أنس اليماحي: المنصوري يتولى رئاسة الحكومة: عندما يتجاوز المغرب عتبة التحديث السياسي من منظور دستوري

إن بلاغ وزارة الشرف الملكي الصادر يوم الثلاثاء 17 ربيع الثاني 1448 ميلادية، الموافق 29 سبتمبر 2026م، لم يكن بلاغاً بروتوكولياً عادياً، خاضعاً لأية حقوق تشريعية. بل إن تلك الجملة تضمنت حدثا غير مسبوق في تاريخ الدولة المغربية الحديثة. استقبل الملك محمد السادس، بالقصر الملكي بالرباط، فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الحداثة الحق، وعينها. وبحسب الفصل 47 من الدستور، سيتم تعيينها رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة. وبهذا التعيين تصبح المنصوري أول امرأة في تاريخ السعودية تتولى منصب الرئاسة التنفيذية، في هذه اللحظة التي يلتقي فيها الزمن السياسي بالزمن الاجتماعي، وتتحول عقود من الآفاق المنشودة إلى حقائق مؤسسية قائمة.
إن التفسير الحداثي لهذا الحدث غير صحيح إذا كان يحتفل فقط بجنس المسؤول. وذلك لأن جوهر الحداثة السياسية، كما يرتكز عليها الفكر الحديث، لا يكمن في الشعارات، بل في طبيعة الشرعية التي هي أساس السلطة. عندما ميز ماكس فيبر بين العقيدة التقليدية، والعقيدة الكاريزمية، والعقيدة القانونية العقلانية، كان يرسم بعمق خط انتقال من مجتمع حيث يتم توزيع المكانة وفقا للانتماء والنسب والخصائص الجينية إلى مجتمع حيث يتم توزيع المكانة وفقا لقواعد مجردة، وإجراءات معروفة، ونتائج قابلة للقياس. ومن هذه الزاوية بالتحديد تأخذ حادثة 29 سبتمبر معناها العميق. ولم تصبح المنصوري رئيسة للحكومة من خلال آلية تمييز نشط أو قائمة مخصصة للنساء، بل من خلال نفس الإجراء الذي اتبعه أسلافها من الرجال، حيث فاز حزبها بـ 97 مقعدًا من أصل 395 في مجلس النواب وخرج على القمة في تصويت 23 سبتمبر. وهنا تصبح حقيقة أن رئاسة الوزراء امرأة أمراً مسلماً به لا يضيف شيئاً إلى شرعيته ولا ينقص منه شيئاً، ويصبح الجنس محايداً أمام القاعدة، علامة على النضج الحديث.
لقد أعد دستور المغرب لعام 2011 لهذه اللحظة قبل 15 عاما من وقوعها. وينص الفصل 47 على قيام الملك بتعيين رئيس وزراء من الحزب الذي قاد الانتخابات النيابية، وتعيين رئيس الوزراء بناء على النتائج، وصياغة القواعد بلغة مؤسسية مجردة لا تهتم بهوية الشخص بل بموقع الحزب على الخريطة الانتخابية. وبالإضافة إلى هذا الحياد الإجرائي، أرسى الفصل 19 مبدأ تمتع الرجال والنساء على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، مما يلزم الدول بالسعي لتحقيق مبدأ المساواة، وتحقيقًا لهذه الغاية أنشأ الهيئة التي ينظمها الفصل 164 لمكافحة المساواة وجميع أشكال التمييز. وفي الوقت نفسه، دعا الفصل 30 إلى تشجيع تكافؤ الفرص بين المرأة والرجل في الوصول إلى المناصب الانتخابية. السيناريو كان جاهزاً، وكان على الواقع أن يلحق به، وهذا ما حدث اليوم. ولعل اللافت في هذا التعيين أنه تم دون الحاجة إلى أي تفسير استثنائي للوثيقة الدستورية، بل باعتباره تطبيقاً حرفياً للدستور، مما يمنحه متانة مؤسسية تتجاوز أي قرار رمزي فردي.
لكن المرأة المغربية حاضرة في فضاءات صنع القرار منذ نشأة البلاد، ولا يمكن للمؤرخين أن ينظروا إلى هذه الحادثة على أنها قطيعة مع الماضي. وارتبط تأسيس الدولة الإدريسية باسم كنزة الأوليبية التي حافظت على استمرارية الحكم بعد وفاة إدريس الأول ورعى نقل الدولة إلى ابنه. عُرف في العهد المرابطي بزينب النفزاوية، وتقول المصادر إنه كان قوي الرأي وشارك بفعالية في إدارة شؤون الشاه مع يوسف بن تاشفين. وفي القرن السادس عشر، حكمت سيدة الحولة مدينة تطوان لما يقرب من 30 عامًا. واجهت وأدارت الطموحات الإيبيرية على الساحل الشمالي، وقادت الأنشطة البحرية، وأقامت علاقات خارج المجال المحلي، وأصبحت واحدة من الأمثلة النادرة لامرأة تمارس السلطة السياسية باسمها في الغرب الإسلامي. وفي العصر العلوي، لعبت كناة بنت بكار دورًا سياسيًا وعلميًا مؤثرًا في عصر ما بعد المولى إسماعيل. وقادت الحركة الوطنية مليكة الفاسي إلى تسجيل اسمها باعتبارها المرأة الوحيدة التي وقعت على وثيقة تطالب بالاستقلال عام 1944، كما حمل خطاب الأميرة للا عائشة في طنجة عام 1947 رسالة رمزية قوية حول مكانة المرأة في مشروع استقلال المغرب.
وفي عصر الدول القومية الحديثة، تم بناء هذا المسار، ولو ببطء. وكانت آخر مرة أصبحت فيها امرأة عضوا في البرلمان عام 1993 مع بديعة الصقري ولطيفة بناني سمرز. دخلن الحكومة في عام 1997، عندما تم تعيين أربع وزيرات للخارجية. ثم، في عام 2000، تم تعيين زليخة نصري كأول مستشارة لجلالة الملك. وكان اعتماد السجل الوطني في عام 2002 بمثابة نقطة تحول في تمثيل المرأة في مجلس العموم حتى صدور قانون الأسرة في عام 2004 لإعادة هيكلة العلاقات داخل الأسر على أساس المسؤولية الجماعية. وفي عام 2003، أصبحت أسماء الشعبي أول امرأة تتولى رئاسة مجلس مدينة الصويرة، وفي عام 2009، تم انتخاب فاطمة الزهراء المنصوري عمدة لبلدية مراكش. وبعد صدور دستور 2011، أصبحت نبيلة منيب أمينة عامة للحزب في عام 2012، خلفا لزوهوا الشكافي، التي تولت نفس الدور في الحزب الاشتراكي الديمقراطي في عام 2007. وحدثت لحظة رائعة في عام 2021 عندما تولت امرأة المقعد الأول في البرلمان. ومع تجميع أكبر ثلاث مدن في المملكة، الرباط والدار البيضاء ومراكش، تولت نادية فتاح العلوي الحقيبة الاقتصادية والمالية لأول مرة في تاريخ البلاد. وبالتالي فإن تعيين السيد المنصوري اليوم هو تتويج لمنحنى تراكمي وليس محض صدفة.
ولا ينفصل هذا المسار عن التوجيهات الملكية التي جعلت من قضايا المرأة المحور البنيوي لمشروع التحديث منذ بداية العهد الجديد سنة 1999. وولد قانون الأسرة في أكتوبر 2003 في خطاب الملك أمام البرلمان، ثم أعقبه رفع المغرب تحفظاته على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ثم صدور دستور 2011 الذي يتضمن مبدأ المساواة. وأكد جلالة الملك، في خطاب تتويجه عام 2022، أن تمكين المرأة ومشاركتها الكاملة في مختلف المجالات ليس منة على أحد، بل هو حق تقتضيه المواطنة وتفرضه متطلبات التنمية، ودعا إلى إعادة النظر في قانون الأسرة بما يتوافق مع روح الدستور ومتطلبات العصر. ولذلك فإن تعيين المنصوري يندرج ضمن المنطق المرتبط بمؤسسة ملكية مكرسة للمنهجية الديمقراطية نصاً وتطبيقاً، ومساراً إصلاحياً يجعل المرأة شريكاً كاملاً في بناء الوطن. وبدون استثناء، كانت هذه النتيجة نتيجة طبيعية لتطبيق القواعد.
وعلى المستوى الدولي، اكتسبت صورة المغرب بعدا جديدا بهذا التعيين، يصعب على المراقبين الخارجيين تجاهله. باعتبارها دولة عربية إسلامية إفريقية متوسطية ذات نظام ملكي قديم، تقدم المملكة العربية السعودية للعالم نموذجا يدحض الفرضية الاختزالية المتمثلة في الجمع بين السلطة الدينية والتقاليد السياسية من جهة واستبعاد المرأة من مناصب صنع القرار من جهة أخرى. فالأمير الأمين هو الذي عين امرأة لرئاسة السلطة التنفيذية، موجهاً رسالة بليغة مفادها أن شرعية الأمة التاريخية والدينية لا تتعارض مع خيار الحداثة، بل يمكنها أن تكون الضامنة لها. وإذا كانت التجربة العربية حتى اليوم عرفت تعيين نساء كرئيسات للحكومة في أوضاع استثنائية أو تكنوقراطية، فإن تفرد المغرب يكمن في أن رئيسة الحكومة خرجت من رحم حزب سياسي يجري انتخابات تنافسية وفي ظل قواعد دستورية مستقرة. ويأتي ذلك في سياق الحضور المتنامي للمغرب في بيئة تحيط بها أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، والاستعدادات لاستضافة كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، مما يجعل صورة المغرب الحديثة جزءا من توازنه في القوة الناعمة والدبلوماسية العامة.
لكن الأمانة العلمية تقتضي ألا تتحول القراءات الحداثية إلى احتفالات تحجب القضايا الصعبة. لأن العلامة الحقيقية للحداثة ستتجسد في أن فاطمة الزهراء المنصوري ستُحاسب غداً ليس كامرأة، بل كرئيسة حكومة، وأن تقييم إنجازاتها سيتم وفق معايير الكفاءة والالتزام بالتخطيط والقدرة على بناء أغلبية متناغمة.
فمن سيدة الحورة التي حكمت تطوان قبل خمسة قرون، إلى المنصوري الذي يحمل اليوم مفاتيح السلطة التنفيذية في الرباط، يبدو أن التاريخ المغربي يستعيد خيوطا قديمة ويعطيها صيغة دستورية حديثة. والسؤال اليوم لم يعد ما إذا كانت المرأة المغربية قادرة على قيادة الحكومة، لأن الوقائع هي التي حددت ذلك. بل السؤال هو ماذا ستفعل هذه الحكومة بالثقة التي منحت لها، وكيف تحول هذه اللحظة الاستثنائية والرمزية إلى مسار إصلاحي يليق بمغرب يريد أن يكون حديثا في مؤسساته، وأصيلا في جذوره، وواثقا في مكانته بين الأمم.
#أنس #اليماحي #المنصوري #يتولى #رئاسة #الحكومة #عندما #يتجاوز #المغرب #عتبة #التحديث #السياسي #من #منظور #دستوري




