مجتمع

الأمم المتحدة والمغرب يعقدان مؤتمرا لمكافحة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح بين الأديان

في عصر حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل على تضخيم انتشار الرسائل على الفور، كيف يمكننا وقف خطاب الكراهية قبل أن يتصاعد إلى العنف؟ وكانت هذه القضية في قلب مؤتمر عالمي عقد في نيويورك، دعت خلاله الأمم المتحدة إلى مزيد من الحوار والتفاهم بين الأمم والثقافات والأديان.
تم تنظيم المؤتمر العالمي لتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات والتسامح ضد خطاب الكراهية من قبل أمانة الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية ومسؤولية الحماية، وتحالف الأمم المتحدة للحضارات، والمملكة المغربية.

ضم الاجتماع رفيع المستوى ممثلين عن الحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية والزعماء الدينيين والأكاديميين والمجتمع المدني، بالإضافة إلى ممثلين عن الطوائف اليهودية والمسيحية والمسلمة والهندوسية.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن جدول أعمال المؤتمر يعكس التزام شعب الأمم المتحدة، المنصوص عليه في الكلمات الافتتاحية لميثاق الأمم المتحدة، بـ “ممارسة التسامح والعيش معًا في سلام وحسن جوار”.
وأضاف أن الأمم المتحدة عملت “بجد وتصميم على مدى أكثر من 80 عاما” للوفاء بهذا الالتزام، مشيرا إلى أن مكافحة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح والحوار تظل جزءا لا يتجزأ من الجهود المبذولة لبناء مجتمعات أكثر تماسكا وسلاما.
وحذر الأمين العام من أن آفة الكراهية بأشكالها المتعددة، بما في ذلك العنصرية وكراهية النساء وكره الأجانب ومعاداة السامية وكراهية المسلمين والتمييز ضد الأقليات المسيحية والكراهية ضد المجموعات الدينية والعرقية الأخرى، “تجد سبلا جديدة وتستخدم التكنولوجيات الجديدة كسلاح، من المنصات الرقمية والخوارزميات إلى الذكاء الاصطناعي”.
وأضاف: “خطاب الكراهية، في أسوأ أشكاله، يحرض على العنف، ويحرض على الصراع، ويساهم في ارتكاب الفظائع مثل الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والتطهير العرقي. لقد رأينا ذلك يحدث من قبل، ونراه يحدث الآن، ولا يمكننا السماح له بالاستمرار”.
ودعا السيد غوتيريش جميع الأطراف إلى الرفض ورفع أصواتهم الجماعية لمحاربة الكراهية. ودعا أيضا إلى مضاعفة الجهود لمكافحة خطاب الكراهية، سواء عبر الإنترنت أو خارجه، من خلال معالجة أسبابه الجذرية ودوافعه وآثاره، وتعزيز الحوار بين الأمم والثقافات والأديان.

87f30b00-f8c1-468c-8942-1ab0a5b39f06.jfif

“إن الوقوف ضد خطاب الكراهية يتطلب الشجاعة والعدالة.”
أكد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية المغربي، أن مكافحة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح بين الأديان والثقافات يتطلب جهودا متواصلة وسياسات تقوم على العدالة والمشاركة وتكافؤ الفرص، مشددا على أن الحفاظ على كرامة الإنسان هو أساس الأمن والاستقرار.
وقال بوريطة إن مبادرة المغرب لاستضافة هذا المؤتمر تجسد روح الرسالة الملكية التي وجهها الملك محمد السادس للمشاركين في المنتدى العالمي التاسع لتحالف الحضارات المنعقد بمدينة فاس المغربية يوم 22 نوفمبر 2022، موضحا أن الرسالة تؤكد على أهمية العمل من أجل السلام بجميع اللغات والتعبيرات.
وأشار بوريطة إلى أشكال التمييز ضد الأفراد على أساس الدين ولون البشرة والأصل، مثل إجبار النساء المسلمات على خلع حجابهن تحت التهديد، وإجبار اليهود على خلع القلنسوة اليهودية خوفا من الاعتداء عليهم، واستهداف الرياضيين بسبب لون بشرتهم، وإخفاء المهاجرين أسمائهم لتجنب التمييز، لافتا إلى أن قضية خطاب الكراهية تعاد إلى الواجهة باستمرار.
وشدد على ضرورة تحويل التسامح إلى عادات يومية، بما في ذلك في المدارس والشوارع والملاعب والمطارات والمساحات الرقمية، موضحا أن مكافحة الكراهية تتطلب “الشجاعة في التعبير والعدالة في السياسة والجهود المتواصلة” لمعالجة أسباب التهميش واستعادة الثقة بين الناس والمجتمعات والمؤسسات.
والتعاون بين الأديان ضروري لمكافحة خطاب الكراهية
ودعا ميغيل أنخيل موراتينوس، وكيل الأمين العام والممثل السامي لتحالف الحضارات التابع للأمم المتحدة، إلى زيادة التعاون بين الطوائف والمنظمات الدينية لمكافحة الكراهية والاستقطاب والتمييز.
ورحب السيد موراتينوس بمشاركة ممثلي الطوائف اليهودية والمسيحية والمسلمة والهندوسية.
“في الوقت الذي تهدد فيه الكراهية والاستقطاب التماسك الاجتماعي في أجزاء كثيرة من العالم، فإن مشاركتكم تبعث برسالة قوية مفادها أن الناس من مختلف الأديان يمكنهم العمل معًا لحماية الكرامة الإنسانية والاحترام المتبادل وإنسانيتنا المشتركة.”
بصفته مبعوث الأمم المتحدة الخاص لمكافحة الإسلاموفوبيا، قال موراتينوس إنه يركز بشكل خاص على التعامل مع المجتمعات الإسلامية والعمل معًا لمكافحة الإسلاموفوبيا والتحيز والتمييز ضد المسلمين.
وأوضح أن العمل جار لوضع اللمسات الأخيرة على خطة عمل الأمم المتحدة لمكافحة الإسلاموفوبيا، وأكد أنه سيواصل العمل مع الدول الأعضاء لتعزيز الجهود العالمية في هذا المجال.

ea9e4da3-d07f-4297-971c-8cd4822fb3fb.jpg

كما سلط موراتينوس الضوء على المخاوف بشأن معاداة السامية. وباعتباره مركز تنسيق الأمم المتحدة لرصد معاداة السامية وتعزيز الاستجابات عبر منظومة الأمم المتحدة، قال إنه لا يزال يشعر بالقلق إزاء ارتفاع حوادث معاداة السامية والقوالب النمطية ونظريات المؤامرة، وأعرب عن دعمه للمجتمع اليهودي في مواجهة التهديدات والتعصب والعنف.
وقال إن مكتبه وضع خطة عمل للأمم المتحدة لتعزيز المراقبة والاستجابة لمعاداة السامية، بدءا من عام 2025.
وقال إن الاجتماع الذي سيعقد اليوم لا ينبغي أن يقتصر على المناقشات، بل ينبغي أن يساعد أيضا في إطلاق إجراءات عملية. وشدد موراتينوس على أن “اجتماع اليوم لا ينبغي أن يكون مكانا للتأمل فحسب، بل حافزا للعمل أيضا”.
حركة التوحيد ضد خطاب الكراهية
وحذر شالوكا بياني، المستشار الخاص للأمين العام المعني بمنع الإبادة الجماعية، من أن خطاب الكراهية ينتشر اليوم بشكل أسرع من أي وقت مضى بسبب التطورات السريعة في التكنولوجيا.
وحذر بياني من أنه على الرغم من الإمكانات الهائلة التي تتمتع بها التكنولوجيا لإحداث تغيير إيجابي، فإن إساءة استخدامها يمكن أن تسبب “أضرارا هائلة لا يمكن إصلاحها”.
وأشار إلى المخاوف المتزايدة بشأن الذكاء الاصطناعي وتأثيره السلبي على الكرامة الإنسانية، محذرا من أن اللغة يمكن أن تعمق الانقسامات بشكل خطير وتسهم في أعمال العنف والجرائم الدولية الخطيرة، بما في ذلك الإبادة الجماعية.
وأشار مسؤولو الأمم المتحدة إلى استمرار التحريض على الكراهية في خضم الصراعات الوحشية، مذكرين بأمثلة مثل المحرقة، والإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا عام 1994، والإبادة الجماعية في سربرينيتسا عام 1995.
وقال إن استراتيجية وخطة عمل الأمم المتحدة بشأن خطاب الكراهية تقدم توصيات للأمم المتحدة والمجتمع الأوسع، مشددا على أنه “لا يمكن لأحد منا أن ينجح بمفرده”.
وأضاف أن الحوار بين الأديان والثقافات يساعد على نشر الرسائل التي تتحدى الكراهية والانقسام وتظهر “قوة الوحدة الإنسانية”.
وقال إن المؤتمر ليس “سباقا نحو خط النهاية” بل هو نقطة انطلاق لتحالف أقوى لمحاربة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة والتضليل.
ودعا إلى الصبر والتصميم من أجل “عالم خال من خطاب الكراهية والتحريض على الكراهية”.
إن خطاب الكراهية هو اعتداء على الكرامة الإنسانية
أكد رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة خليل الرحمن، على أهمية الحوار والتسامح والتعاون بين مختلف مكونات المجتمع، ودعا إلى تعزيز الجهود العالمية لمكافحة التعصب وخطاب الكراهية.
وأشاد السيد خليل الرحمن بدور المغرب في تعزيز اعتماد قرار للجمعية العامة يعترف بالحوار بين الأديان والثقافات كوسيلة هامة لمكافحة خطاب الكراهية وتعزيز التماسك الاجتماعي والسلام والتنمية.
وقال إن “خطاب الكراهية ليس مجرد تعبير مسيء، بل هو اعتداء على كرامة الإنسان والمساواة والقيم المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة”، محذرا من أنه يمكن أن يعزز التمييز والإقصاء والعنف، وفي الحالات القصوى، يساهم في ارتكاب جرائم مروعة.
وأشار إلى أن انتشار خطاب الكراهية يتسارع، لا سيما من خلال التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، اللذين يمكن استخدامهما لتضخيم المعلومات الكاذبة والتأثير على النقاش العام. وأوضح أن استخدامها بشكل مسؤول يمكن أن يساعد أيضًا في تحديد المخاطر وتعزيز المعلومات الدقيقة والقدرة على مواجهة خطاب الكراهية.
وشدد خليل الرحمن على أن خطاب الكراهية ينبع في كثير من الأحيان من الخوف والجهل وانعدام التواصل بين المؤمنين من مختلف الديانات والثقافات.
وأضاف أن “الحوار والتسامح ليسا مُثُلاً مجردة، بل هما أدوات عملية للوقاية وبناء السلام والتنمية المستدامة”.
ودعا إلى الاستثمار في التعليم والتثقيف الإعلامي والمعلوماتي وتمكين الشباب ودعم المجتمع، فضلا عن زيادة التعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا ووسائل الإعلام والمعلمين والمجتمع المدني والجماعات الدينية.
وتابع: “دعونا نختار الحوار بدلا من الانقسام، والاحترام بدلا من الازدراء، والوحدة بدلا من الكراهية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button