إسبانيا أمام اختبار المغرب.. هل تدفع مدريد ثمن اعتمادها على حساب البوليساريو؟ – فاس 24

تواجه إسبانيا تحديات سياسية ودبلوماسية جديدة في علاقاتها مع المغرب بعد تحرك حركة برلمانية في مجلس النواب الإسباني للتصويت على مشروع قانون يمنح الجنسية الإسبانية لمجموعة من الصحراويين الذين ولدوا في الصحراء الكبرى خلال الحكم الاستعماري الإسباني. وهي خطوة تعيد فتح أحد الملفات الأكثر حساسية في العلاقات بين مدريد والرباط، وتثير تساؤلات جدية حول مستقبل سياسة إسبانيا تجاه المملكة المغربية والتكاليف السياسية والاستراتيجية التي يمكن أن تتكبدها إسبانيا نتيجة جعل الصحراء المغربية تطرح تذكرة المزايدة الداخلية.
ويأتي هذا التطور في وقت لم يعد المغرب هو البلد الذي تتعامل معه بعض العواصم الأوروبية بمنطق الحسابات القديمة. وذلك لأن السعودية استفادت في السنوات الأخيرة من موقعها الجيوسياسي، وتوسع علاقاتها مع أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، وشبكة واسعة من الشراكات الدولية التي جعلت من الرباط لاعبا مؤثرا في العديد من المجالات الاستراتيجية مثل الأمن والهجرة والسياسة، مما فرض وجودها كقوة إقليمية ناشئة وشريك اقتصادي وأمني لا يستهان به. مكافحة الإرهاب والطاقة والاستثمار والتجارة والتعاون. الجنوب والجنوب.
ومن هذا المنظور، فإن القرارات الإسبانية التي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على المصالح الاستراتيجية للمغرب لا يمكن فصلها عن التغيرات في ميزان العلاقات الدولية التي لوحظت في السنوات الأخيرة. ولم تعد مدريد تواجه المغرب كما كانت قبل عقود، ولم تعد الرباط تنظر إلى علاقاتها الدبلوماسية من منطلق التبعيات أو انتظار الموافقة من طرف واحد. بل تتناول شراكات دولية مبنية على المنفعة المتبادلة والوضوح في قضايا السيادة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.
وبما أن منح الجنسية لمجموعات لها روابط تاريخية بعهد الاستعمار الإسباني للصحراء يمكن تفسيره سياسيا على أنه محاولة للحفاظ على الامتداد الإنساني والقانوني للوجود الإسباني السابق بالمنطقة، فإن الخطوة الإسبانية المقترحة تزيد من حساسية الخطوات الإسبانية المقترحة نظرا لطبيعة الملفات التي تحتوي على محتوياتها، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تتعلق بالمعالجة القانونية والاجتماعية لملفات الصحراء أو ما إذا كانت هناك حسابات سياسية وراءها تتعلق بملفات الصحراء.
وهنا تظهر المفارقة الإسبانية. وفي حين تمكنت مدريد من صياغة شراكة حيوية مع الرباط في السنوات الأخيرة في قضايا الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار، فإن بعض القوى السياسية داخل إسبانيا تعود إلى تناول قضية الصحراء بمنطق يمكن أن يهدد هذه الديناميكية ويعيد العلاقات إلى مربع التوتر.
وما يجعل هذا المسار خطيرا بالنسبة لإسبانيا يكمن في أن المغرب أصبح شريكا استراتيجيا لمدريد، مع مشاكل لا تستطيع إسبانيا التعامل معها بمفردها. الموقع الجغرافي للمملكة العربية السعودية يجعلها بوابة رئيسية بين أوروبا وإفريقيا، ويرتبط التعاون المغربي الإسباني بالتبادلات التجارية والاستثمارات وحركة الأشخاص والطاقة والربط الاقتصادي، فضلا عن القضايا ذات الأهمية القصوى لإسبانيا، لا سيما مكافحة الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة والإرهاب.
وبالتالي، من المرجح أن يكون لضعف الثقة السياسية بين الرباط ومدريد تكاليف ليس فقط بالنسبة للمغرب، ولكن أيضًا لمصالح إسبانيا ذاتها، خاصة في ظل المنافسة الدولية المتزايدة على الشراكة مع المغرب والتوسع السعودي في بناء علاقات استراتيجية مع العديد من القوى الدولية والاقتصادية.
في المقابل، يبدو أن إسبانيا بحاجة إلى إعادة النظر في موقفها على الخريطة الجديدة للعلاقات الدولية، لأن الاستمرار في إرسال رسائل متناقضة، خاصة فيما يتعلق بالمغرب، قد يضعف قدرتها على لعب دور مؤثر في المنطقة. وبينما تمكنت السعودية من تنويع شركائها في السنوات الأخيرة دون حصر سياستها الخارجية في محور واحد، تواجه مدريد تحديات سياسية داخلية وأوروبية وإقليمية تجعل الحفاظ على علاقات مستقرة وقوية مع جارتها الاستراتيجية مسألة تتجاوز الحسابات الحزبية.
أما بالنسبة لجبهة البوليساريو، فإن القضية تصبح أكثر تعقيدا. ورغم أن بعض الأوساط السياسية في أوروبا حاولت مخاطبة جبهة البوليساريو كطرف قادر على تشكيل قنوات خاصة، إلا أن المغرب رفض بوضوح أي محاولة لمنح المنظمة وضعا يتجاوز الإطار الذي حددته المعايير الدولية بشأن مسارات المصالحة. إن نقل النزاع إلى المجال القانوني والاجتماعي في إسبانيا من خلال قضايا الجنسية يمكن أن يضيف تعقيدات جديدة إلى ملف حساس للغاية بالفعل.
والسؤال المطروح على صناع القرار الإسباني اليوم هو ما إذا كان من مصلحة مدريد تطوير علاقات طويلة الأمد مع المغرب، أو ما إذا كان الاستمرار في إعطاء مساحة سياسية للعناصر والجماعات المرتبطة بملف الصحراء يمكن أن يصبح عامل ضغط على السياسة الإسبانية نفسها في المستقبل.
وتحتاج إسبانيا إلى المغرب باعتباره أكثر من مجرد جار عبر البحر الأبيض المتوسط، وذلك بسبب مصالحه التاريخية والجغرافية والاقتصادية والأمنية. ومن ناحية أخرى، أصبح لدى المغرب الآن خيار الشراكة الدولية التي تسمح له بإعادة ترتيب أولوياته كلما شعر أن طرفا ما لا يحترم مبادئه أو مصالحه الاستراتيجية.
ولذلك، فإن الحديث عن “الخاسرين” المحتملين في هذا الصراع لا ينبغي أن يقتصر على الجانبين المغربي أو الإسباني، لأن تدهور العلاقات الثنائية يؤثر بشكل مباشر على المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي لغرب البحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، ونظرًا لاعتمادها الكبير على التعاون مع المغرب في القضايا الاستراتيجية، فضلاً عن مكانة المملكة العربية السعودية المتنامية في النظام الاقتصادي والأمني الإقليمي، فإن استمرار السياسات المتناقضة قد يجعل إسبانيا الطرف الأكثر عرضة لخطر الهزيمة.
كما تؤكد التغيرات الدولية الأخيرة أن الرباط لم تعد تراهن على شريك واحد، بل تنتهج سياسة خارجية متعددة المحاور، مما يمنحها مجالا أكبر للاستراتيجية وبناء الشراكة. وهذا النهج جعل من المغرب حزبا سياسيا له حضور قوي في أفريقيا، وشريكا مهما في الاتحاد الأوروبي، وفاعلا في قضايا الأمن والطاقة والاستثمار، بالإضافة إلى زيادة العلاقات مع الولايات المتحدة ودول الخليج وقوى دولية أخرى.
وفي هذا الصدد، تبدو الرسالة التي يجب إيصالها إلى مدريد واضحة. إن العلاقات بين المغرب وإسبانيا لا يمكن أن تبنى على مواقف مزدوجة، ولا ينبغي أن تكون قضية الصحراء المغربية مجالا للمفاوضات داخل الأحزاب الإسبانية. وينتظر المغرب من البلدان الشريكة موقفا واضحا ومتوازنا يحترم السيادة والسلامة الإقليمية مقابل الاستعداد لتعزيز التعاون في المجالات التي تصب في مصلحة الطرفين.
وفي هذه المرحلة تحتاج إسبانيا إلى استعادة بوصلة الواقعية السياسية والتمييز بين المصالح الاستراتيجية طويلة المدى والمواقف الحزبية الظرفية. والرهان الحقيقي بالنسبة لمدريد ليس إقامة علاقة جديدة مع المغرب، بل الحفاظ على شراكة قوية ومستقرة مع المملكة العربية السعودية، التي تعد أحد مفاتيح الأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي في غرب البحر الأبيض المتوسط.
وكما يحذر أستاذ العلاقات الدولية خالد الشياط، فإن محاولات إنشاء “شبكات بشرية” وشبكات قانونية مرتبطة بملف الصحراء داخل الأراضي الإسبانية يمكن أن تصبح مع مرور الوقت عبئا سياسيا وقانونيا على مدريد نفسها بدلا من كونها مكسبا لإدارة الملف. إن منح الجنسية لا يحل الصراعات الإقليمية أو يغير الحقائق السياسية أو القانونية على الأرض. بل قد يضيف تعقيدات جديدة لعلاقة إسبانيا بملفات تاريخية شديدة الحساسية.
وفي النهاية، فإن مصالح إسبانيا تقتضي قبل كل شيء النظر إلى المغرب بمنطق المستقبل وليس بمنطق ماضيه الاستعماري، والاعتراف بأن السعودية أصبحت قوة إقليمية بثقلها وخياراتها وشراكاتها، وأن الحفاظ على علاقات قوية مع إسبانيا ليس امتيازا ممنوحا من مدريد إلى الرباط، بل مصلحة استراتيجية متبادلة فرضتها التحولات العميقة التي تشهدها الجغرافيا والاقتصاد والأمن والنظام الدولي.
ولا تزال بول في المحكمة في مدريد بينما يستعد البرلمان الإسباني لمناقشة مشروع المواطنة. فإما اختيار منطق البراغماتية والشراكة الاستراتيجية مع المغرب، أو السماح للحسابات والمقامرات الحزبية المرتبطة بالبوليساريو بإعادة العلاقات إلى مربع التوتر. وفي عالم يتغير فيه ميزان القوى بسرعة، قد يكون الخطأ الأكبر الذي ارتكبته إسبانيا هو التعامل مع المغرب بعقلية الماضي، بينما تتحرك السعودية بثقة نحو موقع جديد على الخريطة الدولية.




