سياسة

مدريد تعرف الجانب الآخر من الصحراء والرباط لم تنس سبتة ومليلية

وحتى الآن، اختار المسؤولون المغاربة والإسبان كلماتهم بعناية لتجنب سوء الفهم والتفسيرات من قبل الطرف الآخر، وتعاملوا مع تأثير موجة المهاجرين الذين وصلوا إلى سبتة أواخر يوليو/تموز 2026 بعناية كبيرة. وتعكس هذه اليقظة طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية وتعقيدها، فضلا عن الجوانب المتنوعة التي اتسم بها هذا الحدث.

تتميز العلاقات بين المغرب وإسبانيا بدرجة عالية من الترابط والترابط، ولكنها تتسم أيضا بالحذر والقلق.

القصص الموصى بها

قائمة من عنصريننهاية القائمة

ومن العوامل التي تديم هذا الوضع الإرث الاستعماري الثقيل، واستمرار احتلال إسبانيا لمدينتي سبتة ومليلية على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​والجزر المغربية، وعدم الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية بينهما، سواء في البحر الأبيض المتوسط ​​أو على ساحل المحيط الأطلسي قبالة جزر الكناري.

وهذا ما يجعل هذه العلاقات حساسة للغاية للأحداث السياسية والأمنية والتغيرات الاقتصادية بين البلدين.

وتتشابك الهجرة أيضًا مع أبعاد جيوسياسية أوسع، مما يضيف بعدًا آخر لهذا الترابط.

وتشكل قضية مدينتي سبتة ومليلية المتوسطيتين اللتين تحتلهما إسبانيا والجزر المغربية مصدرا محتملا لتجدد التوتر وشوكة على هامش العلاقات الثنائية.

على سبيل المثال، أثارت موجتان من الهجرة غير النظامية واسعة النطاق إلى سبتة في عامي 2021 و2026 جدلاً حول إمكانية تحويل قضية الهجرة إلى أداة ضغط وتفاوض، لكنها في الوقت نفسه قد تفرض تكاليف دبلوماسية وتؤدي إلى توتر العلاقات بين الشريكين الاستراتيجيين.

وإلى جانب هذه العوامل التاريخية والموضوعية، هناك عوامل أخرى تؤثر على طبيعة العلاقات بين البلدين، تتجلى في المقام الأول في التصورات والتعبيرات المتبادلة بين البلدين.

على سبيل المثال، فإن قسماً كبيراً من النخبة السياسية في أسبانيا لم يتخل بعد عن نظرته التقليدية للمغرب، ولا يزال ينظر إليه باعتباره تحدياً أو تهديداً محتملاً، وفي أفضل الأحوال منافساً وليس شريكاً. وهو ما دفع بعض الأحزاب السياسية إلى استخدام المغرب كورقة سياسية أو انتخابية.

سبتة ومليلية: حجارة مهمة لكلا البلدين

وتشكل قضية مدينتي سبتة ومليلية المتوسطيتين اللتين تحتلهما إسبانيا والجزر المغربية مصدرا محتملا لتجدد التوتر وشوكة على هامش العلاقات الثنائية.

ورغم أن المغرب يواصل طرح قضية هذه الأراضي المحتلة حفاظا على حقوقه حتى لا تسقط بالتقادم، فإنه لم يضع هذه القضية حتى الآن على رأس أولويات سياسته الخارجية بسبب عدد من الاعتبارات، منها تلك المتعلقة بالطبيعة المعقدة للملف نظرا للتاريخ الطويل للوجود الإسباني في شمال المغرب وعلاقته بالسياق الأوروبي، وتركيز الدبلوماسية المغربية على إغلاق ملف قضية الصحراء في ظل قضايا سياسية متعددة مفتوحة. يمكن أن يكون تركيب الواجهة في نفس الوقت خيارًا مكلفًا.

ولذلك، فرغم أن المغرب يبدو أنه أرجأ وضع استراتيجية واضحة لاستعادة هذه المناطق في الوقت الراهن، فإن هذا لا يعني عدم وجود سياسة لإدارة هذه القضية استنادا إلى مجموعة من القواعد.

ويحرص المغرب على إبقاء قضية سبتة ومليلية والجزر المحتلة في خطاباته ووثائقه الرسمية، وكذلك في المحافل الدولية والإقليمية، حفاظا على حقوق المغرب، مع ترسيخ هذه القضية في وجدان المغرب والمجتمع الدولي كواحدة من آخر مشاكل الاستعمار في إفريقيا.

علاوة على ذلك، تجنب المغرب الدخول في اتفاقيات ثنائية مع إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي يمكن تفسيرها على أنها اعتراف ضمني بشرعية الوجود الإسباني. كما تحرص على الحد من التأثير على العلاقات الثنائية وتحييد الأطراف الأخرى، خاصة الاتحاد الأوروبي، مع إبقاء القضية في إطار الخلاف الثنائي بين المغرب وإسبانيا.

ويحرص المغرب على إبقاء قضية سبتة ومليلية والجزر المحتلة في خطاباته ووثائقه الرسمية، وكذلك في المحافل الدولية والإقليمية، حفاظا على حقوق المغرب، مع ترسيخ هذه القضية في وجدان المغرب والمجتمع الدولي كواحدة من آخر مشاكل الاستعمار في إفريقيا.

لكن المغرب عندما يواجه ضرورة التعبير عن موقفه في المنظمات أو المحافل الدولية، فإنه يسعى دائما إلى توضيح موقفه حتى لا يفسر صمته على أنه اعتراف بالأمر الواقع.

وقد استجاب ممثلو إسبانيا بشكل عام لهذا الأمر بهدوء، وحتى الآن لم تتحول القضية إلى صدام دبلوماسي، ولا يزال الوضع الحالي مستمرا.

الصحراء، سبتة، مليلية، جبل طارق: لعبة الورق

لطالما كانت هناك علاقة تأثير متبادل بين قضية الصحراء وقضية سبتة مليلية، وهو ما تجلى بوضوح في الأزمة السياسية التي شهدها المغرب وإسبانيا عام 2021.

منذ انسحاب إسبانيا من الصحراء سنة 1975، ظلت إسبانيا ملتزمة بالموقف الوسطي في هذه القضية، ولم تعط إشارة واضحة إلى أنها ستساهم في حل النزاع الذي كانت طرفا رئيسيا فيه، حتى 18 مارس 2022، عندما أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن إسبانيا تعتبر مقترح المغرب للحكم الذاتي هو الأساس الأكثر جدية وواقعية وموثوقية لحل النزاع.

ولا شك أن إسبانيا تدرك جيدا أن المغرب سيفرج عن ملفات سبتة ومليلية وغيرهما من الجزر المحتلة بمجرد حل قضية الصحراء.

وقد يفسر هذا جزئيا عدم تمكن إسبانيا من لعب دور فعال وفاعل في حل هذه القضية، رغم مسؤوليتها التاريخية في المساهمة في إيجاد حل عادل لهذه المشكلة وإنصاف المغرب الذي ظل مستعمرا من قبل قوى أوروبية متعددة منذ بداية القرن العشرين.

وفي ما يتعلق بقضية جبل طارق، ربط المغرب في البداية حل المناطق التي تسيطر عليها إسبانيا في شمال المغرب بحل قضية جبل طارق، المعروفة بـ”الحسن الثاني”، على حد تعبير المرحوم محمد العربي المسعري، لكن بحلول منتصف الثمانينات بدأ المغرب بفصل مستقبل سبتة ومليلية عن قضية جبل طارق.

إن تأجيل مسألة استعادة سبتة ومليلية والاكتفاء بمواصلة التأكيد على المكانة المغربية يمثل خيارا استراتيجيا يأخذ في الاعتبار تعقيدات القضية وتوازن القوى والوضع السياسي الراهن. ولذلك فإن المغرب حريص على الحفاظ على حقوقه والحفاظ على الوضع الراهن للأمور مع تجنب الأزمات غير المتوقعة.

وفي عام 1987، احترم الملك الراحل الحسن الثاني خصوصية المدينتين مقارنة بوضع جبل طارق، وأعلن أنه لا مجال للمقارنة بين المدينتين، باعتبار أن جبل طارق يقع في أوروبا ويخضع لحكم دولة أوروبية.

كما دعا إلى تشكيل خلية فكرية مشتركة بين المغرب وإسبانيا للنظر في مستقبل سبتة ومليلية، لكن إسبانيا ما زالت ترفض هذا الاقتراح حتى الآن.

ويعكس هذا التغير في موقف المغرب إدراكه لخطورة ربط مصير المدينتين بخصوصيات تاريخية وقانونية وجغرافية وثقافية بقضايا جبل طارق المختلفة اختلافا جوهريا.

ومع ذلك، إذا استعادت إسبانيا جبل طارق يومًا ما، فسيكون لذلك آثار جيوسياسية كبيرة على المنطقة والعالم، مما يحول قضية السيطرة على المضائق إلى قضية دولية أكثر تعقيدًا، ولن تنظر القوى الدولية بارتياح إلى احتمال سيطرة إسبانيا على جانبي الممر البحري الدولي الحيوي للتجارة وسلاسل التوريد والشحن الدولي.

الهدوء الهش والتوتر الكامن

إن تأجيل قضية استعادة سبتة ومليلية والاكتفاء بمواصلة التأكيد على المكانة المغربية هو خيار استراتيجي يأخذ في الاعتبار تعقيدات القضية وتوازن القوى والوضع السياسي الراهن.

ولذلك يحرص المغرب على الحفاظ على حقوقه وترك القضية على ما هي عليه، متجنبا أزمات غير محسوبة قد تعطل أولوياته الاستراتيجية، مع انتظار ظروف أكثر ملاءمة للانتقال من إدارة الصراع إلى دراسات الحل.

ورغم أنه من المرجح أن يتمكن البلدان من الحد من تأثير أزمة الهجرة هذا العام، فإن العلاقات تظل مشوبة بالحذر والقلق المتبادلين، وستكون عرضة لتداعيات سريعة إذا فشل البلدان في الالتزام بالإطار المنصوص عليه في البيان المشترك الصادر في إبريل/نيسان 2022، والذي حدد خارطة طريق للعلاقات الثنائية. ومن أهم عناصر هذا الإطار “تجنب الإجراءات الأحادية والعقوبات القسرية، ومعالجة القضايا ذات الاهتمام المشترك بروح الثقة والتشاور”. إنه أمر واقع. ”

الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button