مجتمع

المتقاعدون المغاربة: يواجهون تكاليف معيشية مرتفعة ومهمشين منذ عقود.

ليس من السهل على الناس أن يعملوا ويتبرعوا لسنوات عديدة، ثم يصلوا إلى سن التقاعد، ثم يواجهوا حقائق الحياة الأكثر قسوة مما توقعوا. من المفترض أن يكون التقاعد مرحلة راحة واستقرار بعد عقود من العمل، لكنه تحول بالنسبة لغالبية المتقاعدين المغاربة إلى مرحلة جديدة من القلق والحاجة والانتظار.

إن المعاشات شريحة اجتماعية قدمت مساهمة كبيرة لهذا البلد، حيث ساهمت في بناء أنظمتنا واقتصادنا وإدارتنا ومرافقنا العامة، لكنها اليوم تواجه مشاكل بسيطة في المظهر ولكنها عميقة في المعنى. وبعبارة أخرى، كيف يمكن للمتقاعدين أن يعيشوا بكرامة بمعاشات تقاعدية لا تستطيع مواكبة تكاليف المعيشة المتزايدة الارتفاع؟
المعاشات التقاعدية لم تعد تواكب الواقع:

المشكلة الرئيسية التي يعاني منها المتقاعدون المغاربة لا تكمن فقط في أنهم فقدوا مصدر عملهم، بل إن دخلهم التقاعدي بالنسبة للكثيرين لم يواكب التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي يشهده المغرب.

ورغم ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتحمل الأسر أعباء الإسكان والمرافق والنقل والنفقات الطبية، ظلت معاشات العديد من المتقاعدين محدودة، الأمر الذي أدى إلى تآكل قوتهم الشرائية تدريجيا.

قبل سنوات كان يكفي لتغطية جزء كبير من احتياجات المتقاعد، أما اليوم فهو يكفي لتغطية الضروريات الأساسية.
وهناك تناقض مؤلم هنا: ستبقى المعاشات التقاعدية على حالها، لكن الأسعار سترتفع.
ومع مرور السنين، لم يعد المتقاعدون يستفيدون من زيادة الدخل فحسب، بل إن القوة الشرائية للنقود تنخفض مع ارتفاع الأسعار، وهو ما يترجم في حد ذاته إلى انخفاض حقيقي في قيمة المعاش التقاعدي.

ويحدث الكثير من التفاعل الاجتماعي، ولكن النتائج محدودة.
وعقد المغرب، على مدى سنوات، العديد من الحوارات الاجتماعية بين الحكومة والنقابات، تمت خلالها مناقشة العديد من الملفات التي تهم العمال والطبقة العاملة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أين يقع المتقاعدون في هذه المعادلة؟
المتقاعدون ليسوا مواطنين ينتهي دورهم بترك مكان العمل. فهو لا يزال مواطناً يعيش ويستهلك في المجتمع، يدفع ثمن ارتفاع الأسعار، يحتاج إلى علاج ومأوى وطعام ومواصلات، وله أسرة والتزامات واحتياجات يومية.

لذلك لا بد من النظر في إخراج المتقاعدين الذين أنهوا حياتهم المهنية من دائرة الاهتمام الاجتماعي.
فالحوار الاجتماعي ليس مجرد فرصة للتفاوض حول مصالح العمال، بل ينبغي أن يمتد تأثيره إلى أولئك الذين قضوا جزءا كبيرا من حياتهم في الخدمة الاجتماعية.

المتقاعدون لا يطلبون الصدقات.
ومن الخطأ أن ننظر إلى طلب المتقاعد على أنه طلب مساعدة أو صدقة.
المتقاعدون لا يطلبون الصدقات.
ويطالب بالحق في حياة كريمة وأن تحافظ الدولة على توازن معقول بين معيشته ومستوى الأسعار الذي يفرضه الواقع الاقتصادي.
قضى سنوات عديدة من حياته في العمل، وتم خصم اشتراكاته التقاعدية من دخله. الحديث عن تحسين أوضاع المتقاعدين لا يجب أن يبدأ بمنطق الإحسان، بل بمفاهيم الحقوق والكرامة والعدالة الاجتماعية.
إن المجتمع الذي يتوقع من الأطفال أن يعملوا، وأن يعملوا، وأن يكونوا منضبطين طوال حياتهم العملية، يحتاج أيضًا إلى ضمان أن يعيش أطفالهم حياة كريمة مع تقدمهم في السن.
إذا كان ترك وظيفتك يمثل عبئًا:

والأخطر من العيش في الفقر هو عواقبه الاجتماعية والنفسية.
قد يضطر المتقاعدون الذين يجدون أن معاشاتهم التقاعدية غير كافية لتلبية احتياجاتهم الأساسية إلى اقتراض المال أو الاعتماد على أطفالهم أو أفراد أسرهم عندما ينبغي عليهم مساعدة أطفالهم وعدم تحميلهم أعباء.
ويقودنا هذا إلى قضية أخرى لم تحظ بالقدر الكافي من الاهتمام: وهي التكاليف المرتفعة للشيخوخة.
مع تقدم الأشخاص في السن، غالبًا ما يحتاجون إلى مزيد من الرعاية الصحية والأدوية والاختبارات ورعاية المتابعة الطبية، مما يقلل من قدرتهم على تعويض فجوات الدخل من خلال العمل الإضافي.

ويمكن للشباب الذين ليس لديهم دخل كاف أن يبحثوا عن عمل إضافي أو مصادر دخل أخرى، ولو جزئيا.
بالنسبة للمتقاعدين الأكبر سنا، الخيارات محدودة للغاية.
ولذلك، فإن ارتفاع الأسعار بالنسبة له ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل هو مسألة ترتبط مباشرة بالحياة اليومية.
فهل من المعقول أن تقاس كرامة الإنسان بقدرته على تحمل ارتفاع الأسعار؟
لقد أصبح الحديث عن القدرة الشرائية جزءا لا يتجزأ من الحوار الاقتصادي في المغرب.
لكن القوة الشرائية ليست رقما مجردا.

ويعني أن الناس يستطيعون شراء الطعام، ودفع فواتير المياه والكهرباء، وتأمين السكن، والتنقل، وتلقي العلاج الطبي، وتلبية احتياجات أسرهم، والعيش دون الحاجة إلى السؤال في نهاية الشهر: “ماذا سنفعل غدًا؟”
وتزداد المشكلة صعوبة بالنسبة للمتقاعدين، الذين لا يملكون في كثير من الأحيان الوسائل اللازمة لزيادة دخلهم.
ولذلك فإن معالجة ملفات المتقاعدين يجب أن تتم ليس فقط وفق منطق الحسابات المالية، بل أيضاً وفق منطق اجتماعي وإنساني.
مسؤوليات الدولة والنقابات:
ورغم أن مسؤولية تحسين ظروف المتقاعدين لا تقع على عاتق الحكومات وحدها، إلا أنها تتحمل المسؤولية الأساسية باعتبارها صانعة القرارات والسياسات العامة.
كما يُطلب من النقابات إعادة النظر في وضع المتقاعدين في نظام حماية الحقوق الاجتماعية.
وعندما تمثل النقابات العمال العاملين، فمن الطبيعي أن تستمر هذه المصلحة بعد التقاعد، إذ لا يفقد العمال حقوقهم الاجتماعية بمجرد حصولهم على المعاش.
المطلوب ليس فقط إدراج ملفات المتقاعدين في البيانات والخطابات، بل تقديم مقترحات واضحة وقابلة للتنفيذ لجعلها جزءا دائما من جدول أعمال الحوار الاجتماعي.

ما تطلبه ليس مستحيلا.
فالمتقاعدون لا يطالبون بأكثر مما تستطيع الدولة تحمله، بل يطالبون بسياسات عادلة تراعي واقع حياتهم.
والحل المحتمل هو مراجعة المعاشات التقاعدية بانتظام والتفكير في سبل ربطها بمؤشرات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة بطريقة مدروسة حتى لا يواجه المتقاعدون معاشات تقاعدية تفقد جزءا كبيرا من قيمتها الحقيقية كل بضع سنوات.
ومن الممكن أن يشكل تحسين التغطية الصحية وتخفيف العبء المرتبط بالعلاج والأدوية جزءا هاما من السياسات المهمة لتحسين ظروف المتقاعدين.
وفي حين أن زيادة المعاشات التقاعدية أمر مهم، فمن المهم بنفس القدر الحفاظ على صحة المتقاعدين وخفض التكاليف الطبية.
المتقاعدون مواطنون قبل أن يكونوا متقاعدين.

ربما حان الوقت لإعادة النظر في كيفية تعامل المجتمع مع المتقاعدين.
المتقاعدون ليسوا أرقاماً في صناديق التقاعد، وليسوا ملفات إدارية خاصة، وليسوا مواطنين تنتهي شرعيتهم الاجتماعية بانتهاء وظائفهم.
إنه إنسان له مهنة وحقوق وكرامة وأسرة واحتياجات وله الحق في أن يعيش بقية حياته خاليًا من الخوف من الغد.
الجزء الذي نعيش فيه من المغرب اليوم بناه المتقاعدون.
لقد عملوا في الإدارات والمدارس والمصانع والمرافق العامة والمؤسسات المختلفة، مساهمين في استمرار وجود المجتمع في مواقعهم.
ومن الظلم أن يُطلب من الناس التزام الصمت عندما لا تتمكن معاشاتهم التقاعدية من مواكبة تكاليف المعيشة.
الكلمات الأخيرة:

مشكلة التقاعد المغربي ليست مشكلة مجموعة هامشية يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى.
إنها قضية عدالة اجتماعية جيدة جدًا.
إذا تم قياس المجتمع بمستوى اهتمامه بفئاته الأكثر ضعفا، فإن الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع المتقاعدين تكشف الكثير عن مفاهيمه عن العدالة الاجتماعية والكرامة.
لقد حان الوقت لتنتقل ملفات المتقاعدين من فئة الطلبات المؤجلة إلى فئة القرارات الفعلية.
المتقاعدون لا يبحثون عن امتيازات خاصة أو معاملة تفضيلية.

إنه يريد فقط أن يوفر معاشه الحد الأدنى من العيش الكريم وأن يشعر أن كل السنوات التي عمل فيها وتفاني فيها لم تذهب سدى.
من حق الأشخاص الذين يقضون حياتهم في خدمة المجتمع أن يجدوا مجتمعًا يحفظ لهم كرامتهم وقت الحاجة.
وهذا ليس ترفاً اجتماعياً، بل هو اختبار حقيقي لما تعنيه العدالة الاجتماعية في المغرب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button