من تأسيس الأمة إلى “كأس الفرح”.. المرأة المغربية بين عصرين – رصيف22

امتدت السلالات المرابطية والمرينية في المغرب لأكثر من قرن من الزمان، وخلال تلك الفترة لم تكن هناك تغييرات من نظام إلى نظام ومن دولة إلى أخرى فحسب، بل حدثت أيضًا تغييرات اجتماعية جوهرية، بما في ذلك وضع المرأة وكيفية النظر إليها.
وفي العهد المرابطي، تجاوزت المرأة النضال من أجل الحقوق والمساواة وغيرها، ونشطت على المستوى السياسي، وظهر تأثيرها في مركز صنع القرار، وعلى المستوى الاجتماعي من خلال تكوين الشابات وأدوارهن داخل الأسرة، وعلى المستوى الاقتصادي من خلال عملهن في العديد من المهن. إن رشاقة النساء وتطورهن منحهن مثل هذه المكانة الرفيعة خلال الفترة الأمورية.
لكن جاء العصر المريني وجاءت معه سلطة الفقهاء. وكانت هذه السلطة سلطة حدت من حرية المرأة، وجردتها من إنسانيتها، وأعادتها إلى مستوى أدنى بناء على تفسيرها للفتاوى والنصوص الدينية التي تضعها في منزلة أدنى من الرجل. وقد أثرت هذه الفتاوى على مكانة ودور المرأة داخل الأسرة، وساهمت بالطبع في تشكيل المواقف تجاه المرأة في المجتمع المغربي ككل.
المرأة المرابطية في التوازن السياسي
ركزت قبيلة صنهاجة (أصلها من المرابطين) والقبائل الصحراوية بشكل عام على دور المرأة الفاعل في مختلف مجالات الحياة، مما أتاح لها التمتع بالحرية الكاملة والمساواة، مثل المشاركة في المجالس القبلية والتعبير عن مواقفها أسوة بالرجل. ولم يخرج المرابطون عن هذه القاعدة عند تأسيس دولتهم. وكانت سيرة المرأة المرابطية في السياسة ذهبية، بل وتم تكريمها بالنسب واللقب. تم إعطاء الأمراء المرابطين والقادة العسكريين أسماء أمهاتهم (أبناء فلان وفلان)، خلافا لعادة إرجاع الدم إلى الأب.
إن سيرة المرأة المرابطية في السياسة هي سيرة ذهبية، وذهبت إلى حد تكريمها بالنسب واللقب. وكان الأمراء المرابطون والقادة العسكريون يطلقون أسماء أمهاتهم (أبناء فلان وفلان)، خلافا لعادة إرجاع الدم إلى الأب. ليس هناك دليل أفضل من سيرة زينب النفزاوي
ولا يوجد دليل على أن المرأة كانت أكثر تأثيرا على المستوى السياسي في عهد المرابطين من تصرفات زينب النفزاوية، التي وصفها ابن خلدون بأنها “إحدى النساء المشهورات في العالم بجمالها وقيادتها”. وبعد زواجها بيوسف بن تاشفين، ذكر أحمد بن محمد عذاري في كتابه أكبر الأندلس وبيان المغرب المغربي: أطاع المغرب قانون الضغط وأخذ من أملاكه ما لا يستطيع الحصول عليه. “تكشف لنا هذه الوثيقة والعديد من المصادر التاريخية أن زينب كانت خليفة سعد في السنوات الأولى للدولة، إذ جمعت بين البصيرة والدهاء والحكمة والرأي السديد. وبالإضافة إلى المعرفة بالمنطقة، لم يكن عليها سوى توجيه زوجها لفتح القبيلة. وكنا نعتقد أن تجنيد الجيش وإدارته كان – بحسب ابن عذاري – خطتها. والنفزاوية مجرد مثال واحد من أمثلة كثيرة لنساء المرابطين اللاتي فرضن آرائهن، وتقلدن مناصب عليا، ودعموا حكامهم، وساعدوهم على الحكم.
ولم ينفصل الدور السياسي في الحكم وإقامة السلطة عن الدور العسكري، خاصة في ظل حوادث التمرد والعصيان التي شهدتها الدول. ولذلك اخترق الجيش نساء أموريات تعلمن الحرب والطعن والفروسية، وشاركن في معارك كثيرة يظهرن الشجاعة.
المرأة المرابطية في العلم
كانت مهارات المرأة المرابطية نتيجة للسياسات التعليمية التي عززتها الدولة. كان تعليم المرأة عنصرا أساسيا في التقدم الثقافي الذي شهده المرابطون في كل من المغرب والأندلس، خاصة في عهد علي بن يوسف.
وانقسمت طرق تعليم المرأة إلى نهجين. التعليم في كتاب وطلب العلم في الخارج برفقة المحرم. أما تعليم الأديبات فقد استنبطت منه نساء كثيرات، ويذكر المقري في مؤلفاتها نافع الطيب في غصن الأندلس وأم هانئ وحمدونة بنت زياد المدب التي علمت أدب المرأة يوما ما، فذاعت شهرتها وزادت مكانتها. يقول عبد اللطيف دندش في كتابه «معهد التعليم العلمي في الأندلس» إن بعض النساء في العصر المرابطي اشتهرن بمهاراتهن في الكتابة، اللاتي صنعن نسخًا من القرآن الكريم وغيره من النصوص الدينية وأرسلنها إلى القيمين. ومنهن من أصبحن عالمات مشهورات، وأصبحن نجمات واشتهرن، وذهب إليهن طلبة العلم ليتعلمن.
وفي عهد المرابطين، لم يقتصر تلقي المرأة الأندلسية على التعليم عن طريق الكتوبة فقط، بل عرفت أيضًا بطلب العلم خارج البلاد برفقة “المحرم”. ومنهن شاعرات وطبيبات مثل أم عمر بنت أبي مروان، التي قيل إنها ماهرة في الإدارة والعلاج. حتى أنها زارت قصور الأمراء لعلاج النساء والأطفال. كما غزت المجالات التجارية والاقتصادية.
هذه نماذج من حياة النساء في العصر المرابطي. ولعل توسع الدولة في الأندلس أثر في هذا التألق لعوامل تأثرت بالحياة الأندلسية. وعلى الرغم من بعض التحديات التي تواجهها المرأة الريفية التي تعيش بعيداً عن المناطق الحضرية، إلا أن الدولة كانت أكثر حداثة وانفتاحاً في العديد من المجالات.
المرأة في نظر الفقهاء في عهد الأسرة المريني
على العكس من ذلك، وبعد مرور أكثر من قرن من الزمان، قوضت العديد من الفتاوى المرينية مكانة ودور المرأة، وحولتها من المساهمة في تأسيس النظام إلى كونها خاضعة لتفسيرات الفقهاء ورجال الدين.
ونظرًا للمساهمات الواضحة للمرأة في الدولتين المرابطية والموحدية، كان من المأمول أن تتخذ الدولة المرينية خطوات مماثلة. ومع ذلك، استمر فقهاء ذلك العصر في الحط من قيمة المرأة وتقويض مكانتها.
يعتقد الفقهاء أن المرأة لها مكانة أقل من الرجل. ويجب تقييمها على أنها «أصول مشوهة» و«عناصر نصف ناضجة لا قيمة لها ولا دور». ولا يتحقق وجودها الاجتماعي إلا من خلال الإنسان وتحت ظل الإنسان. وبهذه الطريقة رسم الفقهاء صورة للمرأة وحاولوا نشرها في المجتمع.
وجاءت سلالة ماريني، وجاءت معها سلطة الفقهاء. وكانت هذه السلطة بمثابة سلطة أعادت المرأة إلى مستوى أدنى، بناء على تفسيرات للفتاوى والنصوص الدينية التي وضعت حدودا لحرية المرأة، وجردتها من إنسانيتها، وأنزلتها إلى منزلة أدنى من الرجل. وقد أثرت هذه الفتاوى على مكانة ودور المرأة داخل الأسرة، وبالطبع ساهمت أيضا في تشكيل المواقف تجاه المرأة في المجتمع المغربي ككل.
وقد حاول البعض تكريس هذا الرأي في فتوى على ضوء ما ذكره أبو العباس الونشرشي في كتابه المعايير المعرابة وجامع المغرب، معترفا بأن كفر الزوجة على زوجها يتجه إلى الضعف، وأنه لا يجوز للزوج أن يضرب زوجته. وهذا أيضاً ما ذكره الحسن العبادي في كتابه. وهذا يعني قبول دعوى غباء النساء المتصرفات في الأموال، وهذا من باب الاعتقاد. وذلك لأنهم “يجهلون كل ما يتعلق بالمحافظة على المال وتنميته” و”لا يعرفون إلا سياسة الثروة الحيوانية وتربية الأطفال وإنتاج الغذاء”.
وانعكس مستوى احتقارهم للمرأة في نظرتهم إليها باعتبارها “مصدر الشر ومستودع الخيانة”. وفي هذا الصدد يقول ابن الحاج العبدلي في كتابه المدخل إلى تطوير الأعمال بتحسين النوايا والتحذير من البدع والتقاليد: “قلما تضبط حيلهم في هذا وغيره، وقد ألحقوا بسببها ضررا بكثير من الناس، ومنهم من أفسد دينه وحياته وبعض أمواله”.
ومنها ما ذكره عبد الوهاب الدبيش في مقالته “المرأة في التنجيم المريني” الذي أوضح فيه أن معظم المعلومات عن النكبات المرينية (أي الفتاوى) المتعلقة بالمرأة جعلتها فاعلة خاملة في الحياة الاجتماعية، حتى أن الأحكام على نكبات هذه الفترة جاءت أحيانا تصف المرأة بالضعيفة أو بأنها “خالقة البدع”. وخصص ابن الحاج في كتابه “المظاهر” فصلا خاصا لبدعة المرأة ودورها في ممارسة العقيدة التي اعتبرها “محرمة شرعا”.
“المتعة الجنسية فقط”
وعادة ما كان الفقهاء في ذلك الوقت يستندون إلى فتاواهم على أفعال الرسول المزعومة أو تفسيرهم للأحاديث المنسوبة إلى الرسول. وهكذا شكلت هذه الدهون مصادر المعلومات والمرجعيات الاجتماعية التي اعتمد عليها الرجال في بسط سيطرتهم على النساء، خاصة داخل الأسرة الزوجية.
وقد ذكر عبد الوهاب الدبس الفكرة الأساسية في مقالته فقال: “إن كمية المعلومات المقدمة عن المرأة في الوثائق التاريخية لزمن بني مرين لا تخلو من الوعي بالمرأة وحياتها الجنسية… ويمكن القول إن معظم الوثائق، بما فيها تلك المذكورة أعلاه، تناولت موضوع المرأة بمعنى أن المرأة هي مجال المتعة الجنسية الوحيد”.
إن تقييد سلوك المرأة في نظام الحياة الزوجية كان هدف كثير من الفتاوى. وهذا يدل على أن بعض الأزواج كانوا أكثر صرامة مع زوجاتهم، حيث يرفضون زيارات الأقارب سواء كانت أعراس أو جنائز، بل ويمنعونهم من الظهور في الأماكن العامة.
ولم تخل الفترة المرينية من لحظات مجيدة بالنسبة للنساء، وخاصة في البلاط. لكن المكانة التي وصلت إليها المرأة المرابطية، ولاحقا المرأة الموحدية، جعلت الفقهاء يشعرون بخطورة مشاركتها في الحياة العامة بشتى الطرق، فحاولوا بشتى الطرق إعادتها إلى مكانة أدنى من مكانة الرجل، واعتبار أن الممارسات البدعية السابقة تحتاج إلى تفكيكها وإعطائها طابعا دينيا حتى تنتشر داخل الدائرة الاجتماعية.
رصيف22 هي منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف والمستثمرين المؤسسيين تذهب مباشرة لدعم عملنا الصحفي. نحن لا نتلقى تمويلًا أو تمويلًا سياسيًا من الشركات الكبرى، ولا ننشر محتوى مدفوع الأجر.
لدعم الصحافة العامة أولاً وضمان بقاء صفحتنا متاحة لجميع القراء، انقر هنا.
#من #تأسيس #الأمة #إلى #كأس #الفرح. #المرأة #المغربية #بين #عصرين #رصيف22




