مجتمع

الاغتراب والوصم يبتلي طلاب “المغرب العميق” في المدن الكبرى

بمجرد أن يحتفل الطلاب من المنطقة التي يشار إليها عمومًا باسم “المغرب العميق” بقبولهم في تخصصهم المرغوب فيه في مدينة كبرى، غالبًا ما يجدون أنفسهم في مواجهة تحديات جديدة تتجاوز صعوبات الدراسة، مثل التكيف مع بيئة اجتماعية وثقافية مختلفة، وإدارة السكن والنفقات، وبناء علاقات جديدة، وحتى مواجهة مشاعر الغربة والتحيز الاجتماعي.

ويضرب محمد (25 عاما)، وهو طالب دراسات عليا، مثالا على هذه التجربة، قائلا إن الصعوبات تبدأ مع استكمال شهادة البكالوريوس، خاصة في ظل ما يصفه بـ”التمايز المكاني” حيث ينتقل الطلاب من مناطق بعيدة عن المراكز الحضرية إلى بيئات مختلفة على مستويات مختلفة.

وأوضح محمد، الذي سافر من إقليم أزيرار إلى العاصمة الرباط رغبة في استكمال دراساته العليا، في حوار له مع هسبريس، أن الطلبة “المغاربة بعمق” ينشأون في بيئة محافظة وتقليدية، حيث تتدهور، حسب قوله، بعض القيم المرتبطة بنمط الحياة الاستهلاكي والحياة الحضرية، ويواجهون فجأة حقائق اجتماعية وثقافية جديدة في المدينة الكبيرة، مما قد يخلق صعوبات في الاندماج والعواطف. – الشعور بالغربة والقلق تجاه تعبير الآخرين عن أنفسهم.

وبحسب الطالب الباحث نفسه، فإن المشكلة تتجاوز اختلافات البيئة، فهو يعترف أنه داخل بعض الكليات والمؤسسات يتم تصنيف الطالب على أساس انتمائه الجغرافي، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى “حصره وحصر شخصه كله في انتمائه الجغرافي”.

ووفقا لتجربة الطلاب الخاصة، يصبح هذا الشعور أكثر حدة عندما يواجهون صعوبات اقتصادية، وخاصة صعوبة العثور على سكن مناسب، الأمر الذي يمكن أن يدفع بعض الطلاب إلى الاستقرار في المناطق النائية وتعميق شعورهم “بالتحيز الاجتماعي”.

كما أكد أن عدم وجود شبكة من الأصدقاء والمعارف في بيئة جديدة يجبر الطلاب على مواجهة الضغوط اليومية بمفردهم، وهو ما ينعكس على حالتهم النفسية وقدرتهم على التكيف. ويرى أن الدراسة ليست مجرد حضور مادي داخل مؤسسة الجامعة، بل هي نشاط ذهني يتطلب المشاركة الكاملة، مشيرا إلى أن الضغوط المادية والمعنوية وأحيانا الروحية المتراكمة يمكن أن تدفع الدراسة إلى خارج حيزها الأصلي.

ويضيف الكاتب للصحيفة، مضيفا أنه في بعض الأحيان ينشغل الطلاب بالأزمات اليومية أكثر من انشغالهم بالفصول الدراسية، ويمكن أن يصبح حضورهم في المؤسسات مجرد حضور مادي، بينما تنشغل عقولهم بأسئلة حول المستقبل وإدارة مستلزمات الحياة. ونظرا لأن المنح الدراسية محدودة ولا يمكن للجميع الاستفادة من السكن الجامعي، فإن هذه المشكلة تزداد صعوبة بالنسبة للطلاب الذين يتطلعون إلى تحقيق درجة من الاستقلال المالي.

مستذكرًا تجربته الشخصية في العاصمة الرباط، يصف محمد كيف أنه خلال سنوات دراسته الجامعية لم يكن يستفيد من السكن الجامعي واضطر إلى اللجوء إلى الإيجارات الخاصة، الأمر الذي يسلط الضوء بالنسبة له على العبء الذي يأتي مع كونه طالبًا من خارج المدينة.

وبحسب الطلاب أنفسهم، فإن الصعوبات لا تقتصر على الجانب المالي، بل تمتد إلى نظرة المجتمع إلى الطلاب الباحثين، خاصة إذا واصلوا دراسة الدكتوراه. ويقول إن بعض الأسر والدوائر الاجتماعية لا تزال تجد صعوبة في فهم مفهوم “الطالب الباحث” وأحيانا تنظر إليه بمنطق “العاطل عن العمل” بدلا من اعتباره شخصا سيواصل تعليمه ويساهم في البحث العلمي. في الواقع، في بعض الأحيان تكون مصحوبة بنظرة شفقة.

يقول عادل الحسني، خبير علم النفس الاجتماعي، إن بعض الصعوبات التي يواجهها الطلاب عند الانتقال إلى المدن الكبرى ترتبط بـ«الفجوة» الموجودة أصلاً بين المدرسة والتعليم العالي، مشيراً إلى صعوبة اندماج الطلاب في المجتمع الجامعي. ويوضح أنه بغض النظر عن التخصص الذي يختاره الطالب، فإن مرحلة ما بعد البكالوريا هي في الأساس إعداد للحياة المهنية، وأن الأخير يشير إلى أن الطلاب قد يتابعون دراساتهم العليا دون أن يكونوا مستعدين بشكل كافٍ لهذا المطلب. مرحلة جديدة.

وأوضح البروفيسور الحسني، في تصريح لهسبريس، أن الطلاب ينتقلون من مرحلة التركيز الأكاديمي إلى حياة تتطلب درجة أكبر من الاستقلالية والاعتماد على الذات والمسؤولية، إضافة إلى التعامل مع قواعد جديدة داخل البنية الجامعية والمجتمع، مؤكداً أنه إذا لم يكن الطلاب مستعدين لهذا التحول، فقد يواجهون نوعاً من “الصدمة” بسبب عدم المعرفة الكافية بالمسار الجديد ومتطلبات البيئة التي هم جزء منها.

ومن هذا المنطلق، يؤكد خبير علم النفس الاجتماعي على ضرورة تقريب الطلاب من الواقع ومساعدتهم على فهمه قبل المضي قدما، لافتا إلى ما أسماه بـ”المبادرات”، مثل “السنة الفارغة” المطبقة في بعض الدول الأوروبية، باعتبارها فترة يمكن أن تساهم في إعداد الشباب للحياة الجديدة التي تنتظرهم.

وبحسب المتحدث، فإن صعوبات التكيف لا تتعلق فقط بالجوانب الأكاديمية، بل تبرز أيضا وجود ما يسميه “التشوهات المعرفية” نتيجة المعرفة والتصورات المنقولة بين الأسرة والمجتمع والأصدقاء، والتي، حتى لو انتشرت بحسن نية، فهي غير دقيقة أو ليست بالضرورة صالحة في الحياة العملية والمهنية.

وأضاف البروفيسور الحسني أن الطلبة في هذه المرحلة يحتاجون إلى تنمية القدرة على الدراسة والاطلاع والاستفادة من تجارب وإخفاقات الأجيال السابقة، حتى لا يتعرضوا للندم بسبب عدم التوجيه السليم منذ البداية بعد سنوات من الدراسة في برامج البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، مضيفاً أن التكيف مع الحياة الجامعية لا ينفصل في نهاية المطاف عن الإعداد للحياة المهنية والقدرة على مواجهة واقعها.

كما لفت الأستاذ عادل الحسني إلى جانب آخر لا يقل أهمية يتعلق بصورة الطالب في المجتمع، موضحا أنه رغم خروجه من سوق العمل منذ سنوات قليلة فقط، إلا أن بعض الأوساط لا تزال تعامله على أنه “شخص لم يدخل الحياة العملية بعد”، معتبرا أن هذا التصور يمكن أن يؤثر على كرامة الطالب وطريقة معاملته. كما دعا إلى تدخل المؤسسات المعنية، خاصة قطاع التربية الوطنية وقطاع التعليم العالي، لتغيير هذه الصورة وإدماج مفهوم التوجيه والإعداد للحياة الجامعية والمهنية في المناهج التعليمية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button