سياسة

المغرب والهند: ماذا يعني الاجتماع الأول للجنة الدفاع المشتركة

المغرب والهند: ماذا يعني الاجتماع الأول للجنة الدفاع المشتركة

دخل التعاون العسكري بين المغرب والهند مرحلة جديدة، مما يمهد لتطوير التعاون في المجالات العسكرية والتكنولوجية والصناعية، وذلك بمناسبة انعقاد الاجتماع الأول للجنة الدفاع المشتركة لكلا البلدين بالعاصمة الهندية نيودلهي الثلاثاء الماضي. وتم إنشاء اللجنة على أساس مذكرة التعاون الدفاعي الموقعة خلال زيارة وزير الدفاع الهندي راجناث سينغ للمغرب في سبتمبر 2025، والتي أعطت دفعا جديدا للعلاقات الثنائية في هذا المجال.

وبدا لافتا أن وزارة الدفاع الهندية أعلنت في بيان أن البلدين ناقشا “سبل تعزيز التعاون في عدد من المجالات الدفاعية، بما في ذلك الصناعة الدفاعية والبحث والتطوير، فضلا عن التدريب العسكري والتدريبات المشتركة وعمليات حفظ السلام والتعاون البحري والطب العسكري والأمن السيبراني”، في الاجتماع الافتتاحي للجنة الدفاع المشتركة، قبيل الذكرى السبعين للعلاقات الثنائية في عام 2027.

وحظي الجانب الصناعي بأهمية خاصة خلال المباحثات التي جمعت وفدا مغربيا برئاسة العميد عبد الله عثماني، رئيس المكتب الثاني للقوات المسلحة الملكية المغربية، ومسؤولين عسكريين هنود، حيث ناقش الجانبان “سبل استكشاف فرص الإنتاج المشترك والمشاريع المشتركة والتعاون الفني، فضلا عن مجالات الصيانة والدعم”. كما أجرى الوفد المغربي، أمس، محادثات مع ممثلي قطاع الصناعات الدفاعية الهندي، خلال زيارة استمرت إلى الخميس، في إطار مناقشة فرص التعاون في مجالات الإنتاج المشترك والمشاريع المشتركة والتكنولوجيا والصيانة والدعم. وتم الاتفاق على استكشاف فرص التعاون في هذه المجالات.

ويأتي اجتماع اللجنة في وقت يحرص فيه المغرب على تنويع مصادر تسليحه وشركائه العسكريين حول العالم من أجل النجاح في تنفيذ مشاريع استراتيجية لبناء صناعته الدفاعية ومواجهة التهديدات التي تهدد أمنه الوطني. في الواقع، لم يعد المغرب يعتمد بشكل أساسي على الأسلحة الغربية. بل تراهن على أسلحة الصين وتركيا والهند والبرازيل وباكستان، وتعتبر هذه الدول وجهات لجهود التجارة والتدريب والتصنيع. وذلك لأن الأسعار لا تزال في متناول الجميع، والمغرب مستعد للمساهمة في صناعته العسكرية، وعلى عكس الولايات المتحدة، فهو لا يفرض شروطًا على الصفقات.

كما تجدر الإشارة إلى أن المغرب أبرم عددا من الاتفاقيات لشراء براءات اختراع ومركبات صناعية من عدة شركات من دول أوروبية وروسيا والصين والهند والبرازيل، بهدف إنتاج وتطوير بعض الأسلحة. خلال السنوات القليلة الماضية، ظهرت مؤشرات كثيرة على حدوث تغيير نوعي في السياسة الدفاعية والأمنية للمغرب من خلال هدف بناء صناعة عسكرية محلية كخيار استراتيجي يسمح لها بمواجهة المخاطر في منطقة مضطربة ومضطربة.

واعتبر الخبير في الشؤون العسكرية محمد شقير أن اجتماع لجنة الدفاع المشتركة للمملكة المغربية وجمهورية الهند “يندرج في إطار التعاون الذي يجمع البلدين في مجال اقتناء الأسلحة وتوسيع المشاريع الاستثمارية، خاصة في مجال الصناعة الدفاعية، مشيرا إلى مساهمة الهند في افتتاح مصنع تصنيع المركبات العسكرية لشركة تاتا، إحدى الشركات المشهورة في مجال إنتاج الأسلحة”. وأوضح شقير، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن “هناك اتفاقا بين المغرب والهند لتطوير التعاون العسكري بين البلدين، وهو ما انعكس على تعيين ملحق لدى المغرب مؤخرا للإشراف على الهند لمواكبة هذا التطور”.

وأشار المتحدث إلى أن الهند أصبحت أحد شركاء المغرب على المستوى الاستراتيجي في مجال الأسلحة من خلال اقتناء مجموعة من الأسلحة، بما في ذلك المركبات العسكرية، وتطوير الاستثمارات الدفاعية، خاصة وأن المغرب يسعى حاليا إلى تأسيس صناعة دفاعية، تتعلق أساسا بإنتاج المركبات والطائرات بدون طيار. “فيما يتعلق باقتناء الأسلحة أو إنشاء المصانع الحربية”.

وبحسب شقير، فإن هذه السياسة من شأنها أن تجعل المغرب “مستقلا عن أي شريك بعينه”، لأن “هذا الاعتماد يمكن أن يؤثر على استقلال البلاد في مجال الحصول على الأسلحة، خاصة في الثمانينيات عندما رفضت بعض الحكومات الأمريكية تزويد المغرب بالأسلحة التي يحتاجها في حربه ضد البوليساريو”.

وقال شقير إن “السوق العسكرية أصبحت أكثر اتساعا منذ دخول دول العالم الثالث مثل الهند وتركيا والبرازيل السوق العسكرية بأسعار تفضيلية”. “وهذا الوضع دفع المغرب إلى البحث عن تكاليف أقل ومعاملة تفضيلية، فضلا عن أفضل الأسعار، من أجل الحفاظ على استقلاله وسيادته العسكرية”.

وفي قراءته لأهمية الاجتماع الأول للجنة الدفاع المشتركة المغربية الهندية، اعتبر الشرقاوي الروداني، الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، أن الاجتماع يمثل تحولا في العلاقات الثنائية من التعاون الدفاعي الظرفي إلى شراكة مؤسسية ذات منظور استراتيجي، موضحا أن أهمية اللقاء “لا تكمن فقط في القضايا العسكرية التي تمت مناقشتها، بل في طبيعة التحول الذي يعكسه في المغرب”. إنها سياسة الدفاع. وأوضح الروداني، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن المغرب “أمام تنويع متعمد لشراكاته”. وتعمل وزارة الدفاع على توسيع شبكة علاقاتها مع القوى الآسيوية الناشئة ذات القواعد الصناعية والتكنولوجية المتقدمة، مع الحفاظ على العمق الاستراتيجي مع الشركاء الأميركيين والأوروبيين. والهند هنا ليست مجرد مورد محتمل للأسلحة ولكنها أيضا شريك يمكنه المساهمة في نقل التكنولوجيا والتدريب والصيانة والإنتاج المشترك. “

ورأى الروضاني أن التعاون المغربي الهندي يتقاطع مع التحول الذي يشهده المغرب “من نموذج يعتمد أساسا على اقتناء المنظومات العسكرية إلى نموذج يسعى إلى توطين أجزاء من سلسلة القيمة الدفاعية، وهو ما تنعكس في تجربة التعاون مع شركة تاتا للأنظمة المتقدمة الهندية في مجال العربات المدرعة”. وأوضح أن “المعادلة التي تتشكل تقوم على اكتساب القدرات، ثم توطينها، ومن ثم امتلاك المعرفة اللازمة، الأمر الذي سيؤدي إلى بناء القاعدة الصناعية الدفاعية”.

وقال الخبير إن “الهند قوة كبرى في المحيط الهندي، في حين يحتل المغرب موقعا حيويا على مفترق طرق المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وكذلك على الجانب الغربي من أفريقيا”. ومن هنا، يمكن أن تتجاوز العلاقة التعاون الثنائي لتشمل الأمن البحري، وحماية الممرات وسلاسل التوريد، والدفاع السيبراني، والمركبات الجوية بدون طيار، وتقنيات الدفاع الجديدة، لافتاً إلى أن المحادثات لها أهمية جيوسياسية مهمة. ومن ناحية أخرى، رأى روداني أن “المغرب يمكن أن يشكل منصة استراتيجية وصناعية للهند تجاه إفريقيا وغرب البحر الأبيض المتوسط”. وعلى العكس من ذلك، فإن الشراكة مع نيودلهي يمكن أن تمنح المغرب إمكانية الوصول إلى الأنظمة الصناعية والتكنولوجية سريعة التطور في آسيا. وهنا تبرز علاقة تكاملية بين الجغرافيا الاستراتيجية للمغرب والقدرات الصناعية للهند.

“والأهم من ذلك، أن هذا الاجتماع يعكس تحولا أوسع في مفهوم المغرب للسيادة الدفاعية. فالقوة العسكرية لا تقاس فقط بحجم الترسانة التي تحصل عليها الدولة، ولكن أيضا القدرة على إنتاج وصيانة وتطوير بعض منها، فضلا عن التكنولوجيا والخدمات المرتبطة بها. “وبالتالي يمكن تقليل أهمية المحادثات إلى الفكرة المركزية المتمثلة في أن المغرب لا يبحث عن موردين جدد للأسلحة، بل يبحث عن موردين جدد للأسلحة”. ورأى أنه “إذا ترسخ هذا المسار مع الهند، فإن قيمته الحقيقية لن تكمن في الاتفاقيات العسكرية فحسب، بل في التكنولوجيا والتصنيع والسيادة الاستراتيجية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button