عيد الفطر عند سلاطين المغرب.. تجديد الشرعية وإظهار هيبة الحكم – صوت المغرب

يبدو أن الأحداث المغربية الكبرى التي وقعت في عيد الفطر غائبة نسبيا عن الذاكرة الوطنية، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنه في حين يتم تسجيل تاريخ المغرب الحديث في المقام الأول وفقا للتقويم الغريغوري، فإن العيد يتحرك وفقا للإيقاعات القمرية، مما يعني أن المصادفات يمكن أن تحدث وتتلاشى في الخلفية ما لم يلتقطها المؤرخون أو الذاكرة العامة.
ومع ذلك، تبقى حالتان ملحوظتان على الأقل في الذاكرة. الأول حديث نسبيا: في عام 1967، فاجأ عيد الفطر المغاربة بإعلان متأخر في صباح اليوم الذي كان من المفترض أن ينتهي فيه شهر رمضان، بعد أن بدأ كثير من الناس أعمالهم، ودخل إلى الوجدان العام باعتباره عطلة غير متوقعة. والثانية ذات طبيعة سيادية ومؤسسية، مع إنشاء القوات المسلحة في 14 مايو 1956، والذي تزامن حينها مع ثاني أيام عيد الفطر.
ولذلك، فإن الزاوية التي يُنظر منها إلى عيد الفطر في التاريخ المغربي، تكتسب معنى أوسع من مجرد اتباع الطقوس الدينية الموسمية. فهل يجوز التساؤل كيف احتفلت به الدولة المغربية نفسها؟ كيف استغل السلاطين هذه الفرصة لتنظيم الأماكن العامة، وإظهار الهيبة، وتجديد الروابط، ونقل السلطة في شكل طقوس جماعية واسعة النطاق؟
فمن صلاة العيد وإمامة السلطان، إلى اختتام المؤتمر الأكاديمي بحفل رسمي، إلى إطلاق المدافع في الكنيس، إلى المواكب والوفود والهدايا، وحتى استئناف التحركات العسكرية والإدارية في اليوم الثاني، يبرز عيد الفطر كلحظة مفصلية في تاريخ السلطنة المغربية، يجسد العديد من الصور التي تتحدث بها الدولة المغربية التقليدية لرعاياها في طقوسها. وعلامات.
يوم الدولة أيضا
ويتبين من تتبع حضور عيد الفطر في المصادر الملكية المغربية أنه لم يكن حدثا اجتماعيا بحتا. منذ العصور الوسطى، وبعدها في العصرين السعدي والعلوي، اعتبر المخزن الأعياد الكبرى أوقاتًا مناسبة ليكشف النظام عن نفسه.
وضع المواكب، ومنصب السلطان، ومنصب العلماء، وحضور القادة، واستقبال الوفود، وإطلاق المدافع، وعروض الورع الرسمية التي تعطي شرعية سياسية عمقا دينيا… هناك أشكال عديدة حرصت بها الدولة المغربية على الاحتفال بعيد الفطر عبر تاريخها.
ولهذا السبب، يستمر هذا العيد في تجاوز البعد الإيماني ويصبح جزءًا من “لغة الحكومة”. وتؤكد الأبحاث حول الرموز الملكية المغربية أن المناسبات الدينية الكبرى، خاصة عيدي الفطر والأضحى، أتاحت للسلطان الظهور أمام جمهور واسع كرئيس للسلطة المادية والروحية.
ولذلك، ينبغي تفسير العيد في تاريخ السلطنة المغربية ليس فقط على أنه فترة وجيزة تنسحب خلالها الدولة من الحياة العامة لتترك شعبها يفرح، بل على أنه لحظة تتمركز فيها السلطة بأجمل صورة.
ويدرك المخزن أن العطلات الرسمية تجمع الناس بطرق غير عادية، وأن ظهور الملك في مثل هذه اللحظات يرسخ في الضمير الجماعي صورة الحاكم باعتباره مركز المجلس، وليس مجرد «منسق» الحكم.
فلا عجب أن بعض الطقوس التي نشهدها اليوم في الأعياد السيادية الأخرى، مثل ترتيب المواكب واستقبال الوفود، كانت امتدادًا للتقاليد القديمة التي كانت تُمارس في الأصل في الأعياد الدينية نفسها.
صلاة العيد.. إعلان السيادة
من أبرز الجوانب التي تكشف البعد السياسي لعيد الفطر في تاريخ السلطنة المغربية، هو مكانة صلاة العيد نفسها. تؤكد المصادر التي تتعامل مع السلطان أحمد المنصور السعدي أنه في التصور الإسلامي الكلاسيكي، كان الحاكم هو الأكثر قدرة على قيادة الجمعة والعيدين بشكل رمزي. وذلك لأنه يجمع بين الدين والسلطة في شخص واحد.
وبحسب بحث منشور في مركز جاك بيرك للأبحاث، فإن أحمد المنصور حرص على إمامة الصلاة في مناسبات عديدة، ونظراً لطبيعة العيدين والتجمعات البشرية الكبيرة في كل مناسبة، فمن المرجح أنه أم صلاة العيد أيضاً، أو على الأقل أن وجوده في صلاة العيد أظهر تقواه وهيبته.
وهذا ليس أمراً تافهاً، بل هو جوهر القضية السياسية نفسها. إن توجيه صلاة السلطان أعطاه الحق في الظهور ليس فقط كحاكم “علماني”، ولكن كخليفة رمزي للوظائف القديمة للخلافة. وهو الذي يؤم الناس في الصلاة، ويذكر اسمه في الخطبة، ويجتمع حوله العلماء والعوام في نفس الوقت.
وفي المجتمعات التي لم يكن لها وجود لوسائل الإعلام الحديثة، كانت صلاة العيد فرصة نادرة لخلق صورة السلطان في عيون الرعايا ونقل تلك الصورة شفاهة لمن لم يكن حاضرا.
وبهذا المعنى، كانت صلاة العيد بمثابة “وسيلة سيادية” قبل عصر الشاشات والنقل المباشر، مما خلق تأثيرات دينية وسياسية واجتماعية معقدة في لحظة.
ويختتم اللقاء الرمضاني بحفل ملكي
في التاريخ العلوي، لم يكن رمضان وقتاً للصلاة الخاصة فحسب، بل كان أيضاً وقتاً للمجالس الملكية. ويكشف بحث آسيا البرغيشي عن هذه المجالس أن السلاطين العلويين كانوا يعقدون مجالساً علمية ومناظرات خلال شهر رمضان، وتختتم باحتفالات دينية رسمية في عيد الفطر. وهناك أنشدت القصائد في مدح السلطان، وعددت مناقب الأمة والانتصارات التي حققها السلطان، قبل أن يتم توزيع الجوائز على الشعراء والمطربين.
العيد هنا ليس فقط نهاية شهر الصوم، بل هو أيضًا نهاية موسم العلم والسلطة والذكر ودورة كاملة من الإنشاد. هذا هو اليوم الذي يصبح فيه العلم جزءًا من المسرح السيادي، بحضور العلماء، وإلقاء الشعر، وتمجيد الأمم، ومكافأة السلطة.
وفي كل هذا، هناك تداخل عميق بين الثقافة الدينية والثقافة السياسية. هذه الطقوس ليست علمانية بحتة ولا دينية بحتة، بل هي عبارة عن مجمع مستودعات بامتياز، يجمع بين التقوى الرسمية والصناعة المرموقة. لذا، وفي هذا السياق، لم يكن عيد الفطر مجرد الموسم الديني للشعب، بل تتويجا لـ«موسم رمضان» للدولة.
صوت المدافع.. الوطن يتكلم
ومن العلامات البارزة في سجلات الأعياد الملكية المغربية وجود المدافع. تشير المواد التاريخية التي استرجعتها الأبحاث الحديثة إلى أن عادة إطلاق المدافع في المغرب في عهد أحمد المنصور السعدي كانت مرتبطة بالعيدين والرسائل الرئيسية والمبشرات العظيمة.
وتصف بعض المصادر، نقلا عن المؤرخ عبد العزيز الفشتاري، أحد معاصري السلطان أحمد المنصور السعدي، دوي مدافع فاس في فترتي العيدين حتى اهتزت الأرض وانتشرت “أكوام البارود” في الأفق وكأنها في منتصف الليل.
في هذه اللحظة، كان المدفع يؤدي وظيفتين في وقت واحد. فهو يبشر بهذه المناسبة من ناحية، ويشير إلى السلطة من ناحية أخرى. الدولة لا تبلغ الناس بقدوم العيد فحسب، بل عبر آلة الحرب نفسها. وكأنها تقول ببلاغة البارود: نحن هنا، ولدينا القوة والقوة والفضاء.
وبالتالي، لم يكن صوت المدافع أثناء العطلات مجرد تقليد احتفالي، بل كان أيضًا جزءًا من هيكل الخوف الذي كان لا بد من وجوده بكمية كافية لتحقيق الطاعة، خاصة في عصر كانت فيه القوة العسكرية نفسها عنصرًا أساسيًا في صورة السلطان.
ومن هذه الزاوية، فإن المدافع خلال العيد تكمل المواكب الملكية والمواعظ والمصليات. وكلها أدوات تحمل رسالة واحدة: الأمة موجودة وموحدة ولها اليد العليا في المجال العام.
“بناء” المملكة
ووفقا للسجلات الملكية، لم يكن العيد هو اليوم الذي أقيمت فيه الصلاة وتفرقت الحشود فحسب، بل كان اليوم التالي للصلاة، حيث بدأ عمل آخر، وهو تكريس المخزن نفسه. وتشير العديد من الوثائق الموثقة للاحتفالات التقليدية المغربية إلى تنظيم مواكب متقنة خلال الأعياد، وإلى وجود إجراءات واضحة لترتيب الوفود والقادة والعمال الوافدين إلى السلطنة.
وتشير هذه الوثائق إلى أنه، بحسب موقع السلطان، كان اليوم الثاني أو الثالث من العيد مخصصاً في بعض الأحيان لاستقبال وفود من العمال الغربيين أو الحوز. بعبارة أخرى، لم يكن العيد عطلة وطنية، بل كان موسماً لإعادة ضبط العلاقة بين المركز والأطراف.
في بلد شاسع يضم العديد من المناطق والقبائل، كانت الأحداث المهمة بمثابة فرص عملية لتجديد الولاء، وحشد أعضاء الحزب حول المركز، ولقاء السلطان، ورؤية المخزن بكامل ملابسه. كان العيد، بما يولده من إجماع رمزي، لحظة مناسبة لتذكير الجميع بأن الوحدة لا تقوم على دين مشترك فحسب، بل أيضا على السلطة التي تربط هذا المشترك وتعطيه صورة سياسية. ولذلك تبدو مواكب العيد أشبه بإدارة مملكة من خلال الرموز وليس الفولكلور.
يوم العطاء والتعهد بالولاء
هذه الهدية في تاريخ المتجر ليست مجرد مجاملة، ولكنها أيضًا مؤسسة سياسية صغيرة. تظهر الأبحاث الحديثة حول الهدايا والسلطة في المغرب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أن الأعياد الدينية، وخاصة عيد الفطر، كانت من أبرز المناسبات التي يتم فيها تقديم الهدايا للسلطان.
حتى أن بعض الباحثين يذكرون وجود لوائح ومستندات توضح اسم القواد ومقدار الهدايا المدفوعة للمستودع بعد العطلة. وهذا يعني أن ما أمامنا ليس تقليداً اجتماعياً فضفاضاً، بل تقليداً موثقاً ذا بعد مؤسسي.
ومن ناحية أخرى، لم يكن السلطان متلقيًا للهدايا فحسب، بل كان أيضًا منتجًا للهدايا والهدايا. وفي مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب، يذكر المؤرخ محمد جدر أن أحمد المنصور السعدي والمولا إسماعيل (العلوي) كانا حريصين على تقديم الهدايا والتبرعات لأهل الشرف، خاصة في عيد الفطر والأضحى وعيد المولد النبوي، وأن هذا التبرع لم يكن مجرد عدالة شخصية، بل كان وسيلة لتعزيز سلطة المغرب الدينية. اربح المجموعة مع ماكوزن ووزن رمزي كبير.
ويشير جادول أيضًا إلى أن القبائل نفسها كانت تكلف أحيانًا بتوفير المدخلات الزراعية والماشية والنقود لصالح بعض النبلاء، بأمر من السلطان.
لم تكن العطلة مجرد إعادة تأكيد لشرعية السلطان الدينية، بل كانت أيضًا شبكة من التبادلات المادية والرمزية. السلطان يعطي ويأخذ، ويكرم ويكرم، ويوزع الاتصالات ويستقبل الهدايا. وفي كل هذا، تتم إعادة صياغة العلاقات داخل المملكة، ولكن فقط من خلال كلام السياسيين. وفي هذا الصدد، فإن الهدية ليست مجرد تفضيل اجتماعي، بل هي لغة حكم.
يعود السلطان إلى الجيش
ومن أبرز الصور في الأرشيف الملكي أن العيد لم يكن وقت صمت خالص، ما رواه الرحالة الأندلسي أبو البقع خالد بن عيسى البلوي، حيث “صعد السلطان بجيشه بعد صلاة العصر في ثاني أيام عيد الفطر”.
هذه العبارة القصيرة وحدها تكفي لتصحيح العديد من التصورات المعاصرة عن العيد باعتباره توقفاً تاماً للشؤون العامة. في منطق الدولة التقليدي، كان العيد بالتأكيد حدثًا روحيًا وجماعيًا، لكنه لم يتجاوز متطلبات السلطة والحركة والجيش.
ولعل أهمية هذه الوثيقة لا تكمن فقط في أنها تثبت تحركات السلطان بعد العيد مباشرة، بل أيضا في أنها تكشف العلاقة بين الدولة والزمن. لم يشهد المتجر الانفصال الحديث بين عصرين الدين والسياسة، بل رآهما متشابكين. يمكنك أداء صلاة العيد في الصباح والانضمام إلى الجيش في فترة ما بعد الظهر.
وهذا التداخل يمنح عيد الفطر في سجلات سلاطين المغاربة نكهته الخاصة، ليس كعيد منفصل عن القواعد، بل كجزء من الإيقاع نفسه.
مرآة للأمة المغربية التقليدية
عندما نجمع كل هذه الخيوط معًا، نرى أن عيد الفطر كان أكثر بكثير من مجرد حدث ديني في تاريخ السلطنة المغربية، وهو أوسع من أن يقتصر على لحظة فرح اجتماعي.
بالنسبة لسلطان المغرب، كان هذا اليوم هو يوم إمامة الصلاة، وإغلاق اللقاءات العلمية، وإطلاق المدافع، واستقبال الوفود، وتبادل الهدايا، وتجديد الروابط، وحتى استئناف الأنشطة العسكرية والإدارية.
وفي كل هذه الجوانب، عكس العيد طبيعة الدولة المغربية التقليدية، دولة دينية وسياسية استغلت الطقس في الوقت نفسه لترسيخ سلطتها وإعادة إنتاجها.
#عيد #الفطر #عند #سلاطين #المغرب. #تجديد #الشرعية #وإظهار #هيبة #الحكم #صوت #المغرب




