كأس العالم 2026: كيف أصبح المغرب قوة كرة القدم في العالم؟ – بي بي سي نيوز عربي

مصدر الصورة, صور جيتي
المغاربة، سواء كان الجيل الذي شهد وصول المنتخب المغربي إلى ربع نهائي كأس العالم في المكسيك عام 1986 أو جيلي الذي عاش نهائي كأس أفريقيا عام 2004، كانوا الأقل تفاؤلاً. ومن المتوقع أن يكون حضور المغرب، الذي وصل إلى نصف نهائي مونديال قطر 2022، صعبا في عالم كرة القدم.
وكانت الفترة من 1985 إلى 2004 إلى 2022 عبارة عن سلسلة من السنوات الضائعة، مليئة بالأخطاء والإخفاقات، والخطط العشوائية والافتقار إلى سياسة واضحة. وشهدت كرة القدم المغربية خلال تلك الفترة العديد من الإخفاقات والأحداث التي يمكن وصفها بـ”الانتكاسات الكروية”، وغابت عن المونديال 20 عاما حتى عودتها من أبواب مونديال 2018 بروسيا، لكنها حققت في 2022 إنجازا تاريخيا غير مسبوق في أفريقيا والعالم العربي.
ولم تقتصر ثورة كرة القدم المغربية على الفريق الأول، بل طالت مختلف الفئات السنية، مما أدى إلى تحقيق البطولات المحلية والدولية. وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى الفوز بكأس العالم تحت 20 سنة 2025 في تشيلي، والفوز بالميدالية البرونزية في أولمبياد باريس 2024، والفوز بكأس العرب 2025، والفوز ببطولات كأس أفريقيا المحلية والمتعددة الأعمار، والوصول إلى الدور الثاني من كأس العالم للسيدات 2020 في أستراليا ونيوزيلندا. 2023.
من يتابع كرة القدم المغربية يدرك جيدا أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي شغف مشترك بين الأطفال والكبار. في كل حي وشارع، هناك لاعبون كرة قدم يمارسون هوايتهم في الملاعب الشعبية، أو في بعض الأحيان، الساحات العامة التي تكون بمثابة ملاعب كرة قدم بشكل مؤقت.
وأدرك المسؤولون أن حل هذه المشكلة يحتاجون إلى مشروع كروي حقيقي يحول شغف “الهواة” بكرة القدم إلى إنجاز قاري ودولي، وهكذا بدأ الحلم المغربي.
الاستثمار في البنية التحتية: القرب من الملاعب
مصدر الصورة, صور من وسائل الإعلام المحلية
تبدأ صناعة كرة القدم الاحترافية بالاستثمار في البنية التحتية الرياضية من خلال إنشاء الملاعب ومراكز التدريب التي تلبي المعايير الدولية وتوفر البيئة المناسبة لاكتشاف المواهب وتطويرها.
وفي هذا السياق، ووفقا لبيانات وزارة التربية الوطنية والتعليم الابتدائي والرياضة، يتوفر المغرب اليوم على حوالي 2500 منشأة رياضية موزعة على مختلف جهات المملكة، بما في ذلك مئات الملاعب “الأحياء” التي تشكل فضاءات مهمة لممارسة كرة القدم وتطوير مهارات الجيل القادم.
لقد أصبحت هذه الملاعب أرضًا خصبة لمواهب كرة القدم، حيث يخطو الآلاف من الأطفال والشباب خطواتهم الأولى في عالم الاحتراف، ويذهب بعضهم إلى الأندية الوطنية والدوريات الأوروبية والدولية.
تتكون هذه المرافق من ملاعب صغيرة، غالبًا ما تكون مغطاة بالعشب الاصطناعي، وتشرف عليها وزارة التربية الوطنية والتعليم الابتدائي والرياضة، وغالبًا ما تكون جمعيات الأحياء مسؤولة عن إدارتها وتنظيم الأنشطة اليومية.
ولا يقتصر الاهتمام بتطوير هذه البنية التحتية على الجهود المحلية، بل هناك أيضًا دعم دولي متزايد. وفي وقت سابق من العام الجاري، وقع الاتحاد الدولي لجمعيات كرة القدم (فيفا) اتفاقية مع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، من أجل إنشاء 30 ملعبا صغيرا من فئة “فيفا أرينا” في مختلف مناطق المملكة.
ويعد البرنامج جزءا من مبادرة عالمية أطلقها الاتحاد الدولي لكرة القدم بهدف إنشاء ما لا يقل عن 1000 ملعب كرة قدم صغير حول العالم بحلول عام 2031، مما يضمن المزيد من الفرص لممارسة كرة القدم واكتشاف المواهب في مختلف دول العالم.
ملعب بمعايير دولية
مصدر الصورة, صور جيتي
منذ أن انضم المغرب إلى إسبانيا والبرتغال للترشح لاستضافة نهائيات كأس إفريقيا للأمم الأخيرة ونهائيات كأس العالم 2030، شهدت المملكة طفرة غير مسبوقة في تطوير البنية التحتية الرياضية.
انطلق مشروع كبير لبناء ملاعب جديدة وتحديث الملاعب القائمة بمختلف المدن المغربية، بهدف الالتزام بأعلى المعايير الدولية المعتمدة من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الأفريقي لكرة القدم.
تضم معظم المدن الكبرى في المغرب الآن ملعبًا رياضيًا واحدًا على الأقل بمعايير دولية، ويستضيف العديد منها المسابقات القارية والدولية الكبرى، ويخضع البعض الآخر لأعمال التوسعة والتحديث استعدادًا لاستضافة مباريات كأس العالم 2030.
ويعد مشروع ملعب الحسن الثاني الكبير ببنسليمان بالقرب من الدار البيضاء، أشهر هذه المشاريع وأكثرها طموحا.
ومن المتوقع أن يتسع لحوالي 115.000 شخص، مما يجعله أكبر ملعب لكرة القدم في العالم عند اكتماله. كما يعتبر من أبرز الملاعب المرشحة لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030، وهي خطوة تعكس طموحات المغرب لتحسين مكانته في عالم كرة القدم الدولي وتحويل نفسه إلى مركز رياضي عالمي.
أكاديمية محمد السادس لكرة القدم: حاضنة المواهب
مصدر الصورة, صور جيتي
تعد أكاديمية محمد السادس لكرة القدم من أبرز المشاريع الرياضية التي ساهمت في التحول الجذري لكرة القدم المغربية في العقود الأخيرة.
تأسس سنة 2009 بمبادرة من العاهل المغربي الملك محمد السادس، في إطار رؤية استراتيجية تهدف إلى تطوير كرة القدم المغربية من خلال الاستثمار في تطوير اللاعبين منذ سن مبكرة وفق معايير الاحتراف الدولية.
تقع الأكاديمية في مدينة سلا وتوفر للشباب الموهوبين بيئة شاملة تجمع بين التدريب الرياضي والتعليم الأكاديمي والرعاية الصحية والإشراف النفسي والاجتماعي.
وقال مسؤولو الأكاديمية إن عملية اختيار دقيقة شملت مختلف مناطق المغرب تمت بهدف تحديد أفضل المواهب في عالم كرة القدم ومنحهم الفرصة للتطور في ظروف احترافية تضاهي أكبر مراكز التدريب الدولية.
في السنوات الأخيرة، بدأت الأكاديمية في إظهار النتائج وأصبحت واحدة من أنجح أكاديميات كرة القدم في العالم، حيث نجحت في تخريج عدد من اللاعبين الذين استمروا في اللعب بشكل احترافي للأندية الكبرى في أوروبا ويمثلون المنتخب الوطني المغربي والفريق الأول في مختلف الفئات العمرية.
ومن بين خريجي الأكاديمية خمسة لاعبين كانوا ضمن قائمة المدرب وليد الرقلاقي لكأس العالم في قطر: نايف أكراد، عز الدين أوناحي، يوسف النصيري، أسامة تلغولين وعبد الحميد آيت بودرال.
وإلى جانب اللاعبين الذين شاركوا في المنتخب الوطني من الفئة السنية، شارك أيضا عدد من اللاعبين الآخرين، منهم ياسر زفيري هداف منتخب المغرب للشباب الفائز بكأس العالم والذي يحترف مع رين الفرنسي، وياسين الخليفي الذي يحترف مع شارل لوروا في بلجيكا، وفؤاد زهواني الذي يلعب مع نادي اتحاد تواركة في المغرب.
البطولة للمحترفين
مصدر الصورة, صور جيتي
وبحسب الجامعة المغربية لكرة القدم، وبعد سنوات طويلة من التسيير “الهواة”، أطلق المغرب مشروع البطولة المغربية الاحترافية سنة 2011 في إطار رؤية شاملة تهدف إلى تحديث المنظومة الوطنية لكرة القدم والارتقاء بها إلى مستوى المعايير الدولية.
ولم يكن الهدف من هذا المشروع تغيير اسم البطولة فحسب، بل أيضًا تأسيس نموذج جديد لإدارة الأندية يعتمد على الحوكمة والشفافية والاستقرار المالي والإدارة المهنية.
وكلفت الجامعة الأندية باستيفاء سلسلة من الشروط المنصوص عليها في خطاب الحوافز، بما في ذلك توفير الموارد المالية الكافية، وتوظيف الإدارة المهنية، وتحسين البنية التحتية، وتطوير مراكز التدريب والفئات العمرية.
كما يهدف المشروع إلى تنظيم العقود المهنية، وضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لمختلف الأطراف، وتحسين الظروف المهنية للرياضيين والمدربين.
مصدر الصورة, صور جيتي
وفي عام 2015، تطور هذا المشروع أكثر مع إنشاء الرابطة الوطنية لكرة القدم للمحترفين، والتي كانت مسؤولة عن الإشراف على إدارة المسابقات الاحترافية وتطويرها وفق المعايير الحديثة، بما يتماشى مع متطلبات الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الأفريقي لكرة القدم.
وساهمت هذه البطولة الاحترافية في رفع مستوى الأندية المغربية في القارة الإفريقية، حيث أصبحت الأندية المحلية منافسا دائما على اللقب الإفريقي. كما وفرت بيئة أفضل لتطوير اللاعبين الشباب وإعدادهم للاحتراف الأجنبي.
وشكلت هذه البطولة، إلى جانب أكاديمية محمد السادس والملعب المجاور والبنية التحتية الحديثة، إحدى الركائز الأساسية لمشروع كرة القدم المغربية.
اكتشاف المواهب الكروية في الخارج
مصدر الصورة, صور جيتي
ومن أجل استقطاب المواهب الكروية مزدوجة الجنسية، تعتمد الرابطة الملكية المغربية لكرة القدم على نظام عمل منظم ومتكامل يجمع بين الكشف الميداني والتواصل المباشر مع اللاعبين وعائلاتهم، خاصة في الدول الأوروبية التي بها جاليات مغربية كبيرة مثل فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وألمانيا.
وتقوم هذه الشبكة من الكشافة بمتابعة اللاعبين الشباب من الأندية الأوروبية وأكاديميات كرة القدم، مع التركيز على الفئات العمرية الأصغر، حيث تتم مراقبة اللاعبين المغاربة وتقييم مستواهم الفني والبدني بدقة قبل تقديم تقرير مفصل إلى قسم التسيير الفني داخل الجامعة.
ولا يقتصر دور هذه المنظومة على الجوانب الفنية فحسب، بل يمتد أيضا إلى الجوانب الإقناعية والتواصلية، حيث تتواصل مع اللاعبين وعائلاتهم لشرح مشروع المنتخب المغربي وتقديم رؤية واضحة لفرص النمو والاحتراف. وقال العديد من الرياضيين المغاربة إنهم يقدمون أيضا الدعم اللازم للرياضيين وعائلاتهم، وهم موجودون من أجلهم منذ سن مبكرة.
ويأخذ هذا العمل في الاعتبار القانون الدولي للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) المتعلق بتغيير الجنسية الرياضية، ويتم من خلال التنسيق المباشر بين الإدارة الفنية للمنتخب الوطني ومدربي كل فئة عمرية والكشافة المبتعثين إلى أوروبا، بالإضافة إلى فريق متخصص في متابعة ملفات اللاعبين مزدوجي الجنسية.
وساهمت هذه الاستراتيجية في تعزيز قوة المنتخب المغربي في السنوات الأخيرة، ومن خلال استقطاب العديد من اللاعبين الذين ولدوا ونشأوا في أوروبا واختاروا تمثيل المغرب، ساهمت في تحسين المستوى الفني للمنتخب المغربي وإنشاء قاعدة بشرية قوية قادرة على المنافسة قاريا وعالميا.
اختبار 2026: “المستحيل ليس المغرب”
مصدر الصورة, صور جيتي
سيتوجه المغرب إلى نهائيات كأس العالم في الولايات المتحدة هذه المرة بعقلية مختلفة وطموحات أكبر. ولم يعد المنتخب المغربي فريقا يسعى فقط إلى تقديم مشاركة مشرفة كما كان الحال في نهائيات كأس العالم السابقة. وبدلاً من ذلك، احتلوا المركز الرابع على مستوى العالم في كأس العالم في قطر والمركز السابع في تصنيف الفرق العالمية التابع للفيفا.
واليوم، تتجه الأنظار نحو أسود الأطلس، حيث أصبحوا مرة أخرى أحد أبرز المنافسين المشاركين في هذا الحدث. الاختبار الأول سيكون مباراة كرة قدم أمام البرازيل، أحد أعظم المنتخبات في تاريخ اللعبة، فيما يتوقع أن يكون أحد أقوى الفرق وأفضلها مظهراً في البطولة.
وسيواجه المغرب بقيادة محمد ويبي، الذي قاد منتخب أقل من 20 سنة للفوز بكأس العالم في تشيلي، فريق السامبا المدجج بالنجوم بقيادة المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي.
يقول المغاربة دائما إن “المستحيل ليس مغربي”، لذلك ينتظر الكثيرون أن يؤكد الفريق المغربي مكانته وأحقيته في أن يكون جزءا من عظماء عالم كرة القدم ويعتقدون أن إنجازه لم يكن مجرد صدفة، بل مشروع طموح وحلم انطلق من ملعب في حي شعبي بالمغرب ووصل إلى أكبر ملعب وبطولة دولية.
#كأس #العالم #كيف #أصبح #المغرب #قوة #كرة #القدم #في #العالم #بي #بي #سي #نيوز #عربي





