سياسة

من الشوارع إلى التصويت… هل تستجيب الأحزاب السياسية المغربية لمطالب الجيل Z؟

الرباط – مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 23 سبتمبر/أيلول، وبعد أشهر من احتجاجات “جيل Z212” التي رفعت المطالبات بالصحة والتعليم وفرص العمل ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات العامة والكرامة والعدالة الاجتماعية، يجد المغرب نفسه أمام اختبار لقدرة مؤسساته السياسية على فهم إنجازاتها وإعادة هيكلتها في برامج قابلة للحياة وخاضعة للمساءلة.

والسؤال ليس فقط ما إذا كانت مطالب الشباب تنعكس في البرامج الانتخابية، بل ما إذا كانت الأحزاب السياسية قادرة على ترجمة الشعارات المرفوعة في الشوارع وفي الفضاءات الرقمية إلى وعود واضحة وسياسات قابلة للقياس.

القصص الموصى بها

قائمة من عنصريننهاية القائمة

ويصبح هذا التناقض أكثر وضوحا عندما يوضع هذا السؤال إلى جانب مؤشر التسجيل في السجل الانتخابي، مما يكشف عن فوارق واضحة بين الأجيال داخل المؤسسات الانتخابية.

وبحسب بيانات المجمع الانتخابي حتى 10 يوليو 2026، فإن حوالي 3% فقط من الناخبين المسجلين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما، مقارنة بـ 8% لانتخابات 2021، وتظهر البيانات نفسها أن نسبة الناخبين المسجلين تحت 35 عاما لا تتجاوز 18%. ومن ناحية أخرى، بلغت نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عاما فما فوق حوالي 30%.

شارك بدون صندوق

ومع ذلك، قد يكون من المضلل النظر إلى هذه الأرقام كدليل مباشر على انسحاب الشباب من السياسة. ويقول محللون سياسيون إن المشاركة السياسية لا تقتصر على التصويت أو الانتماء الحزبي، بل تشمل أيضًا أشكالًا أخرى من التعبير والاحتجاج والتفاعل مع القضايا العامة.

وأشار عبد المنعم لازار أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس في تصريح للجزيرة نت إلى أن ضعف التسجيل لا يعني بالضرورة ضعف المشاركة السياسية، موضحا أن العلاقة بين الشباب والحياة العامة يمكن أن تأخذ أشكالا أخرى خارج النظام الانتخابي، من المشاركة في المناظرات والحوارات السياسية إلى المشاركة في بعض التعبيرات الاحتجاجية.

وفي حديث للجزيرة نت، ردد محمد الدداوي أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة أوكلاهوما سيتي وجهة نظر مماثلة، قائلا إن قياس اهتمام الشباب بالسياسة على أساس نسبة إقبال الناخبين فقط من شأنه أن يؤدي إلى استنتاجات غير كاملة. يعتقد أن تجربة الجيل Z212 تكشف عن البحث عن قنوات جديدة للتعبير بدلاً من التراجع عن السياسة، حيث أصبح الشباب الآن قادرين على التوحد حول مطالب مشتركة دون الحاجة إلى أحزاب سياسية أو زعماء تقليديين. أنا أتكلم نيابة عنهم.

ويلخص الباحث المغربي الدداوي هذا التناقض بالقول إن عدم المشاركة في الانتخابات لا يعني بالضرورة عدم الاهتمام بالسياسة، وأن الامتناع عن الانتخابات قد يكون في حد ذاته تعبيرا عن موقف سياسي.

وتوضح مواقف الشباب الذين التقتهم الجزيرة نت أن السلبية ليست مرتبطة بموقف واحد. ويرى البعض منهم عدم القدرة على التسجيل في القائمة كرسالة معارضة لوعود الحملات الانتخابية التي لا تتناول قضايا العمل والكرامة اليومية، بينما يرى آخرون أن التسجيل امتداد للنشاط المدني والرقمي، ووسيلة للتأثير على أولويات الخطوة التالية ومحاسبة المشاركين.

وتواجه الانتخابات هنا تحديا إضافيا لا يتمثل في إقناع الشباب بالتصويت فحسب، بل أيضا في إقناعهم بأن المنظمات قادرة على ترجمة مطالبهم إلى نتائج ملموسة.

احتجاجات شبابية سابقة في مدينة وجدة (الصحافة المغربية)

الأدوات وليس الأهداف

ويبدو أن موقف بعض الشباب في الانتخابات لا ينبغي تفسيره على أنه رفض للديمقراطية، بل على أنه يعكس أزمة ثقة في قدرة النظام والمسؤولين على الاستمرار.

ويظهر البحث الميداني الذي أجراه الدكتور هشام تيفراتي، الأستاذ بقسم العلوم الإنسانية والفلسفة والدين بجامعة جون أبوت، استنادا إلى الإثنوغرافيا الرقمية على موقع Discord، اختلافات ملفتة في أولويات الشباب المغربي. وجاء الاستقرار ومكافحة الفساد على رأس الأولويات بنسبة 65.2%، في حين جاء تعزيز الديمقراطية كقيمة مجردة بنسبة 24.5% فقط.

وكما أوضح الأكاديمي المغربي تيفراتي للجزيرة نت، فإن الشباب المغربي ينظرون إلى تمويل الحملات الانتخابية ليس كغاية في حد ذاته، بل كأداة لتحقيق نتائج مادية ملموسة.

وتسلط الدراسة الضوء أيضًا على أن 82% من المشاركين يفكرون جديًا في الهجرة، وهو مقياس قرأه الباحثون أنفسهم في سياق احتمالات التغيير المنغلقة بين بعض الشباب.

ويحذر الباحث الدداوي من الخلط بين العزوف الانتخابي والعزوف السياسي، إذ قد ينأى الشباب بأنفسهم عن الانتخابات بسبب انعدام الثقة في الأحزاب السياسية، لكنهم يستمرون في التواجد في الحياة العامة بوسائل أخرى.

إن التحديات التي تواجه الانتخابات المقبلة ذات شقين. من ناحية، يتعلق الأمر بزيادة معدلات المشاركة التقليدية، ومن ناحية أخرى، يتعلق الأمر بإعادة بناء الرابط بين معدلات المشاركة والأشكال الجديدة التي طورتها الأجيال التي نشأت في الفضاء الرقمي.

أثارت احتجاجات الجيل Z مطالب تتعلق بالصحة والتعليم ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات والعدالة الاجتماعية.
احتجاجات جيل Z رفعت مطالب تتعلق بالصحة والتعليم ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات والعدالة الاجتماعية (الجزيرة)

بين الخطاب والواقع

إن الانتخابات تفعل أكثر من مجرد انتخاب الممثلين. إنهم ينقلون المطالب الاجتماعية من المجال غير الرسمي إلى المجال المؤسسي.

ويشرح الباحث لازار هذه الفكرة بالقول إن وظيفة الانتخابات هي تحويل المطالب الاجتماعية والسياسية من جوانبها غير الرسمية إلى جوانبها الرسمية، مع إعطائها في الوقت نفسه بعدا مؤسسيا.

إن القراءة الشاملة للخطط الانتخابية لكل حزب سياسي تظهر أن قضايا مثل الصحة والتعليم والتوظيف ومكافحة الفساد حاضرة بدرجات متفاوتة، وأغلبها يتقاطع مع مطالب الجنرال Z212.

ومع ذلك، فإن مجرد وجود مشكلة لا يعني أنه يتم معالجتها بنفس الطريقة. الفرق الحقيقي هو في درجة المواصفات والمقاييس والمواعيد النهائية والموارد المخصصة.

ويرى لازار أن الأنظمة الانتخابية تكشف أيضًا عما تراهن عليه الأحزاب السياسية سياسيًا، وأن الاستثمار الجاد في قضايا الشباب يمكن أن يزيد من المكاسب الانتخابية للحزب مع تقليص الفجوة القائمة بين ذلك الحزب وهذه الفئة والمؤسسات التمثيلية بشكل عام.

لكن الخبير السياسي الدكتور محمد شقير يشير إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالبرامج، بل تمتد إلى بنية التمثيل الحزبي ذاتها. ويرجع ذلك، من وجهة نظره، إلى أن التقدم في الخطاب الشبابي لا توازيه تغييرات مماثلة داخل المنظمات الحزبية والمرشحين. والدليل على ذلك إلغاء قائمة الشباب في هذه الفترة، في الوقت الذي تم فيه الحفاظ على القائمة الإقليمية للسيدات.

ويوضح البروفيسور شقير في تصريح للجزيرة نت أن استمرار وجود القادة المتقدمين في السن وضعف تداول النخبة يمنح المرشحين التقليديين ميزة واضحة على المرشحين الأصغر سنا، من حيث عوامل الخبرة والشبكات والموارد. ولذلك فإن حضور الشباب في الخطاب لا يكفي إلا إذا انعكس على موقعهم الفعلي في مواقع صنع القرار.

استعادة الثقة

وتبين أن المسافة بين الشوارع والسياسات هي الأكثر صعوبة، حيث تجد المطالبات بالصحة والتعليم وفرص العمل طريقها إلى المناقشات الانتخابية بسهولة نسبية، ولكن ترجمتها إلى وعود قابلة للقياس من شأنها أن تحدد قدرة الأحزاب على استعادة ثقة الشباب.

ويرى البروفيسور تيفراتي أن هذا الشرط ضروري لموقف الجيل Z، مشيراً إلى أن ما يحدد مواقف الشباب ليس الانتماء الحزبي، بل قدرة الفاعلين السياسيين على التحدث بلغة التزام قابلة للقياس، بدلاً من الشعارات أو لغة الالتزام العام.

وهو يعتقد أن الشباب قد يختارون كل قضية على حدة، ومرشح على حدة، فيما يسميه الليبرالية الهجينة، بدلا من التعامل مع الانتخابات باعتبارها كتلة تصويت واحدة، ويحذر من أن الحملات الانتخابية بدون هذه البرامج من شأنها أن تترك جيلا بلا جيل.

ومن ناحية أخرى، فإن التدابير الرامية إلى تشجيع المنافسة بين الشباب، مثل توفير الدعم العمومي لتغطية 75% من نفقات الحملة الانتخابية مع سقف قدره 500 ألف درهم للمرشحين أقل من 35 عاما، وفتح آجال التسجيل بشكل غير عادي، هي محاولات للحد من الخلل في التمثيل.

وسبق أن أوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس (في مؤتمر صحفي بعد موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون تنظيم انتخابات أكتوبر 2025) أن هذا الدعم يهدف إلى تعزيز مشاركة الشباب في الحياة السياسية، داخل الأحزاب السياسية وخارجها، وزيادة تواجدهم في المؤسسات التمثيلية.

لكن الباحث المغربي شقير يرى أنه رغم أن هذه الإجراءات هي استجابة سياسية لتأثير حركة الجيل Z، وتظهر سياسيا لقادة الحزب ضرورة العمل على تجديد وتجديد البنية التنظيمية، إلا أنها ليست كافية لاختراق المؤسسات التمثيلية، وسيكون تأثيرها محدودا ما لم تتغير بنية المنافسة نفسها.

يبدو أن الانتخابات المقبلة تواجه تناقضا واضحا. لقد نشأ جيل يطالب بنتائج ملموسة، وبينما لدى كل حزب سياسي برنامج يعكس مطالبه إلى حد كبير، فإن المسافة بين الطرفين لا تقتصر على محتوى البرنامج، بل تمتد إلى الثقة بقدرات النظام على التنفيذ، وإبراز الصندوق نفسه للشباب كوسيلة فعالة للتغيير، وليس مجرد توقف روتيني.

قد تكون الرسالة الشاملة لاحتجاجات الجيل Z 212 هي أن الشباب لا يختفون من السياسة، بل يعيدون تعريف كيفية مشاركتهم في السياسة، لكن الانتخابات المقبلة ستكشف ما إذا كانت الأحزاب السياسية تغتنم بالفعل هذا التحول، أو ما إذا كانت الفجوة لا تزال موجودة بين الأجيال التي تحتج على النتائج والمؤسسات التي تطالب بعودتها إلى التصويت.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button