“شهرزاد المغربية التي لم تفاوض الخوف” سيرة المفكر الذي خلق الحركة النسوية المنسجمة مع التقاليد

تم النشر في 29 سبتمبر 2026
|
آخر تحديث: 23:22 (بتوقيت مكة)
تنتمي عالمة الاجتماع المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي (1940-2015) إلى جيل من الكتاب المثقفين العرب الذين كانوا الأكثر إبداعا على مستوى البحث السوسيولوجي. كتاباتها غنية من حيث الكم والنوع، حيث استبدلت علم الاجتماع الأكاديمي الصارم بعلم اجتماع تنقيب يتعمق في الحريم والإسلام والديمقراطية والأيديولوجية والمرأة والجسد.
وشكلت هذه المواضيع الأفق لبناء مشروع سوسيولوجي انبثق من الجامعة ليخترق نسيج الثقافة العربية الحديثة.
القصص الموصى بها
قائمة من عنصريننهاية القائمة
هذا المشروع العلمي جعل من المرنيسي أحد الشخصيات البارزة في تاريخ علم الاجتماع المغربي. وفي السنوات الأخيرة من حياتها، حرصت “شهرزاد” المغربية على تحرير كتاباتها من الرقابة الأكاديمية الصارمة، والتوجه إلى النصوص الحفرية، التي أعطت قيمة أكبر للجسد على حساب الروح.
إننا ننظر إلى أعمال مثل «نساء على أجنحة الأحلام»، و«شهرزاد غربًا»، و«السلاطين المنسيون» باعتبارها أعمالًا تحررت من علم الاجتماع الكلاسيكي الذي مارسه في السنوات الأولى لبول باسكون وعبد الكبير الخطيب. بمعنى آخر، إنه عمل لم يعد يعتمد على منهج سوسيولوجي بحت في تحليل الظواهر الاجتماعية، بل يتعامل مع التاريخ كبنية للتحليل، ومع الأفكار كآلية لإدانة الواقع وتقويضه.
استكشاف الحريم السياسي
اتخذت كتابات فاطمة المرنيسي حول الحريم السياسي طابعا تنقيبيا، مما أعطى قيمة معرفية للماضي، إذ اجتهدت في تفكيك الحريم والكشف عن مكانته من خلال مفاهيم مرتبطة بالحريم في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية.
لم يكن هذا الاتجاه الأيديولوجي يعني المرنيسي وحده، بل كان يهم العديد من علماء الاجتماع المغاربة الذين وجدوا أنفسهم، منذ السبعينيات فصاعدًا، يكتبون نصوصًا فكرية أصلية تجاوزت التحليل السوسيولوجي الجاف.
ومع ذلك، فإن هذا الاختيار الأنطولوجي للانتماء إلى الأيديولوجيا على حساب علم الاجتماع لم يكن مجرد نتيجة للتأمل الذاتي، بل كان يحتوي في حد ذاته على جروح عميقة. أدت اللوائح الرسمية المفروضة على علم الاجتماع في ذلك الوقت إلى إغلاق معهد علم الاجتماع في عام 1970.
وقد وجد الباحثون أنفسهم مجبرين على التخفيف من لهجتهم الانتقادية وتقاريرهم الميدانية التي تكشف حقائق السلطة والأجساد والدين والمؤسسات الاجتماعية.
لم يكن اختيار المرنيسي لاستكشاف موضوع «الحريم» مدفوعًا بالتحريم فحسب، بل تبين فيما بعد أنه خيار شخصي وأكاديمي فتح جبهة قوية لمناقشة التراث الفكري للغرب الحديث. تعتبر مؤلفة هذا الكتاب (ما وراء الحجاب: الجنس كتكنولوجيا اجتماعية) ناقدة لاذعة للمنظور الاستشراقي الغربي الذي طالما نظر إلى المرأة العربية المسلمة وفق آلية أيديولوجية تحصرها في إطار “الغرابة” التي أدامها القلم المستشرق منذ نهاية القرن التاسع عشر.
ولم يكن هذا الاختيار محصنا ضد تأثير الوضعية السياسية التي كان يعيشها المغرب آنذاك، والتي أثرت على مسار علم الاجتماع المغربي بعد أن وضع محمد جاسو وبول باسكون وعبد الكبير الخطيبي وفاطمة المرنيسي أسس سوسيولوجيا وطنية متحررة من المصطلحات الإيديولوجية الغربية، نحو الانفتاح على واقع المغرب الكبير وما يحمله من معضلات وانقسامات. ولم تستخدم المرنيسي المغرب وحده كمختبر لتفكيرها، بل استخدمت الجغرافيا العربية الإسلامية أفقا لطرح الأسئلة الحارقة حول مصير المرأة والديمقراطية ومفاهيم الحداثة.
خطاب اجتماعي مرن
وفي حديث خاص للجزيرة نت، قال المعلق والباحث الدكتور يحيى بن الوليد إن فاطمة المرنيسي تمكنت من تأمين تداول مستقل لخطابها على نطاق واسع، مما أكسبها شهرة عالمية. وفي عام 2011، صنفتها صحيفة الغارديان البريطانية ضمن أكثر 100 ناشطة نسائية تأثيرًا في العالم.
ويضيف بن الوليد: “لم تقع المرنيسي في فخ الإصرار على استئصال السياق الديني أو استفزازه أو إهداره في أي من كتاباتها أو مداخلاتها. وبفضل الطبيعة المرنة والفكرية لتحليلها، لم تدعو أيضا إلى “ثورة نسوية تسبق ثورة اجتماعية”، كما رأت سيمون دي بوفوار في النسوية الغربية”.
طوال مسيرتها المهنية، واصلت المرنيسي الانخراط بانتظام في النقد النسوي، متجنبة فخ الجدل مع منتجي “أسلمة المرأة” القائم على الصراع والمنافسة. من وجهة نظرها، الرجال ليسوا دائما العدو. لأن الرجال هم ضحايا التفكير الذكوري الساحق. ولذلك وجهت نقدها إلى التفسيرات الذكورية للإسلام و”الرأسمالية الخاضعة”.
وتابعت مؤلفة كتاب “فاطمة المرنيسي: سياقها المغربي” حديثها على قناة الجزيرة قائلة: “مهما أحاط بها الجدل، ارتقت لتبلور خطابا قويا يعتمد على النقد الفكري والتفسير التاريخي، دون الاعتماد على أي مؤسسة غير مؤسسة فكرية، ودون إغفال دعم الخيال ونكهة الثقافة الشعبية والتجربة الشخصية”.
ولهذا السبب، اكتشف المرنيسي طريقة للخروج من “الانغلاق المعرفي الأكاديمي” والبحث المتمحور حول الذات، واتجه نحو ما يمكن أن نطلق عليه “المعرفة الملتزمة”. يشير بن الوليد هنا إلى مقال لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو («من أجل المعرفة الملتزمة») قال فيه إن التمييز بين المعرفة والالتزام كان تمييزًا مصطنعًا، وأن هذا الالتزام هو الذي جعل عمل المرنيسي «يبث الهواء في التحليل» ويساعد على إبعاده عن اللغة الغامضة.
الخوف من العصر الحديث
ويبدو أن هذا الاتجاه المعرفي محدد بوضوح في كتابها «أهوال الحداثة: الصراع بين الإسلام والديمقراطية» الذي صدر مؤخرا بالترجمة العربية بتوقيع الحسين صبان وهدية محمد التوزي. يستبدل المرنيسي وسائل الفحص السوسيولوجي الميداني بأدوات التحليل الفكري، ونتيجة لذلك تتحول الكتابة إلى خطاب فكري يتعامل مع الظواهر الاجتماعية باعتبارها مشكلات فكرية فلسفية.
في كل سطر من كتاب (رعب الحداثة)، تؤكد مؤلفة (الحريم السياسي) على التنقيب والنهج التاريخي الذي اعتمدته، مما يجعل التاريخ أرضا خصبة للإلهام من السياق، وتتوقف عند أحداث سياسية محددة لفهم كيفية تأثيرها على المسار التاريخي للأفكار والمعتقدات، مما يسمح للقارئ باكتشاف عمق ظاهرة لا تبدأ بالواقع المباشر بل بالتاريخ.

ورغم أن هذا الأسلوب التاريخي تلقى انتقادات كبيرة من علماء الاجتماع الكلاسيكي الذين يعتقدون أن علم الاجتماع يبدأ في الحاضر في تفكيك الواقع بناء على معطيات داخلية، فإن الوعي بهذه المفارقة دفع فاطمة المرنيسي في عملها الأخير إلى عدم حصر عملها في نطاق علم الاجتماع الجاف. لقد اعتمدت على الكتابة الذكية التي تنتقل بين العلوم الإنسانية والاجتماعية، مما يمنح القراء متعة تلقي الكتب الذكية وكأنها قصص تروى، ولكنها قصص تستغني عن السرد لصالح التخمين والتحليل التاريخي.
وسوف يفاجأ قراء هذا الكتاب (الخوف من الحداثة) بمحاولات المرنيسي تفسير العلاقة بين الإسلام والديمقراطية من خلال تفكيك الإشكاليات التي تعيق هذه الازدواجية. إن الغرب، والطاعة، وحرية الفكر، والفردية، والحجاب، يضفي على هذا الاستحالة طابعاً تاريخياً بحتاً.
وفي هذا الصدد يقول عالم الاجتماع الدكتور محمد توجي في مقدمة هذا الكتاب:
وكما أعطى المرنيسي قيمة للمفهوم المركزي للخير، فقد أعطى عمدا قيمة إيجابية لمفاهيم مثل الشرك والعاطفة. إحياء عصر ما قبل الإسلام من خلال تحليل دقيق للآلهة الأنثوية، ونسج الوحدة المختلطة لعرب ما قبل الإسلام، والخوارج، والخلج، والمعتزلة، ويقدم تحليلاً عميقًا ومتفجرًا لقواعد القوة في البلدان الإسلامية وإمكانيات تحقيق التحرر الاجتماعي والتحديث.
هذا التحول المعقد لعجلة الزمن (لاحظ أن هذا الكتاب كتب في الأصل عام 1992) يمنح النص خصوصيته وتحديه الفكري. وهو ليس مجرد نص عابر، بل هو مختبر تخرج منه الرسالة وترسم مسارها وفق ثالوث الحداثة والديمقراطية والإسلام. ومن وجهة نظر المرنيسي، فإن الخوف من الحداثة له ظروف تاريخية، وأزمة الخوف تنبع من الماضي، وليس من رفضنا لها في الحاضر. ولذلك لا بد من الاهتمام بتفكيك مشاكل الماضي لتطهير المجتمع من التعصب ودعم إسلام منفتح لا يخاف من الحداثة وملذاتها.
#شهرزاد #المغربية #التي #لم #تفاوض #الخوف #سيرة #المفكر #الذي #خلق #الحركة #النسوية #المنسجمة #مع #التقاليد



