المغرب يتغير.. هل تستطيع السياسة أن تواكب تساؤلات الشعب؟

الخط:
لا يمكن لأي عاقل أن ينكر التحول الذي يعيشه المغرب اليوم. وتم إطلاق مشاريع واسعة النطاق في جميع القطاعات، ويتقدم تطوير البنية التحتية بسلاسة، وتجري الاستثمارات في مختلف المجالات.
لكن في خضم ديناميكية الحركات والمؤسسات، يبقى السؤال الذي يلوح في أذهان الكثيرين: هل الجدل السياسي الحالي يتماشى مع ما يحدث بالفعل في هذا البلد؟
ولا يكفي الحديث عن مشاريع كبرى وشخصيات اقتصادية والاعتقاد بأن الصورة كاملة. قد يرى المواطنون طرقًا جديدة مفتوحة لربط العديد من المدن، لكن الأحياء قد لا تزال تعاني من ضعف وسائل النقل ونقص وسائل الراحة. كثيرًا ما يسمع الناس عن التقدم في الخدمات الطبية، ولكن قد يستغرق الأمر أحيانًا أسابيع للحصول على موعد مع أخصائي في مستشفى محلي أو جامعي. وتدرك العائلات أيضًا ورش العمل الخاصة بالإصلاح التعليمي، بينما تسعى أيضًا للحصول على دعم إضافي لأطفالها لمواصلة دراستهم إذا لزم الأمر.
كل هذه الأمثلة لا تنفي وجود المبادرة، ولا تنفي مجموعة النتائج، لكنها تمنح الناس الشرعية لطرح أسئلة مهمة: كيف تؤثر آثار هذه الورش على حياتهم اليومية؟ ومتى سيشعرون بذلك في حياتهم وقدراتهم الشرائية؟
وطرح هذه الأسئلة لا يعني التشكيك في الجهد أو إنكار ما تم إنجازه. بل إن النقاش الصريح يتطلب معرفة ما نجح بالفعل وما الذي لا يزال راكداً. الأرقام مهمة، لكنها لا تحكي القصة بأكملها. يجب علينا أيضًا الاستماع إلى نبض المجتمع وما يعيشه الناس يوميًا.
الجواب الذي نسمعه كثيرًا هو “الأمر يستغرق وقتًا أطول”. وهذا صحيح في كثير من الحالات، ولكن من حق الجمهور أن يعرف ما الذي تم إنجازه، وما الذي تأخر، ولماذا.
ليست هناك حاجة للمسؤولين لتقديم صورة كاملة عن كل شيء. إن الاعتراف بالتأخير أو الخطأ وبيان سببه والخطوات المتخذة لمعالجته ليس دليلاً على الفشل أو الضعف. على سبيل المثال، في حالة تأخر تنفيذ مشروع ما، يحق للمقيمين معرفة ما إذا كانت المشكلة بسبب سوء الإدارة أو نقص التمويل أو عدم التنسيق بين الجهات، وما هو الموعد النهائي الجديد لإنجاز المشروع. وفي بعض الحالات، فإن الشيء الذي يقوض الثقة أكثر من غيره هو الادعاء بأن الأمور تسير على ما يرام عندما يعتقد الجمهور العكس.
فالسياسة لا تستعيد ثقة الناس بالشعارات وحدها. بل عليك أن تشرح قراراتك واختياراتك: لماذا تم اتخاذ هذا القرار. من سيتأثر بشكل مباشر؟ ما هي التدابير اللازمة للتأثير بشكل مباشر على الفئات الضعيفة؟
ومن الأمور التي تجعل الناس أكثر حيرة هو الغموض وعدم وجود تعريفات دقيقة للمسؤولية. عندما ينجح المشروع، يتنافس العديد من أصحاب المصلحة على الائتمان، ولكن عندما يحدث تأخير أو أوجه قصور، يصبح من الصعب معرفة من المسؤول عن القرارات والتنفيذ. وعندما تستمر عيوب الطرق لفترة طويلة، أو عندما تتعطل المرافق العامة بشكل يمنع المستفيدين من تحقيق مصالحهم، فلا ينبغي للمواطنين أن يستمروا في التنقل بين الإدارات دون معرفة من المسؤول عن معالجة العيوب. لذلك، يجب على الحكومة والأحزاب السياسية والنواب المنتخبين والإدارة توضيح أدوارهم، وعلى كل طرف أن يتحمل مسؤوليته.
المحاسبة ليست تصفية حسابات، بل هي وسيلة لمعرفة أسباب فشل بعض الاختيارات وتحديد ما يجب تغييره لتجنب تكرار الأخطاء. إذا تبين أن تقديراتك خاطئة، فمن المفيد الاعتراف بذلك والبحث عن حل أفضل بدلاً من الاستمرار في تقديم الأعذار.
على الأحزاب أن تبدأ من الداخل. ولا يمكن للأحزاب السياسية أن تتحدث عن الديمقراطية وتكافؤ الفرص إلا إذا أقنعت ممارساتها الداخلية الشعب. ولا يتابع المواطنون الخطاب الانتخابي والخطط الانتخابية فحسب، بل يراقبون أيضًا كيفية اختيار المرشحين، وكيفية نقل المسؤوليات، ومدى التسامح مع النقد والخلاف.
لا ينبغي أن يقتصر الحديث عن النساء والشباب على الصور والحملات الانتخابية. المشاركة الحقيقية تعني أن يكون لك رأي في البرامج والقرارات، وأن تتاح لك الفرصة لتولي المسؤولية وتقديم الأفكار. ويتعين على الشابات أو الرجال الذين لديهم أفكار لمشاريع محلية أن يجدوا مكاناً يمكن من خلاله سماع أصواتهم، بدلاً من قصر مشاركتهم في السياسة على المشاركة في الحملات والتصويت. وإذا كان دور الشباب يقتصر على الحضور والتصفيق، فلا عجب أن تظل السياسة بعيدة عنهم.
ففي نهاية المطاف، تحسين خطابك لا يكفي لإقناع الناس. وما يقنعهم هو وجود مسؤولين يشرحون، وأحزاب سياسية تقدم البدائل، ومؤسسات مفتوحة للنقد، وقرارات يحاسب عليها من يتخذها. إن المغرب يتحرك بالفعل في الاتجاه الصحيح، ولكي يحدث هذا، تحتاج السياسة إلى مواكبة تحوله، بمزيد من الوضوح، ومسؤولية أوسع، ومن خلال الاستماع الحقيقي إلى أسئلة الناس. الثقة لا تبنى بالوعود، بل تبدأ عندما يشعر المواطنون أن أصواتهم مسموعة، وأن أسئلتهم مشروعة، وأن لديهم إجابات.




