سياسة

المرأة العاملة من التشريع إلى التنفيذ

يشكل الحق في العمل وحرية اختياره أحد أهم عناصر الكرامة الإنسانية. وهذا الأخير هو أحد الحقوق التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام من قوانين مختلف البلدان ومن غالبية الصناديق الدولية.

وإذا علم أنه من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومواكبة التطورات التي يشهدها العالم، فقد أصبح عمل المرأة الآن يعتمد عليه إلى حد كبير إلى جانب الرجل. وقد حظي عمل المرأة بمكانة خاصة في مختلف القوانين، حيث بذلت الجهود لتمكين المرأة بكل السبل الممكنة حتى تتمكن من المشاركة في الإنتاج والمساهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

وفي الوقت نفسه، أدخل المشرع المغربي عددا من المتطلبات القانونية الحمائية للموظفات حتى يتمكن من أداء عملهن بشكل طبيعي دون أي عيوب.

إلا أن الرجوع إلى الأدلة الحقيقية يظهر أنه منذ صدور قانون العمل في يونيو 2004، لم يتم تنفيذ معظم المتطلبات الخاصة بالمرأة العاملة المنصوص عليها في قانون العمل على النحو المطلوب وتم التحايل عليها بشكل منهجي، خاصة في القطاع الخاص.

وهذا يطرح مجموعة واسعة من المشاكل بالنسبة لنا. فهل القوانين التي نواجهها هي قوانين وقائية فعلا أم أنها مجرد أحكام تثار في وجه النقد وتطبق وتنسى؟

وإذا رجعنا إلى قوانين العمل، نرى أن المشرعين قد سنوا سلسلة من الحقوق التي تستحق حماية متعددة لمصلحة المرأة، لكنها لا تزال لا تصل إلى مستوى الإنصاف والعدالة، خاصة فيما يتعلق بالأجور وفترات العمل، والإجازات الأسبوعية، وغياب خطير للحماية الاجتماعية.

أولا، فيما يتعلق بمستوى الراتب

وتفرض المادة 9 من القانون المساواة وتحظر أي تمييز بين الموظفين فيما يتعلق بالعرق أو اللون أو الجنس أو الإعاقة أو الحالة الاجتماعية أو العقيدة أو الرأي السياسي أو العضوية النقابية أو الأصل القومي أو الاجتماعي.

من شأنه أن ينتهك أو يشوه مبدأ تكافؤ الفرص أو عدم المعاملة بالمثل في مجال العمل…

كما تحظر المادة 346 من القانون التمييز في الأجور بين الرجل والمرأة، وتوفر المادة 478 من القانون نفس متطلبات الحماية المنصوص عليها في المادة 9 من القانون، والتي تحظر على وكالات التوظيف الخاصة فرض رسوم أو نفقات على المتقدمين للوظائف، بشكل مباشر أو غير مباشر، جزئيًا أو كليًا.

وهذه كلها متطلبات تصب في مصلحة الموظف. ولكن إذا عدنا إلى الواقع اليومي، نجد أنه منذ صدور قوانين العمل وحتى اليوم، فإن معظم هذه القواعد القانونية لا تزال مجرد حبر على ورق.

ورغم أن معظم هذه الحقوق غير موجودة، إلا أن نسبة كبيرة من الموظفات ما زلن يعانين من نقص حاد في الحقوق.

ومن حيث الأجور، لا تزال النساء يتقاضين أجوراً أقل بكثير من الرجال، على الرغم من أن العديد من النساء هن المعيلات لأسرهن وأن وضعهن المهني متساوٍ.

كشفت دراسة حديثة حول فجوة الأجور بين الجنسين في المغرب عن أرقام مثيرة للقلق، حيث يبلغ متوسط ​​الأجر حوالي 42.8 بالمائة، أو 5400 درهم للرجال و3800 درهم للنساء. وهذا يعني أن النساء المغربيات يعملن في الواقع عدة أشهر أكثر كل عام دون أجر مقارنة بنظرائهن الرجال.

وبحسب شهادة العديد من النساء العاملات، قالت إحداهن إن راتبها الشهري لم يتجاوز 1500 درهم، مقارنة بـ 3500 درهم إلى 4500 درهم للرجال. وامرأة أخرى في نفس وضع المرأة الأولى تقريبًا لا تتقاضى أكثر من 1000 درهم شهريًا. وقالت امرأة أخرى تعمل في محل تجاري آخر إن راتبها الشهري يساوي 800 درهم. كل هذا يفسر مدى التمييز و”الازدراء” الذي تتعرض له المرأة المغربية العاملة في القطاع الخاص. ورغم وجود نصوص قانونية تتعلق بالمساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، إلا أن أصحاب المصانع والمتاجر وغيرها من الشركات والمؤسسات يتجاهلون هذه الحقوق. ويرجع ذلك إلى ضعف الجانب الزجري، حيث تصبح جميع القواعد القانونية قواعد ملزمة تحت العقوبة.

ونظراً لعلم صاحب العمل بالثراء الفاحش، فإن العقوبات المنصوص عليها في قانون العمل ليست سوى عقوبات مالية بسيطة.

ثانياً: مستوى مدة العمل.

وإذا رجعنا إلى المادة 184 من قانون العمل نرى أن المشرع قد حدد ساعات العمل العادية للعاملين في القطاع الخاص بـ 2288 ساعة سنويا أو 44 ساعة أسبوعيا، وأعطى صاحب العمل الحق في توزيع هذه المدة حسب احتياجات المنظمة، على ألا تزيد ساعات العمل العادية عن 10 ساعات يوميا، مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها في القانون.

لكن في الواقع، كانت هذه النصوص القانونية آنذاك، ولا تزال، مجرد كلمات يتردد صداها في الأذن دون أن يسمعها الشخص الآخر. وتعاني الموظفات في المغرب إلى يومنا هذا من ساعات عمل أطول من الساعات القانونية، وهو ما يمكن أن يعزى إلى رغبة أرباب العمل في مضاعفة الإنتاج وإرضاء الزبائن، أو إلى استغلال الموظفات من خلال إجبارهن على العمل في مناصب متعددة لتجنب الاضطرار إلى زيادة اليد العاملة في مؤسساتهن وأعمالهن. هذه “أرباح ضخمة مقابل العمل”. هناك القليل منها ورخيصة الثمن. “

ومما زاد الطين بلة أن هذه المرأة تعمل ساعات إضافية دون أجر، دون أي اعتبار لكرامتها أو حياتها الشخصية. يبدأ العمال المستأجرون العمل في الساعة 5 صباحًا، ويعملون من 9 إلى 12 ساعة من العمل الشاق المدمر للصحة، ثم يعودون إلى المنزل دون راحة لأكثر من ساعة واحدة يوميًا.

إحدى الموظفات لدينا

ثالثاً: مستوى العطلة

وتبين الإشارة الدائمة إلى قانون العمل أن المشرعين، حرصا على حريات العمال وحقوقهم، قد حددوا مجموعة من العطلات، بما في ذلك العطلات الأسبوعية، والعطلات الرسمية سواء كانت دينية أو وطنية، والإجازات السنوية، وجميعها إجازات مدفوعة الأجر. ويُمنح هذا بالإضافة إلى الإجازة أو الإجازة الخاصة.

ولذلك، ووفقاً لأحكام النظام، فإن حقوق الموظفات في الإجازة محمية بموجب النص القانوني، ويلتزم أصحاب العمل بالامتثال لذلك والتمتع بحقوق الموظفات.

إلا أن الواقع غير ذلك: حيث يتم حرمان الموظفات من الحق في الحصول على عدة أيام إجازة، وخاصة العطلات الأسبوعية والعطلات الوطنية والإجازات السنوية، فضلا عن تخفيض أيام العطل للأعياد الدينية. وبحسب المعلومات التي وصلتنا من إحدى الموظفات في أحد المحلات التجارية، فإنها وزميلاتها في العمل محرومات من يوم إجازتهن الأسبوعية، فيما يتمتع الموظفون الذكور بهذا الحق، وهو أيضاً شكل من أشكال التمييز بين الجنسين.

ولذلك تتبادر إلى الأذهان عدة أسئلة. أليس قانون العمل مدونة قانونية تتضمن نصوصا قانونية تشمل الجنسين (الموظفين والموظفات) وتجعلهم متساوين في الحقوق والواجبات؟ أليس من حق هؤلاء النساء العاجزات الحصول على يوم إجازة لاستعادة حيويتهن وحيويتهن؟ أليست أي من هؤلاء الموظفات هي المعيلة لأسرهن اللاتي يحتاجن إلى يوم واحد على الأقل للقيام بمهام أسرهن الشخصية؟

الأمر نفسه ينطبق على الإجازات المتعلقة بالأعياد الوطنية والإجازات السنوية، والتي يتم خصمها من راتبك حتى لو تم منحها.

وذكر أحد موظفي المتجر التجاري أنه على الرغم من عمله لدى صاحب العمل لأكثر من خمس سنوات، فإنه لم يحصل قط على إجازة أو يتمتع بإجازة سنوية.

وقال موظف آخر، يعمل في شركة بمدينة تطوان منذ سنة ويعمل ثماني ساعات يوميا، باستثناء أيام الأحد (التي تعتبر عطلة أسبوعية)، إنه لم يستفيد هذه السنة من الإجازات المتعلقة بالمناسبات الوطنية. وهذا جانب آخر من جوانب التهرب من تطبيق القانون.

ومن خلال تصريحات الموظفات في العديد من الشركات الخاصة، نرى أن عدم مطالبتهن بحقوقهن هو رد صاحب العمل الحاسم لهن: «حتى لو لم يعجبك الوضع، هناك من سيعجبك، لذلك تنتظرين الفرصة». وتعاني العاملات في صمت تحت وطأة الاضطهاد اليومي، وغير قادرات على تقديم شكاوى إلى مفتشية العمل. وهذا لأسباب مختلفة. وبينما يقف الموظفون دائمًا إلى جانب أصحاب عملهم، فإن العاملات هن الرقم الأضعف في المعادلة، وأغلبية العاملات لا ينتظمن في نقابات عمالية تحمي مصالحهن بسبب ضعف الثقافة النقابية، إما خوفًا من الطرد أو المضايقة، أو لأنهن يرفضن الانتماء إلى نقابة عمالية تمامًا. حصلت النساء على القليل من التعليم؛

رابعاً: على مستوى الحماية الاجتماعية

الحماية الاجتماعية هي حق من حقوق الإنسان يضمن الوصول إلى الرعاية الصحية وأمن الدخل للجميع، بهدف حماية الطبقة العاملة من العوز والعوز، والحد من تعرضها للمخاطر وتعزيز قدرتها على إدارة المخاطر الاقتصادية والاجتماعية مثل البطالة والإقصاء والمرض والإعاقة والشيخوخة.

ومن ناحية أخرى، يوفر القانون المغربي الحماية الاجتماعية للعاملين والموظفات من خلال سلسلة من النصوص القانونية التي تضمن الحق في الحصول على التعويضات المدفوعة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

إلا أن الواقع يشير إلى خلاف ذلك. أي أن العديد من أصحاب العمل يتجنبون إعلان موظفاتهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وحتى لو أعلنت الموظفات إلى درجة تجنبهن الوفاء بالتزاماتهن تجاه الصندوق، والتي تتراكم على مدى أشهر وسنوات، بسبب غياب الرقابة وتواطؤ بعض الجهات المسؤولة، فإن الضحية هي العاملة، وإذا وصل الدين المتراكم للضمان الاجتماعي إلى مبلغ ضخم، يمكن للمؤسسة أو المؤسسة أن تعلن إفلاسها. تجنب سداد تلك الديون.

قال عامل عمل في مصنع للنسيج بمدينة طنجة لمدة 20 عاما، إن وظيفته جعلته أعمى وغير قادر على إدخال الخيط في ثقب الإبرة. وتفاجأت بأن صاحب العمل لم يعلنها موظفة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلا بعد العمل في “السوق السوداء” لمدة 10 سنوات. وحتى عندما كانت لديها بطاقة الضمان الاجتماعي، فإنها لم تحصل على فوائدها لأن صاحب عملها لم يدفع أقساط التأمين. وهذا أيضًا عمل يدوس على كرامة العاملات.

عامل آخر عمل لفترة طويلة في أحد المخابز في مدينة إمسورين بأجور زهيدة لا تتجاوز 800 درهم شهرياً. ولم يقم صاحب العمل بإبلاغها للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتعرضت حقوقها للاضطهاد، مما أدى إلى إجبارها على الاستقالة.

وينطبق الشيء نفسه على موظف آخر بمدينة الحسيمة. كما عمل في محل تجاري لمدة خمس سنوات مقابل أجر لائق. وعلى الرغم من فترة الخدمة الطويلة، إلا أن صاحب العمل لم يعلن عن عضويتها في نفس الصندوق حتى الآن.

في المقابل، ورغم التصريح عن بعض الموظفات، إلا أن إقراراتهن غير كاملة، أي أنها لا تشمل كامل مبلغ التعويضات التي يدفعها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

خاتمة:

ورغم أن قانون العمل المغربي يتخذ تدابير عامة فيما يتعلق بضمان حق المرأة في العمل، إلا أن هذه التدابير والجهود لا تزال تقتصر على توفير ظروف الحماية اللازمة لهذه الطبقة الاجتماعية. لقد أصبح قطاع تشغيل المرأة مفترساً نظراً للتجاوزات والانتهاكات التي يعرف عنها هذا القطاع، فضلاً عن طغيان هاجس الربح السريع، ويرجع ذلك أساساً إلى الأسباب التالية:

ويشكل غياب الإرادة السياسية والاجتماعية القوية عائقاً منيعاً أمام هذه الانتهاكات.

– غياب هيئة اختبار قوية تتمتع بكافة الأهلية المادية والبشرية والمعنوية والقانونية.

– ضعف العقوبات الزجرية لضمان التنفيذ الفعال لمتطلبات قانون العمل…

وأخيرا، إذا توفرت الإرادة لدى مختلف الاقتصادات والمجتمعات والأحزاب السياسية، فيمكن تحويل إمكانية تطبيق القوانين الاجتماعية على المرأة العاملة إلى واقع، مما سيكون له أثر إيجابي للغاية على تحقيق التلاحم الاجتماعي وتقديس أسس الدولة الاجتماعية.

إلى متى ستظل المرأة العاملة مجرد أرقام في إحصاءات الفقر؟ من المسؤول أمام من؟

-باحث في العلوم الجنائية

#المرأة #العاملة #من #التشريع #إلى #التنفيذ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button