سياسة

الصدع بين المغرب والجزائر.. هل يستطيع المثقفون إصلاح ما أفسدته السياسة؟ – لطيف 22

ألقت الأزمة السياسية والدبلوماسية بين المغرب والجزائر بظلالها على مجتمعيهما الثقافيين منذ الإعلان عن القطيعة الدبلوماسية بين البلدين. لكن المؤكد أن اندفاع السياسيين وتصعيدهم يقابله بصيرة المتحضرين. حصل رصيف22 على آراء المثقفين من جانبي المضيق فيما يتعلق بالعلاقات بين البلدين. وتتميز البيئة الثقافية لكلا البلدين بالتماسك والتكامل القوي، وقد أدى الوضع بين البلدين المتجاورين بشكل عام إلى مشاعر الحزن والندم وخيبة الأمل.

وكشف الدكتور بومدين بلكبير، الروائي والباحث الجزائري، لرصيف22 أنه تناول في كتابه الأزمة بين الجزائر والمغرب من منظور دور المثقفين ومسؤوليتهم في بناء الجسور بين شعبين متجاورين وهدم الجدران والحواجز الخيالية، توحدهما ثقافة واحدة، وتاريخ مشترك، ودين واحد، ولغة واحدة. وأشار إلى أن الكتابة في مثل هذه المواضيع هي بمثابة المشي في حقل ألغام، لكن عليك المخاطرة. ولم تتطرق الروايات الجزائرية على وجه الخصوص إلى هذا الموضوع من قبل. لأن هذا الموضوع يعتبر من المحرمات السياسية التي يخشاها الجميع. وأضاف: “يجب تسجيل المكانة في اللحظة التاريخية المناسبة، وليس بأثر رجعي بعد سقوط الأيقونة السياسية، لأنه بعد ذبح الثور يصبح الجميع صاحب مكانة”.

وأضاف بلكبير أن هناك سببا وخلفية وراء كتابة رواية زوج البغل، وهي رواية تتطرق إلى العلاقات المتوترة بين المغرب والجزائر، ويشير إلى أنها جزء من مشروع روائي يعمل عليه، بدأه برواية أسطورة القوي. ويرى أن الكتابة ليست تعبيرا فنيا يظل عالقا في الشكل، بل تعبير موجه نحو المعنى والجوهر، وأن الروايات ليست ترفا أو أداة لقتل الوقت. لأنه يتعمق في أعماق المواضيع الإنسانية الحساسة التي تؤرقنا. يمكنها دعم التغيير والمساهمة في توفير أهم متطلبات بناء مجتمع حديث منفتح على الآخرين. وله مساهمة أكبر من الأنواع الأدبية الأخرى بسبب حساسيته وقدرته على تناول مواضيع مختلفة واستخدام أدوات وخطابات مختلفة، فضلا عن قبوله وانتشاره على نطاق واسع بين مختلف فئات المجتمع.

إن الكتابة عن العلاقات المغربية الجزائرية هي بمثابة السير في حقل ألغام، لكن المثقفين من البلدين يحاولون رأب الصدع من خلال المبادرات الأدبية والثقافية.

وفي هذا الصدد، يوضح الروائي أن العلاقة بين الأنظمة الاستبدادية والمثقفين والكتاب لم تكن دائما متساوية. وتخشى هذه الأنظمة على بقائها واستمرارها إذ تفضح الرواية أكاذيبها وتكشف أمام الحقيقة. هذه الرواية هي أولا وقبل كل شيء انتصارا للإنسانية وللجمال والقيم الإنسانية أينما كانت، متمردة على القبح والظلم والتخلف والعنف في كل مكان وزمان، لكن في المنطقة العربية تجد هذه الرواية نفسها وحيدة ومعزولة في إحداث التأثير والتغيير الاجتماعي. وعندما تجتمع العوامل والمواقف وعوامل التغيير الأخرى، تجد الرواية البيئة المناسبة لتشجيع التغيير.

ويرى الدكتور فيصل الأحمر، المفكر والروائي الجزائري وأستاذ الأدب العربي بجامعة جيجل، أن العلاقات السياسية بين الجزائر والمغرب لم تكن سلسة تماما منذ التحرك الأخير نحو التطبيع الأوسع بين المغرب وإسرائيل، بل وصلت مؤخرا إلى نقطة التوتر، والتي كان من نتائجها اعتراف إسرائيل (وحليفتها الدائمة الولايات المتحدة) بالسيادة المغربية. مسألة الشرعية الدولية لقرارات الصحراء الغربية الإقليمية.

ويشير الأحمر إلى أن العلاقات الثقافية الإبداعية سلسة للغاية، كما أن التقارب الثقافي وحتى التاريخي بين البلدين واضح تماما. ويرى أن الحديث عن التهديد بالحرب لا يؤدي إلى الحرب، وأنه لا منتصر إلا الحرب نفسها. وتوقع أن يتجه أحد الطرفين في المستقبل القريب إلى التهدئة والجلوس إلى طاولة المفاوضات. ويتمثل دور الثقافة في نشر شعور عام بعدم الرغبة في جعل الوضع أكثر إرهاقا مما هو عليه بالفعل، والتحقق من صحة فكرة أنه لا ينبغي لأحد أن يسعى نحو التطرف أو زيادة التوترات داخل مواقفه.

وتابع: “إننا نعيش في زمن تحولات عميقة وتطورات مهمة، مثل تعزيز الوجود الإسرائيلي على حدود الجزائر والمغرب. وهي عوامل ستلعب دورا كبيرا في تشكيل شخصية المستقبل القريب، وعلينا أن نستحضر القيم الثقافية التي تشهد تحولا عميقا”.

ويعترف الكاتب والقاص المغربي مصطفى لاغيري بأن الأزمة بين البلدين ليست وليدة اليوم، بل لها جذور عميقة في التاريخ. منذ حرب الرمال التي اندلعت بين البلدين عام 1963، شهدت العلاقات الثنائية شداً وجذباً، وبينما اتسمت أهم مراحلها بالقطيعة، وإن تضاءلت حدتها بين الحين والآخر، فإن السائد هو الانقسام والتباعد والكراهية المتبادلة، خاصة على المستوى الرسمي. بل على العكس من ذلك، كانت العلاقات بين البلدين دائماً جيدة ومستمرة. وكما يعترف القادة الجزائريون، فإن المغاربة ساعدوا الجزائريين في الحصول على الاستقلال لأن الأراضي المغربية قبلت المقاومة الجزائرية. دعم المغرب الرسمي المقاومة سياسيا عبر الأمم المتحدة وعسكريا بتزويدها بالسلاح وفتح أول محطة إذاعية من المغرب. وبالإضافة إلى ذلك، هناك حقيقة مفادها أن «معظم رؤساء الجزائر الناجحين ولدوا في المغرب أو عاشوا هناك لفترة طويلة. كما أن الزواج بين الشعبين أمر شائع، خاصة بين شخصين. ويقول الكاتب المغربي: “يشير الناس في شرق المغرب وغرب الجزائر إلى أن دعم النظام الجزائري لفصيل البوليساريو الانفصالي يؤدي إلى تدهور العلاقات بين البلدين”.

وعلى الرغم من التوترات السياسية بين الجزائر والرباط، يصر المثقفون من الجانبين على العلاقات القوية بين البلدين. هل سيحل الأدب ما دمرته السياسة؟

وأكد راغوتيري لرصيف22 أنه رغم الصراعات السياسية هناك حراك كبير يحدث على المستوى الثقافي. كان لفرق الغناء المغربية مثل ناس الجوانة وجيل جيلارا تأثير كبير في الجزائر، كما كان لأغاني الراي الجزائرية تأثير كبير على أغاني الراي المغربية. حتى نجم يونغ راي، خالد جزائري، أضاف: “رغم أنني متزوج من مغربية، إلا أنني أحتفظ بجنسيتي المغربية وأفتخر بها”. “على مستوى الأدب، نحن في المغرب، نقرأ لكتاب جزائريين، ولا يكاد يمر عام إلا ويستقبلهم فيه المغرب خلال أنشطة المكتبة الدولية، ولكن أيضا الطاهر وطال، عبد المالك مرتضى، واسيني الوسيني… لدي تقدير خاص للكتاب الجزائريين، ومن بينهم العاج”. كما يتواجد الكتاب المغاربة بشكل دائم في الندوات والفعاليات الثقافية بالجزائر، وتحتفل جامعة الجزائر بشكل كبير وبشكل لا لبس فيه بالروايات المغربية في دراسات طلابها وباحثيها.

ويوضح الكاتب المغربي أنه لا يمكن إنكار تأثير الأزمة السياسية على التبادلات الثقافية بين البلدين، إذ يتم دفع الضرائب لأغراض ثقافية وإنسانية، ويتطرق إلى هذه النقطة في روايته “الأسلاك الشائكة”، متطرقا إلى معضلة إغلاق الحدود، خاصة الأثر الإنساني على المغاربة والجزائريين، من خلال رصد عائلات مشتركة كانت ضحية إغلاق الحدود، لافتا إلى أن أفرادها تفرقوا بين البلدين دون فرصة للقاء. ويستمر الوضع المأساوي حتى الآن.

وأكد الروائي الجزائري وليد الظفري أن الأزمة الحالية خطيرة للغاية بالنسبة للجزائريين، معتبرا أن الأزمة السابقة بين المغرب والجزائر لم يكن لها تأثير كبير على ثقافتي الشعبين اللذين يمثلان ثقافة واحدة، بل إن الثقافة ساهمت في التقارب بدلا من البعد والشقاق، وأنها تجلت في الأعمال الثقافية لكلا الشعبين، كالأدب والفن، التي دعت إلى الوحدة رغم الاختلافات السياسية، حتى لو كانت نخبوية. أراد المثقف الحد من الصراع بين النظامين الجزائري والمغربي، «لكن مع دخول إسرائيل إلى الواجهة صمت حزنا وألما وندما على ما آلت إليه مشاكل المنطقة من صراعات تهم التوازن الدولي». ويشير إلى أن الولايات المتحدة أصبحت الآن تميل نحو الصين وعينت إسرائيل في دور الشرطي في الشرق الأوسط، ويتساءل: كيف يمكن للشعب الجزائري أن يقبل بتحالف بين النظام المغربي وإسرائيل ضده وضد مصالحه؟

الثقافة لديها القدرة على حل المشاكل السياسية، والسياسة تتغذى على الثقافة وتستمد منها، لكن المثقفين الحقيقيين، سواء كانوا جزائريين أو مغاربة أو عرب، يجب أن يطوروا الأدب والأفكار والمعرفة قبل أن تتمكن إسرائيل من الخروج من الأزمة. ولن يسكب الحبر على الأغاني والفرح، فيوضح أنه رغم أن الاستعمار خلق دولتين متجاورتين، قد تتنافسان وتؤديان إلى الحرب، إلا أن الشعبين ما زالا شقيقين، وقد تكون أغنية واحدة كافية لحل المشكلة. اشياء بين شخصين روايات وافلام. بالنسبة للمثقفين في البلدين، فإن التدخل الإسرائيلي كافٍ لإعادة الأمور إلى نصابها، حيث يصبح حصاة من الإلهاء تجاه بن.

يرى الروائي المغربي محمد بوعابيدي أن المغرب والجزائر تبادلا الأدوار الثقافية والسياسية الطليعية عبر التاريخ. ومع ذلك، فإن مسألة الاغتراب، أي تعصب الوطن الأم ضد البلد المجاور، لم تطرح. وعبر التاريخ كان المغرب هو المهيمن سياسيا، وأصبحت جامعة القرويين بفاس مزارا لكل طلاب العلم من أغلب المغرب والغرب الإسلامي عموما، خاصة بعد سقوط الأندلس واحتكار أعداء المغرب للعلم. وكانت الجزائر لفترة من الزمن في أوائل القرن العشرين موطنا لجامعة كبرى ومثقفين كبار تخرجوا من الجامعة خلال فترة الاستعمار الفرنسي، وأصبحت قبلة أجيال من المثقفين المغاربة.

وأضاف الببيدي: “اليوم، ليس لدينا مشكلة في الانتماء الثقافي لهذا البلد أو ذاك. فرغم فساد السياسة بين البلدين، فإن هذا التقارب بين نخب البلدين لم يكن كافيا لإحداث تقارب سياسي، لأنه لم ينبع من رغبة جادة في عبور الحدود، بل من شوق إلى تمييز الثقافة الحقيقية من منظور أوسع، وأنها تنتمي فقط إلى الإنسان”.

ويرى البوعابيدي أن التقارب الثقافي أو النخبوي “بشكله الباهت اليوم، لا يمكنه إذابة الجليد بين البلدين، لأن النخب المثقفة نفسها تدرك أنها تابعة للتوجه السياسي للبلاد، وغير قادرة على إعلان موقف شفاف قد يتصدى لضربات الرصاص”. وأخيرا أعلن أنني لا أرى في الرجال الجزائريين أكثر من إخوة وجيران وشركاء في السياسة والثقافة والتاريخ، وأنا مضطر لذلك. ومن واجبي أن أندمج معه. لأنني أرى أن الخلافات الموجودة ليست أكثر من إخوة وجيران وشركاء في السياسة والثقافة والتاريخ. هذا نوع من اللعبة التي تلعبها مجموعة من الجنود الذين يعملون على ضمان تنفيذ خطة فرنسا طويلة المدى: فرق تسد. “

تنفسوا نار الأزمة

ويرى بلحسن سعيد علي، كاتب وباحث جزائري، أنه خلال الأزمة السياسية بين المغرب والجزائر “بدأ تأثير السياسة على الثقافة يظهر نفسه، مع إلغاء أو حتى تأجيل الندوات العلمية والأدبية التي كان من المقرر عقدها بين مثقفي البلدين، ولو عن بعد. ورغم الدعوات الكثيرة لإقامتها، بدأت الأزمة تلقي بظلالها على ثقافة ومثقفي البلدين”. مهملة وغير مستغلة ثقافيا لكن منعدمة النشاط أزمة كورونا وآثارها جعلت المشهد الثقافي في الجزائر بشكل خاص مجزأ ومبهما، سواء كان في أزمة أو غيرها.

ويوضح بلحسن أن المثقفين غير السياسيين يريدون اختفاء الأزمة والتخفيف من حدتها لأنهم يدركون أن لها تأثيرا سلبيا على البلدين، لكنهم يدركون أيضا أن الأزمة نشأت نتيجة ظروف إقليمية ومصالح متباينة. والمثقفون الذين وقعوا تحت رحمة السياسة، أو الذين تلاعبوا بالسياسة، سيؤججون حتماً نار الأزمة، وينتظرون الامتيازات من كل الأطراف، معتقدين أن دور المثقفين في حل الأزمة هو دور ثانوي، وليس لهم أي تأثير على الأزمة. ومع ذلك، يتمتع كلا البلدين بتاريخ غني، لذا قد تتغير الأمور في المستقبل. ورغم أن هذه الأزمات تتفاوت في حدتها، فإن المشكلة الأكبر التي تطرحها هي التدخل الخارجي في هذه الأزمة.

“على أية حال، لا يمكن للثقافة أن تؤثر دائما على القرارات السياسية، ولا يستطيع المثقفون التغلب على الأزمات. وحتى لو كان للمثقفين أن يلعبوا دورا، فإنه سيقتصر على الجوانب النظرية، لأن الجوانب العملية ليست في نطاق سيطرتهم، خاصة عندما تكون الثقافة موجودة. لأنها لا تملك القدرة على التأثير في الثقافة في ظروف مماثلة لأنها تعاني من أزمة مكانة سياسية وأزمة فعالية. وإذا كانت مسؤولية المثقفين في خدمة الثقافة هي التأثير على المجتمع من خلال نشاطهم، أعتقد أن الأولوية القصوى لإصلاح الثقافة نفسها والتغلب على تلك الأزمة قبل ذلك”. التدخل في الأزمة السياسية.

رصيف22 هي منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف والمستثمرين المؤسسيين تذهب مباشرة لدعم عملنا الصحفي. نحن لا نتلقى تمويلًا أو تمويلًا سياسيًا من الشركات الكبرى، ولا ننشر محتوى مدفوع الأجر.

لدعم الصحافة العامة أولاً وضمان بقاء صفحتنا متاحة لجميع القراء، انقر هنا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button