“الحلم الألماني”.. الشباب المغربي يختار الهجرة بوابة للمستقبل

“ألمانيا ستخفف من معاناتي… المغرب بلد جميل، لكن ما يمكنني تحقيقه هنا في 30 أو 40 سنة، أستطيع تحقيقه في ألمانيا في 5 سنوات”. هكذا دافع عبد الرحيم بنستر عن حلمه بالانتقال إلى ألمانيا.
عبد الرحيم عمره 24 سنة. توقف عن الدراسة في السنة الثالثة من التعليم الإعدادي (الصف التاسع) لإعالة أسرته، وانتقل إلى مختلف الحرف، ومنذ حوالي شهر بدأ تعلم اللغة الألمانية.
“الألمانية هي مفتاح المستقبل”
يقول عبد الرحيم عن خططه للهجرة: “قررت أن أتعلم اللغة الألمانية بعد أن رأيت الفارق الشاسع بيني وبين قصص نجاح الشباب في عمري الذين تعلموا اللغة الألمانية. ما زلت مترددا بين الحصول على رخصة قيادة شاحنة أو دراسة الضيافة، لكنني سأتعلم اللغة الألمانية أولا ثم أفكر في الأمر”.
وعلى الرغم من تركه المدرسة مبكرًا، فإنه يقضي حوالي أربع ساعات يوميًا في دراسة اللغة الألمانية. ويعتقد هو وغيره من الشباب الذين يعيشون في أوضاع مماثلة أن اللغة الألمانية هي المفتاح لتجنب ألم العثور على عمل براتب ضئيل، دون منزل أو سيارة أو عائلة.
لو كان عبد الرحيم قد ترك المدرسة مبكرا. ويفكر أيوب بوع، 27 عاما، الحائز على شهادة الماجستير في الاقتصاد، في الهجرة أيضا بعد أن يطرق كل باب في المغرب. ويقول لـ DW: “بعد حصولي على درجة الماجستير، كانت فرص العمل أقل مقارنة بعدد الحاصلين على شهادات متقدمة. ولم أجد وظيفة تتناسب مع طموحاتي المهنية، ولم يكن الراتب الذي عرض علي متناسبا مع عدد السنوات التي قضيتها في الدراسة الجادة”.
وهذا الواقع هو الذي جعل السيد أيوب يفكر بجدية في تغيير اتجاهه المهني في الخارج، حيث كانت ألمانيا إحدى الدول التي لفتت انتباهه بسبب طلبها المتزايد على العمالة بالإضافة إلى إجراءات الهجرة المبسطة.
يوضح أيوب أن رحلته لتعلم اللغة الألمانية بدأت كخطوة مهمة نحو بناء مستقبل مهني جديد. وأقر بأن الموضوع ليس معقدا، بل يعتمد على البحث المستمر عن فرص قريبة من تخصصه وجمع معلومات دقيقة عن الإجراءات الإدارية وفرص العمل بعد التخرج، مؤكدا أن “قرار الهجرة يحتاج إلى رؤية واضحة وتخطيط مسبق وليس مجرد رغبة”. وأضاف أنه تمكن من تعلم اللغة بنفسه دون الالتحاق بمركز تعليمي ووصل إلى مستوى معين. ب1 في 5 أشهر فقط (المستوى 3).
جرب النجاح ولن تندم عليه
تعتبر ألمانيا أيضًا بوابة أوسع لأوروبا، حيث يمكن للأفراد التنقل بحرية بين دول أوروبية متعددة والحصول على فرص العمل والتدريب ضمن مساحة أوروبية متكاملة ومتعددة الثقافات.
وبحسب أيوب وعبد الرحيم وغيرهما من الشباب، فإن “الحلم الألماني” يوفر لهم فرصًا كانوا سيجدونها في وطنهم. ويعتمد هذا النظام بشكل كبير على الكفاءة والتطبيق العملي ويتيح إمكانية تطوير المهارات واكتساب فرص التكامل المهني والاستقرار المالي.
هذا ما أكدته أخصائية الطب الباطني سلمى العابد (36 عاما)، بعد حصولها على درجة الدكتوراه، غادرت إلى ألمانيا عام 2018 لدراسة تخصصها. وأشادت بتجربتها في ألمانيا، قائلة: “إن تجربة المهاجر في الخروج من قوقعته والتفاعل مع حياة مختلفة كانت تزعجني دائمًا، لذلك كانت ألمانيا وجهتي”.
تقول سلمى إن حياتها الآن أكثر استقرارًا، حيث تعمل ضمن فريق داعم في مستشفى لعلاج السرطان وفي بيئة مهنية يسودها الاحترام والتقدير..
طيبة، وهي مغربية، تنسب الفضل إلى تجربتها في ألمانيا في توفير منظور أوسع لنموها المهني والشخصي. خاصة بعد أن تركت بيئتي المريحة، بالإضافة إلى تعلم اللغة الألمانية، تعلمت الانضباط وواجهت التحديات وبحثت عن الحلول، مما مكنني من التواصل بثقة وفعالية مع المرضى في حياتي المهنية واليومية..
وفي نهاية حديثها مع DW، قالت سلمى مبتسمة إنها غير نادمة على قرارها، بل تعتبره خطوة حاسمة نحو مستقبل أفضل: “لو كان بإمكاني العودة بالزمن لاتخذت نفس الاختيار. هذه فرصة لبناء مستقبل أكثر استقرارا وانفتاحا على التجارب المتنوعة”.
وتأتي هجرتها على خلفية التحديات التي يواجهها قطاع الصحة في المغرب، بما في ذلك إجبار الخريجين الجدد على الخدمة الإجبارية بأجر محدود. وفي عهد الوزير السابق حسين الوردي، صدر قانون يلزم الخريجين الجدد بالخدمة الإلزامية في المناطق الريفية براتب شهري يقل عن 200 يورو.
وقد دفعت الأزمات الأخرى العديد من العاملين في المجال الطبي إلى البحث عن فرص في الخارج، وخاصة في ألمانيا..
اهتمام جوته غير المسبوق باللغة
يتزايد الاهتمام باللغة الألمانية في المغرب سنة بعد سنة، مع تزايد عدد المدارس الخاصة التي تضيف هذه اللغة إلى قائمتها. والسبب في ذلك ليس فقط دراسة موسيقى باخ وأدب جوته، بل البحث عن مستقبل آمن أيضًا.
وقالت سكينة، وهي عاملة تجارية في مركز لتعليم اللغات في مراكش: “يأتي ما بين 80 إلى 100 شخص كل عام”. “لقد تعلم الشباب أن ألمانيا هي البلد الذي تتاح لهم فيه الفرصة لرؤية تجارب من حولهم بشكل مباشر. قبل بضع سنوات، لم يكن هذا الأمر يحظى بشعبية كبيرة”.
يستغرق الطالب من 9 أشهر إلى سنة واحدة للوصول إلى المستوى B2 (المستوى 4)، وهو المستوى الأكثر تطلبًا والمناسب للتواصل اليومي.
وتعليقا على دوافع المغتربين للدراسة، أضافت سكينة: «الكثيرون يختارون التدريب المهني لأنهم يستفيدون من راتب شهري يتراوح بين 800 و1200 يورو. بعض الأشخاص مستقرون مهنياً ولكنهم يريدون تجربة مختلفة، وآخرون يدرسون لأسباب شخصية، لكن بالنسبة لمعظم المغتربين، ألمانيا هي الحل الأخير للمشاكل الاجتماعية، خاصة بالنسبة لمهنة الطب والسياحة والعمل الفني واليدوي.
ويشير البروفيسور العلوي طالبي، الذي يقوم بتدريس اللغة الألمانية منذ أكثر من 20 عاما، إلى التغير الكبير في الطلب على اللغة، موضحا أنه كان من أوائل من قاموا بتدريس اللغة الألمانية في المدارس الخاصة بمراكش. تشتهر اللغة الألمانية بأنها لغة صعبة، لذلك كان عدد المتعلمين محدودًا. لكنه يعترف بأن هذا التصور تغير مع مرور الوقت، وخاصة خلال السنوات الست الماضية. وفي السنوات الست الماضية، زاد عدد المتعلمين بشكل ملحوظ وتم توسيع المركز التعليمي بسبب زيادة الاهتمام والرغبة في التعلم.
الحكومة المغربية وأطباء النزيف
ولن يكون من السهل سد الفجوة في هجرة العمالة المؤهلة من المغرب، وخاصة في قطاع الصحة. لأن الأمر لا يتعلق فقط بعدد الأطباء والممرضات، بل يتعلق الأمر بخسارة سنوات من التدريب والخبرة والاستثمار العام.
وفي رده على الأسئلة البرلمانية في مايو 2025، أقر وزير الصحة المغربي أمين الطهراوي بأن ضعف جاذبية القطاع العام وزيادة هجرة المهنيين الصحيين هما أبرز التحديات التي تهدد استقرار النظام الصحي في المغرب.
وكشف السيد الطهراوي أن نقص الموارد البشرية دفع إلى اتخاذ تدابير طارئة، لاسيما السماح للأطباء الأجانب بالعمل بالمغرب طبقا للقانون 33.21، بهدف سد الثغرات في التخصصات الطبية المهمة، التي وصل عددها حتى الآن إلى 580 طبيبا.
كما شرعت الوزارة في إصلاحات تتعلق بالحماية الاجتماعية، وإعادة هيكلة النظام الصحي من خلال زيادة حصص التوظيف والتدريب في كليات الطب ومؤسسات التمريض، وفتح كليات طبية جديدة، وتوسيع القدرة الاستيعابية للتدريب الصحي. كما تم التوقيع على اتفاقية مع وزارة التعليم العالي ووزارة المالية لاستثمار أكثر من 3 مليارات درهم في التدريب الصحي بحلول عام 2030.
ومع ذلك، فإن زيادة عدد الخريجين لا يعني الاحتفاظ بهم تلقائيا. يترك العديد من الأطباء والممرضين وظائفهم لأن أجورهم أقل مما هي عليه في أوروبا، وضغط العمل ونقص المرافق، ويشعرون بأن آفاقهم المهنية والاجتماعية مغلقة.
المحرر: سارة شلالا




