عندما يتحول الوطن إلى فضاء للحركة.. انهيار الثقة وإعادة إنتاج الثقافة المهاجرة في المجتمع المغربي

الصور التي توثق مشهد مئات الشباب المغاربة وهم يندفعون نحو البحر، ووصول بعضهم إلى سبتة رافعين علامات النصر، لا يمكن اختزالها في مجرد رد فعل عاطفي، أو مغامرة شخصية، أو انحراف عن الظروف التي فرضتها البطالة والفقر. هذه الصور ليست أحداثا معزولة، بل تمثل لحظات واضحة من التغيير الاجتماعي العميق الذي أثر على علاقات الشباب بالدولة والمجتمع والسياسة، بل وأعاد صياغة مفهوم الوطن نفسه في المخيلة الجماعية.
وأخطر ما تكشفه هذه المشاهد ليس الرغبة في الهجرة، بل تآكل الاعتقاد بإمكانية خلق المستقبل داخل الحدود. عندما يختار شخص ما المخاطرة بحياته في البحر، فهو لا يتخذ قرارًا جغرافيًا بالانتقال من شاطئ إلى آخر. بل اتخذ قبل ذلك قراراً رمزياً بالانسحاب من مجال اجتماعي لم يعد يرى فيه إمكانية تحقيق نفسه. وهنا تتحول الهجرة من فعل اقتصادي إلى موقف وجودي، ومن استراتيجية للتقدم الاجتماعي إلى إعلان ضمني عن عجز المجتمع عن توليد الأمل.
وقد فسرت المقاربات التقليدية الهجرة من حيث العوامل الاقتصادية المباشرة مثل ضعف فرص العمل وانخفاض الدخل، لكن هذا التفسير وحده لم يعد كافيا لفهم الظاهرة في السياق الحالي. ولو كانت الهجرة تتعلق بالفقر فقط، لما جعل الآلاف من خريجي الجامعات وحاملي الشهادات العليا وذوي القدرات التقنية الهجرة في مقدمة مشاريع حياتهم. إن ما يتدفق من هذا البلد اليوم ليس فقط فائضاً في العمالة، بل أيضاً فائضاً في الطموح لا يمكن إيجاد مؤسسات لاستيعابه.
وهذا ما يجعل هذه الأزمة في الأساس أزمة ثقة وليست أزمة موارد، أزمة اعتراف وليس أزمة دخل. فالأفراد لا يبحثون عن وظائف فحسب؛ كما يطالبون بأن يشعروا بأن جهودهم تُكافأ، وأن قدراتهم تُترجم إلى مكانة اجتماعية، وأن القانون يحمي حقوقهم، وأن تعاملهم المؤسسات كمواطنين، وليس كناخبين أو مكانة اجتماعية.
إن المجتمع لا يعيش فقط بالثروة التي ينتجها، بل أيضًا بالمعنى الذي ينتجه. وعندما تفشل المؤسسات في توليد معاني الانتماء، يصبح الانتماء نفسه قابلاً للتفاوض، وتصبح الهجرة شكلاً من أشكال إعادة التفاوض مع الوطن.
ولعل المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا التحول لم يكن سببه الظروف الاقتصادية فحسب، بل ساهمت فيه مؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة، وخاصة المدارس. إن المؤسسات التعليمية، التي من المفترض أن تكون المؤسسات الأساسية المعززة للهوية الوطنية، قامت في بعض الأحيان، دون قصد، بإعادة إنتاج روايات اجتماعية تساوي النجاح بمغادرة الوطن. ورغم أن العديد من النصوص والقصص والتمثيلات التعليمية تصور الأشخاص الناجحين على أنهم أشخاص واصلوا دراستهم في أوروبا أو أمريكا، واستقروا هناك، وحققوا ذاتهم في مجتمعات أخرى، إلا أنه لا يوجد نموذج يربط النجاح بالمساهمة في بناء مجتمع وطني.
لا تقوم المدارس هنا بتعليم الطلاب القراءة والكتابة فحسب، بل تعمل أيضًا على تطوير خيالهم الاجتماعي. ومن خلال الاحتفال مرارا وتكرارا بالمهاجرين الناجحين بدلا من الاحتفال بالنجاحات الوطنية في الداخل، فإننا نساهم عن غير قصد في تحويل الهجرة من خيار استثنائي إلى قاعدة للنجاح المجتمعي. ومع مرور الوقت، ينشأ لدى الأجيال إدراك بأن المستقبل الحقيقي يكمن خارج الحدود الوطنية، وأن الوطن ما هو إلا مرحلة انتقالية في سيرة الإنسان.
أما المدارس فهي مجرد حلقات ضمن نظام أوسع تشارك فيه الأسرة ووسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية والخطابات اليومية، وتراكم رسائل رمزية يمثل فيها الغرب مساحة من الفرص ويمثل فيها الوطن مساحة من الانتظار. وبهذه الطريقة، بدلاً من تقسيم العالم إلى شمال وجنوب، تتشكل خريطة ذهنية جديدة لدى الشباب، بين مساحات تمنح الاعتراف ومساحات تؤجل الاعتراف.
وفي هذا السياق، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن اهتمام الشباب بالسياسة معرض للخطر. والحقيقة هي أن معظمهم لم يعودوا ينظرون إلى السياسة كأداة للتغيير الاجتماعي على الإطلاق. لا ينصب اهتمامه الأساسي على إشراك الأحزاب السياسية، أو إنتاج الأيديولوجيات، أو التنافس على البرامج، بل البحث عن ظروف معيشية كريمة، وعدالة اجتماعية، ومؤسسات تحترم القدرة، وأسواق عمل تكافئ القدرة.
في تصور غالبية الشباب، فقدت السياسة وظيفتها التاريخية كآلية لإدارة الصالح العام، وأصبحت مجالًا مغلقًا يعيد إنتاج النخب نفسها ويعيد توزيع الامتيازات ضمن شبكات المصالح والقرابة والمحسوبية. بالنسبة للكثيرين، فإن الفساد وعدم الكفاءة وانعدام المساءلة يجعل السياسة جزءًا من الأزمة نفسها، وليس أفقًا للتغيير.
وهنا تظهر واحدة من أخطر المفارقات السوسيولوجية. وحتى لو فقدت السياسة شرعيتها الأخلاقية، فإنها لا تمنع السياسة من جذب الأفراد؛ فقط الدافع لدخول السياسة يتغير. ولم يعد العديد من الشباب ينظرون إلى السياسة باعتبارها رسالة عامة، بل كمورد اقتصادي، ورأس مال اجتماعي، وطريق للتقدم الطبقي.
إنهم لا يدخلون المجال السياسي لإصلاحه، بل لأنهم يدركون أن هذا المجال نفسه أصبح إحدى الآليات الأكثر احتمالا لإنتاج الامتيازات. ومن ثم تتغير الممارسة السياسية من مشاركة المواطنين إلى الاستثمار الاجتماعي، ومن فضاء التنافس على الأفكار إلى فضاء التنافس على الموارد. وبدلاً من أن يعيد الشباب إنتاج السياسة، فإن السياسة تعيد إنتاج الشباب وفقاً للقواعد القائمة، ويصبحون جزءاً من الهياكل التي كانوا ينتقدونها.
أولئك الذين ليس لديهم رأس المال الاجتماعي أو الاقتصادي أو شبكات العملاء للوصول إلى هذه الدوائر يبحثون عن طرق أخرى للتقدم. وتظهر الهجرة هنا كبديل وظيفي للسياسة. وذلك لأن الهجرة لا تجلب دخلاً أفضل فحسب، بل وأيضاً ما لم تعد مؤسسات الدولة تقدمه: الرؤية، والإنجاز، وإمكانية بناء المستقبل.
من هنا يمكنك فهم تنوع استراتيجيات الهروب من الوطن. يختار البعض الدراسة في الخارج ويخططون لعدم العودة أبدًا، ويسعى البعض الآخر إلى الهجرة القانونية، ويغامر البعض الآخر بالخروج عن المسار المطروق، ويعيش البعض مخيلتهم ومستقبلهم في الخارج أثناء إقامتهم فعليًا داخل المغرب. كلها تعبيرات مختلفة عن نفس الظاهرة: مركز الأمل يتحرك من الداخل إلى الخارج.
وفي الخيال الاجتماعي، أصبح الخارج رأسمالًا رمزيًا قائمًا بذاته. إن مجرد الحصول على تأشيرة دخول، أو قبول جامعي، أو عقد عمل، أو إقامة أجنبية، أصبح يمثل نوعًا من الاعتراف الاجتماعي للمجموعات الكبيرة، حتى قبل تحقيق النجاح الفعلي. وبالتالي فإن قيمة العالم الخارجي لم تعد تكمن فقط في الدخل الذي يوفره، ولكن أيضًا في المكانة والرمزية التي يمنحها داخل مجتمعه الأصلي.
إن أخطر ما جلبته هذه الأزمة ليس زيادة معدلات الهجرة، بل إعادة تعريف النجاح ذاته. ولم يعد النجاح يقاس بمساهمة الفرد في تنمية بلد ما، بل بقدرته على الارتقاء فوق هذه المساهمة. وهنا يتحول الوطن دون وعي من غاية إلى وسيلة، ومن مساحة إنجاز إلى مكان انتظار، بينما يتحول الخارج إلى الهدف النهائي للمسار الاجتماعي.
صور الشباب وهم يحملون علامات النصر بعد وصولهم إلى سبتة لها معنى رمزي عميق. إنه لا يمثل بالضرورة انتصارا على الوطن الأم، بل يمثل انتصارا على العجز الذي يطارده. إنها اللحظة التي يعيد فيها الفرد تعريف نفسه على أنه قادر على اختراق الحدود التي لم يتمكن النظام من فتحها له. ولذلك فإن إضفاء الطابع الأخلاقي على هذه الصور دون فهم شروط الإنتاج الاجتماعي لا يقدم تفسيرا حقيقيا لهذه الظاهرة.
إن الوطنية ليست مجرد تعبئة للكلام، بل هي علاقة ثقة متبادلة بين الفرد والأمة. كلما شعر الناس بأن القانون يحميهم، وأن قدراتهم تُكافأ، وأن العدالة متاحة، وأن النظام يعمل من أجلهم، كلما أصبح شعورهم بالانتماء أقوى. لكن عندما يشعر الإنسان أن مستقبله يعتمد على الوساطة أو الزبائنية أو الإيجار أو الحظ، فإن علاقته بوطنه تدخل تدريجياً مرحلة التآكل الهادئ، حتى لو استمر في التعبير عن الارتباط الرمزي به.
وفي هذا السياق، فإن التوجيه الملكي، الذي أكد على أن الكرامة الوطنية والثقة والأمل هي جوهر التنمية، يكتسي أهمية اجتماعية كبيرة لأنه يعيد توجيه النقاش من منطق المؤشرات الاقتصادية المجردة إلى منطق بناء الثقة الاجتماعية. لكن هذه الثقة لا تتولد من الخطب والبرامج وحدها، بل من خلال تجارب الناس اليومية مع المدارس، والحكومة، والسلطة القضائية، وسوق العمل، والمؤسسات المنتخبة.
فالمجتمعات لا تنهار فقط عندما تنخفض الدخول، بل أيضا عندما تفقد القدرة على إقناع الشباب بأن المستقبل ممكن داخلها. وبالتالي فإن أخطر أشكال الفساد لا يتمثل في اختلاس الأموال العامة فحسب، بل وأيضاً اختلاس الآمال الجماعية. فإن سرقة الأمل تدفع الإنسان إلى البحث عن وطن آخر، حتى لو كان على متن سفينة هشة أو على طريق غير مألوف.
إن مواجهة الهجرة لا تبدأ عند الساحل أو على الحدود، بل حيث يتشكل وعي الأطفال، وحيث يتعلمون معنى المواطنة، وحيث يختبر الشباب لأول مرة عدالة المؤسسات أو ظلمها. الهجرة هي نتيجة وليست سببا. وهذا ليس مرضا، بل هو العرض الأكثر وضوحا لخلل أعمق في العقد الاجتماعي.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب اليوم لا يتمثل في الحد من الهجرة فحسب، بل في إعادة بناء الثقة بين شعبه ومؤسساته، وإعادة السياسة إلى وظيفتها الأخلاقية كوسيلة لخلق العدالة بدلاً من توزيع الامتيازات، وإعادة المدارس كمؤسسات تخلق شعوراً بالانتماء بدلاً من تعزيز ثقافة الخروج، وتأسيس نموذج للتنمية يتيح النجاح في الداخل قبل النجاح في الخارج.
إن المجتمع الذي يصبح فيه البحر هو الأفق، والعالم الخارجي يصبح حلما، والسياسة تصبح موردا، والمدارس وسيلة نقل لا يشهد أزمة قطاعية، بل أزمة حضارية في إنتاج المعنى. ولا يمكن التغلب على هذه الأزمة إلا من خلال إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الجدارة والعدالة والكرامة والثقة، واستعادة مكانة الوطن كمكان لتحقيق الذات وليس مجرد نقطة انطلاق للآخر.




