ الطويل من الاحتجاجات الشبابية في المغرب، حيث “دفع كل جيل ثمن المطالبات بالحرية والعدالة الاجتماعية”.

وشدد على أن المسألة لا تتعلق بجيل معين أو أداة معينة للتعبير، بل بطبيعة النهج الذي تتبعه السلطات في مواجهة التعبيرات التي تمس المصالح القائمة، سواء في الشوارع أو عبر الفضاءات الرقمية. ودعت إلى تجاوز منطق المقارنات بين الأجيال وبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على الحوار والاحترام والاستماع المتبادل.

وفي حديثها عن الرقمنة، رأت الإفريقية أن المجتمع المغربي لم “يدخل” العصر الرقمي فحسب، بل “انخرط” أيضا فيما وصفته بـ “المعضلة الرقمية”، حيث أصبحت التكنولوجيا على اتصال مع جوهر الإنسانية وأنماط الفكر والعلاقات الاجتماعية.

وخلص التقرير إلى أن الجيل الرقمي اليوم يفرض قواعد جديدة على الخطاب والتواصل، وأن المنظمات، وخاصة التعليم ووسائل الإعلام، تحتاج إلى التغيير لفهم لغتها ورموزها، بدلا من مطالبتها بالتكيف بمفردها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button