مجتمع

عنبيتف – تطوير طقوس إحياء ليلة القدر وتقديس شرعية السلطة في المغرب – المجتمع

وللاحتفال بليلة القدر طابع فريد يجمع بين العبادة الخالصة والتقاليد الاجتماعية الموروثة.

تعتبر ليالي شهر رمضان المبارك مناسبة دينية خاصة، وقد حرص سلاطين وملوك المغرب، وجميع العشائر التي حكمت المملكة عبر التاريخ، على المشاركة في رمضان بما يليق بقداسة وروحانية هذا الشهر الفضيل، مع التركيز على الدروس الدينية والعبادات المختلفة، مثل التلاوات القرآنية، وقيام الليل، والزكاة. على مدار تاريخ المغرب، لم يكن شهر رمضان مجرد حدث ديني مؤقت، بل كان أيضا مرآة سياسية تعكس استقرار الدولة أو اضطرابها، وقوة وضعف سلطتها.

مكنت الوثائق التاريخية من رصد طقوس وتصرفات العديد من السلاطين المغاربة، فضلا عن تخطيط أنشطتهم اليومية خلال شهر رمضان. وتشير أغلبها إلى أن هؤلاء السلاطين منحوا هذا الشهر ولياليه، وخاصة ليلة السابع والعشرين، ليلة القدر، مكانة خاصة، تتسم تارة بمظاهر دينية، وتارة بإثبات شرعية حكم السلطان.

1- حفل إحياء ليلة القدر تكريساً للعقيدة الدينية

وتشير المصادر التاريخية إلى أن هناك اهتماما مرابطيا بإحياء ذكرى الليلة المشؤومة، خاصة في عهد الأمير المرابطي تاشفين بن علي. وأصر على إحياء ذكرى ليلة رمضان المشؤومة لتأكيد شرعية سلطته كـ«أمير المسلمين» في وقت كانت الأحداث تعصف بعهده. لأنه كان يعيش في ذلك الوقت تحت رحمة الحصار. الجيش الموحدي في مدينة وهران.

ولذلك ارتبطت نهاية عهد هذا الأمير المرابطي بالليلة المشؤومة عندما سقط مع حصانه من أعلى التل أثناء محاولته الهروب من هجوم الموحدين على معقله الأخير.

“كما أحيا الخلفاء الموحدون ليلة رمضان بإقامة صلاة التراويح، وتلاوة القرآن، وتنظيم المجالس العلمية، ومباركة مصحف الخليفة العثماني في المجلس العلمي الملكي، والقيام بكل ما يتعلق بإثبات شرعيته الدينية كخليفة بلا منافس في السلطة”. وكان السلطان يعقوب بن عبد الحق مجتهداً في الصلاة في شهر رمضان، إذ “بعد أن صالح الملك المسيحي سانشو في شمال الأندلس، عاد إلى الجزيرة الخضراء حيث كان يقيم في شهر رمضان عام 1285م، وبقي هناك طوال الشهر يؤدي صلاة التراويح بانتظام، دون أن يغيب عنه ليلة واحدة”.

وفي الوقت نفسه، حرص سلاطين الوطاسيين، في محاولة لكسب الشرعية الدينية، على أداء الشعائر الدينية التي كانوا يؤدونها بانتظام في ذلك الوقت، مثل عقد المؤتمرات العلمية في شهر رمضان. بالنسبة لنظام السعدي، اتخذ شهر رمضان أبعادًا سياسية وروحية متميزة، حيث أصبح مساحة للسلطان والعلماء والرعايا للتجمع حول الاحتفالات الدينية. وارتبط صعود السعدي إلى السلطة بدعوات الجهاد والدفاع عن حدود المغرب ضد انتشار الحروب الصليبية، وأصبح الدين عنصرا أساسيا في مشروعه السياسي. وهكذا أصبح شهر رمضان فرصة للسلطان للتأكيد على مكانته باعتباره “أمير المؤمنين وحامي الدين”. ولذلك كانت فترة أحمد المنصور الذهبي (1549-1603) هي الفترة الأكثر ازدهاراً بالنسبة لقوم السعد. لأن اسمه يرتبط بانتصار المغرب في معركة وادي المخزن، التي كانت البلاد خلالها أكثر استقرارا من سلفه. وكانت نقطة انطلاق سياسته الداخلية هي جهوده لتقريب الفقهاء والعلماء المغاربة إليه، كما أن اطلاعه على مجموعة واسعة من الثقافات والعديد من العلوم أدى إلى لقبه بخليفة العلماء وعالم الخلفاء.

خلال شهر رمضان، نظم السلطان المنصور الذهبي ليالي رمضانية مميزة بطقوس فريدة. ويصف المؤرخ أحمد بن خالد الناشري، في كتابه “الاقتضاء في أكبر المغرب الأقصى”، الفتاوى التي نظمها السلطان السعدي لهذه الليلة، مشيرا إلى أن محتوياتها تركزت على قراءة ودراسة صحيح البخاري، الذي يعتبر أصح كتاب بعد القرآن الكريم عند أهل السنة والمجتمعات المحلية. وفي ليالي رمضان كان العلماء يتمون رواية صحيح البخاري. «كان الفقهاء وأعلام الفقهاء يقرؤون كل يوم أجزاء من طبعة البخاري المقسمة إلى 35 مجلدا». في حين أولى السلطان أحمد المنصور الذهبي إحياء ذكرى الليلة المصيرية اهتماما خاصا، حيث أسس تقليدا من الاحتفالات الباهظة لإحيائها في المغرب. ويتميز التقليد بمزيج من الخصائص الطقسية الدينية والملكية، أبرزها “موكب الشموع” المستوحى من إسطنبول، حيث يتم إشعال الشموع العملاقة وإطفاؤها بطريقة مهيبة. موكب الصوفية. وله خاتم للسمع والثناء الأندلسي.

بالإضافة إلى ذلك، ينظمون أحيانًا ليالي صوفية تتضمن الاستماع والتسبيح والذكر، وهي طقوس لا تزال تميز الاحتفال بليلة القدر في المغرب. وبالتالي فإن هذا الموروث الطقسي والطقوسي الذي أرساه السلطان المنصور الذهبي يندرج في إطار تقليد عريق ظل جزءا من الهوية الثقافية والدينية للمغرب في إحياء العشر الأواخر من رمضان.

في المقابل، كان السلاطين العلويين، منذ السلطان مولاي إسماعيل، حريصين جدًا على عقد مؤتمرات علمية رمضانية لتأكيد شرعيتهم الدينية، ثم كان السلطان مولاي سليمان، الذي كان حريصًا جدًا على حفظ رمضان وإحياء ليلته بالشفاعة، ينظم مؤتمرات علمية مع نخبة من العلماء ورؤساء التلاوة لنشر النصوص النبوية وتفسيرها.

كما نال السلطان مولاي سليمان شهرة كبيرة من خلال مشاركته في هذه المجالس مع العلماء. بل كان، بحسب شهادة المؤرخين الناصريين، معروفًا بمهاراته المتقدمة وثروته المعرفية. كان يتحدث معهم بانتظام، ويعطي رأيه، ويتفوق عليهم أحيانًا بإيجاد إجابات لأسئلة لا يستطيعون الإجابة عليها. بل، كما ذكر المؤرخ ابن داود، فإن المولى سليمان ذهب إلى ما هو أبعد من اللوائح الإدارية التي تقتضي من القضاة تعيين أئمة مسؤولين عن أداء صلاة التراويح، وأصدر مرسومًا بتاريخ 17 رجب 1229 م 1813، عين بموجبه إمامًا لأداء صلاة التراويح في الجامع الكبير بتطوان خلال شهر رمضان من ذلك العام. وبالمثل، شجع السلطان العلوي الحسن الأول تنظيم المجالس العلمية الرمضانية، مع إيلاء اهتمام خاص لاحتفالات ليلة القدر.

2- مراسم إحياء ليلة القدر تجسيدًا للعقيدة الدينية

وطوال السلالات المتعاقبة التي حكمت المغرب (إدريس، المرابطون، الموحدون، المرينيون، السعديون، والعلويون)، ظلت الليلة المشؤومة تترسخ كحدث ديني يؤكد ويجسد “الإمارة المؤمنة”. وأدى ذلك إلى تطور طقوس إحياء ذكرى الليلة المصيرية التي قام بها السلاطين المغاربة عبر التاريخ، من الاحتفالات الدينية التقليدية داخل مساجد القصور إلى المراسيم البروتوكولية الرسمية. وتجسد هذه الشرائع استمرارية “الإمارات الموالية” في المغرب، حيث تمتزج الجوانب الروحانية الصوفية مع الصواب السياسي التقليدي، في حين تتكيف الفرائض مع الظروف الحديثة.

وعادة ما يترأس الملك محمد السادس، مثل والده الملك الحسن الثاني، احتفالات دينية كبيرة بالقصر الملكي بمسجد ألفز، الذي يعتبر من أهم المواقع الدينية في القصر الملكي بالرباط، حيث تقام مثل هذه الاحتفالات الدينية. ويستمد هذا المسجد أهميته من كونه يشكل مساحة لتكريس الشرعية الدينية والسياسية للملك كأمير للمؤمنين. ومن بينها يؤدي الملك صلاة الجمعة والأعياد الدينية ويحتفل بعيد ليلة القدر. وغالباً ما يتم إيصال طقوسها إلى مناطق مختلفة من المملكة عبر وسائل الإعلام والاتصالات الرسمية وغير الرسمية.

وفي هذا الصدد، أعلنت وزارة الشرف الملكية أن أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، سيترأس حفل إحياء ذكرى ليلة النعيم المصيرية بالقصر الملكي بالرباط، مساء يوم الاثنين 26 رمضان، الموافق 16 مارس 2026م، نصره الله وأيده. وتم بث الاحتفالات الدينية على الهواء مباشرة عبر الإذاعة والتلفزيون استجابة لآذان الصلاة في المساء. ونتيجة لذلك، حرص التلفزيون المغربي على بث المراسم الملكية لصلاة العشاء والاسترخاء ليتمكن جميع المواطنين من متابعة الشعائر الروحانية للمؤسسات الملكية، وفق ترتيبات بروتوكولية خاصة.

ويقف الملك، بصفته أمير المؤمنين، وسط صفوف المصلين على سجادة تحدد مساحة من القداسة الدينية، وهي سمة أمير المؤمنين. إلى اليمين، يصلي ولي العهد وشقيقه الأصغر مولاي رشيد وابنه الأكبر الأمير مولاي أحمد على سجادة خضراء مع أمراء ملكيين آخرين. وعلى يسار الملك، صلى رئيس الوزراء ووزير الأوقاف ورئيس مجلس العموم إلى جانب الوزراء الآخرين، وهم يرتدون الجلباب المخزني ويغطون رؤوسهم بالقباب، على عكس الملوك والأمراء الذين كانوا يرتدون الطربوش المخزني للدلالة على مكانتهم كأفراد مؤمنين. التسلسل الهرمي السياسي في نظام الحكم المغربي.

في هذه الأثناء، صلى خلفهم ضباط عسكريون بزيهم الرسمي وبقية الإدارة المدنية وممثلو البعثة الدبلوماسية العربية الإسلامية بالمغرب. وتعكس ترتيبات هذا البروتوكول السلطة الدينية التي يمارسها الملك بمختلف مظاهره وشعائره وشعائره، باعتباره الممثل الأعلى للدولة، وضامناً الحفاظ على الوحدة الدينية للدولة والحفاظ على شعائرها. ومن بينها ليلة 27 من شهر رمضان، التي لها طابع روحي وقيم دينية عميقة، وتحتل مكانة خاصة في الضمير الجمعي للمغاربة.

وهكذا، أشرف الملك محمد السادس، بصفته «الأمير الأمين»، على حفل ختم صحيح البخاري وتلاوة الأناشيد النبوية، بما فيها البردة والأذكار، مما أضفى على الحدث طابعا روحانيا وصوفيا.

ونظراً لهذا الجو الديني والروحي، يمنح الأمير الأمين عادة جوائز مثل “جائزة محمد السادس لأهل القرآن” و”جائزة محمد السادس لأهل الحديث” بالإضافة إلى جائزة الكتاب القرآني للعديد من القراء والعلماء.

وفي هذا الصدد، وخلال حفل ليلة القدر الذي ترأسه الملك، مساء الاثنين 26 رمضان 1447، تلا الطفل زيد البقري (10 سنوات، من سكان مدينة صالح) آيات بينات من القرآن الكريم، وحصل بعدها على جائزة حافظ للأطفال من قبل الملك. بعد ذلك سلم أمير المؤمنين جائزة محمد السادس لأهل القرآن وجائزة محمد السادس لأهل الحديث للفائزين السيد أحمد التلي من فاس والسيد عدنان الزهار من الجديدة على التوالي. كما سلم جلالة الملك الفروع الثلاثة لجائزة الملك محمد السادس للأعمال القرآنية إلى عبد اللطيف جلال من اليوسفية (جائزة مناهج التعليم)، ومرزوق آيت عمرانه من شفشاون (جائزة الكفاءة)، وعبد اللطيف أبها من شيشاوة (جائزة الإدارة). بعد ذلك، سلم الملك جائزتي محمد السادس الممنوحتين لأحسان وطريل إلى عبد الرحمان بنباكة من مراكش (الجائزة الفخرية)، ومحمد بطوط من المحمدية (الجائزة الفخرية)، على التوالي.

“بمناسبة هذا الحفل الديني المهيب، أدعو الله العظيم أمير المؤمنين وولي الإيمان والدين محمد 6، أن تحفظوا الملك وتنصروه نصرا مبينا، وأن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يوفق في مهامه، وأن يحقق طموحاته وآماله، وأن تباركوا خطوات جلالته الحكيمة، وأن تتعرفوا على خليفته الأمير مولاي، وتعززوا دعمكم لأخيه الأمير”. كما دعا مولاي رشيد، وسائر أفراد الأسرة المالكة، الله عز وجل أن يرحم والرضوان، ملكي الجزيرة العربية والإسلام الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، وأن يكرم مثواهما، وأن يمن عليهما بالخير.

ومن خلال كل ذلك، يبدو أن طقوس ليلة القدر، التي تقام سنويا ليلة 27 من رمضان، تجسد إلى حد كبير آلية تكريس وتجسيد العقيدة الدينية للإمارات المؤمنة كمؤسسة حيوية في نظام الحكم المغربي. وتتردد أصداءها في مختلف مساجد المملكة. وتحرص وفود من مختلف المناطق والمناطق على إحياء مختلف المظاهر الدينية والروحية لليلة القدر.

المؤلف: د. محمد شاكر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button