سياسة

عبقرية الحسن الثاني

لقد شكلت شخصية المغفور له الملك الحسن الثاني علامة فارقة في التاريخ الحديث. وبفضل ما حباه الله من فطنة وذكاء حادين في شخصيته، ومواقفه الثابتة، وبعد نظره الاستراتيجي الفعال، كان له تأثير كبير في تشكيل الخطوط السياسية الكبرى. ولم يكن الفقيد مجرد زعيم وطني، بل كان مرجعا ومستشارا موثوقا به للعديد من زعماء العالم، خاصة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية والزعماء الأوروبيين والعرب، وهو ما أعطى المغرب ثقلا وحضورا مهما في مختلف المحافل الدولية. وربما كان المشهد المهيب لجنازته، والتنوع غير العادي للشخصيات البارزة وزعماء العالم الذين حضروا بفارغ الصبر لتوديعه، هو الخطاب الأبرز والدليل الحي على درجة الاعتراف والاحترام الدوليين الذي حظي به.

الواقعية الاستراتيجية وعقيدة “التحالف مع الشيطان”

العبارة التاريخية الشهيرة “أنا متحالف مع الشيطان” استعارها الملك الراحل الحسن الثاني في أسلوبه الدفاعي العملي، في إشارة إلى أصولها عند الزعيم البريطاني ونستون تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية. وقد تم استعارة هذا المفهوم في سياق الدفاع عن مصالح المغرب العليا وقضايا وحدته الترابية.

مبدأ الحفاظ على الوحدة الترابية

وكان الملك الحسن الثاني يؤكد دائما أن الوطن والقضية الوطنية فوق كل اعتبار. وتتجسد مبادئه الدبلوماسية في أن أمن المغرب وكمال وحدته الترابية يبرران تشكيل تحالفات استراتيجية غير متوقعة، ونقل عنه قوله: “من أجل قضية الأمة، سأتحالف مع أي شخص، حتى مع الشيطان!”، وهو تعبير عن البراغماتية المطلقة في مواجهة خصم يسعى إلى إنهاك المملكة.

العلاقات الخارجية والقضايا اليهودية/الإسرائيلية

وكان هذا المنطق مرتبطاً بالقنوات الدبلوماسية السرية والعلنية التي قادها منذ الستينيات والسبعينيات. وبينما تبنت الأنظمة العربية الرسمية شعارات قومية متشددة، أعطى الحسن الثاني الأولوية للمصالح الوطنية المباشرة على القيود الأيديولوجية، معتقدًا أنه من أجل حماية مصالح المغرب العليا وتأمين التفوق في قضية الصحراء، كان خيارًا استراتيجيًا لا مفر منه التسلل إلى معسكرات العدو وطلب المساعدة من الجالية اليهودية في المغرب أو فتح قنوات اتصال مع مختلف القوى الدولية.

“حروب الرمال” والمفاجآت (قمة القاهرة 1964)

تجلت عبقرية الملك الحسن الثاني وحسه السياسي العالي بوضوح في أحداث “حرب الرمال” عام 1963. وفي هذا الوقت أرسلت مصر دعما عسكريا للجانب الجزائري بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر. وكان من بينهم أفراد عسكريون وطيارون، تم أسر بعضهم من قبل الجيش الملكي المغربي، بما في ذلك الجنرال حسني مبارك (رئيس مصر فيما بعد).

وفي عام 1964، عندما تم استدعاء الملك الحسن الثاني لحضور قمة القاهرة التاريخية وكان في استقباله في المطار الرئيس جمال عبد الناصر، أجاب بلباقة وفطنة دبلوماسية غير عادية: “سيدي الرئيس، لدي هدية لك”. ولدهشته، لم تكن الهدية سوى أولئك الذين أحضروا الضباط المصريين المعتقلين على متن طائرات خاصة لإعادتهم إلى وطنهم. لقد لخصت المبادرة رسالة سياسية بليغة عن تفوق المغرب وحكمته، وحولت الوضع الإقليمي المتوتر إلى لحظة دبلوماسية أربكت الخصوم، وأكدت قدرة الملك الحسن الثاني على إدارة أخطر الأزمات بهدوء ولباقة.

مبدأ “عدم الاستسلام” والتعبئة الوطنية الشاملة

وبالإضافة إلى البراغماتية والذوق الدبلوماسي، اتسمت خطابات الملك الراحل بالروح القتالية القوية والمبادئ التعبئة الثابتة. تتلخص هذه الفلسفة في خطابه المؤثر: “حتى لو زرعت شجرة، فإنك ستظل تستخدم العصا التي تخرج منها كسلاح”.
وقد تجلى هذا البعد العقائدي من خلال واجهتين إعلاميتين ودبلوماسيتين.

* واجهة الوسائط والبيانات الصحفية (ربما)

جاء هذا التصريح في سياق مقابلة صحفية في وقت كان فيه المغرب يشهد ضغوطا دولية (خاصة من بعض الجهات الفاعلة في الحكومة الأمريكية وجماعات الضغط الغربية في أواخر السبعينيات) للحد من مبيعات الأسلحة للمغرب.

* تحدي حظر الأسلحة: استخدم الفقيد هذا التعبير المجازي لجعل الرأي العام وصناع القرار الغربيين يفهمون أن حظر الأسلحة لا يعيق التعافي الإقليمي للمغرب.

* معركة الإرادات: تنقل هذه الجملة طابع التحدي الحكيم الذي يستعد فيه المغرب لتحويل طبيعة الأرض ذاتها إلى سلاح دفاع شعبي، مع التأكيد على أن هذه المعركة ليست مجرد معركة تكنولوجيا عسكرية يمكن تطويقها، بل هي معركة إرادات شعبية لا يمكن هزيمتها.

الواجهة الرسمية والخطاب الملكي

وقد تم التعبير عن هذا المبدأ في خطاب رسمي للأمة والقوات المسلحة البريطانية:

* يؤكد على مبدأ الاعتماد على الذات: المغرب لن يتنازل عن شبر من صحرائه حتى لو فُرض حصار مسلح أو حصار اقتصادي، مما يبعث برسالة حاسمة مفادها أن شعبه مستعد للقتال بأبسط الوسائل الطبيعية عندما يتم استنفاد الأسلحة التقليدية.

* الوحدة بين العرش والشعب: ارتباط دائم بين حماسة الشعب المغربي (التي تجسدت في المسيرة الخضراء) وقدرته على ابتكار وسائل الدفاع، باعتبار أن هذه المعركة ليست مجرد معركة بين الجيش والنظام، بل هي معركة وجودية لجميع المواطنين.

الحسن الثاني في المرآة الغربية

أجمع العديد من القادة والسياسيين الدوليين على الاستثناء الذي كان يتميز به الملك الراحل الحسن الثاني، ووصفوا فطنته السياسية وفطنته في إدارة الأزمات وآماله في تحقيق التوازن الدولي. وعند وفاته، وصف الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك الملك بأنه “رجل دولة عظيم قاده ذكاؤه وبصيرته إلى خدمة السلام والتنمية”، بينما رأى مخطط السياسة الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر أن الحسن الثاني كان يستشيره كبار زعماء العالم بسبب فطنته وحنكته السياسية ووعيه العميق بالصراعات الإقليمية والدولية. وفي نفس السياق، أشار العديد من الدبلوماسيين الغربيين إلى أنه يمارس السياسة بكاريزما نادرة تجمع بين الثقافة الفلسفية والشرعية التاريخية، وهو ما يجعل من المغرب شخصية صعبة وفاعلا رئيسيا في القضايا المعقدة مثل الشرق الأوسط والوساطة الدولية.

* التضحية بالكل من أجل الجزء: إيمانا منه بأن التنازل عن شبر واحد من الصحراء يعني التنازل عن سيادة المملكة بأكملها، رهن المغرب خططه الاقتصادية والتنموية، وأكد في مناسبات متعددة أنه على استعداد لحشد كل إمكاناته لضمان الوحدة الترابية.

وخلاصة القول، فإن شخصية الملك الراحل الحسن الثاني لها جوانب عديدة لا يمكن اختصارها بالكلمات أو المجلدات على الإطلاق. في هذا المقال؛ محاولة قصيرة للجمع بين الهيبة والدهاء السياسي في إدارة الأزمات (مثل حادثة أسير الحرب في السنة)، والواقعية والمرونة في التحالفات، ومقولة “القتال بالعصا من الشجر”، مما يسلط الضوء على التكامل الفريد للحسن الثاني في العبقرية الاستراتيجية، والرؤية الثاقبة التي أكسبته احترام القوى العظمى، والمرونة الخارجية التي أربكت الحسابات، في مقابل تعبئة الدولة الصلبة والرأي الشعبي الثابت في الداخل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button