سياسة

على شاشات القنوات الإسبانية.. دعاية انفصالية متنكرة في صورة تحليل لمهاجمة المغرب

وبدت حلقة برنامج “إسبيجو بابليكو” فرصة للنقاش بهدوء حول العلاقة بين المغرب وإسبانيا، في ظل وجود آراء متباينة، تماشيا مع الطبيعة المعقدة للملف. لكن، ومع انعدام شروط الحوار المتوازن وعدم رغبة المعارضة في الاستماع إلى وجهات النظر المعارضة، تحولت التعددية الإعلامية إلى مجرد شكلية على الشاشة.

وقدمت الإذاعة الإسبانية للضيف الانفصالي لقب “محلل سياسي وناشط صحراوي”، لكن هذا التحليل سرعان ما تلاشى أمام صرخات السلطات. وبمجرد أن حاولت بياتريس ميسا تحويل هذه القصة إلى تدقيق للحقائق، تحول النقاش إلى سلسلة من المقاطعات الصوتية التي تجاوزت جوهر الفكرة.

لم يكن هذا الأكاديمي الإسباني مجرد داعية تدخلي عابر يقدم رأيًا غير رسمي حول المنطقة، بل كان أستاذًا باحثًا حاصلًا على درجة الدكتوراه. حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية وما يقرب من عقدين من الخبرة الميدانية في تتبع التغيير السياسي في المنطقة. ومن ناحية أخرى، اختار النشطاء الانفصاليون دمج الصراع الملفق في مصطلح “الإبادة الجماعية” دون الاعتماد على البيانات أو الحقائق الملموسة لإثبات ادعاءاتهم.

وحاولت بياتريس ميسا تذكير الحضور بحقيقتين نادراً ما يتم ذكرهما في وسائل الإعلام الإسبانية. الأول يتعلق بكون الوحدة الترابية للمملكة المغربية ليست ورقة مساومة صالحة في الوجدان المغربي، والثاني يؤكد أن جبهة البوليساريو لا تمثل كامل السكان الصحراويين، نظرا لأن العديد منهم يتمسكون بعلاقات قوية مع المغرب. اختارت المتحدثة مواجهة هذه الحجة بمقاطعة خطابها والتدخل فيه بشكل مباشر.

وأعرب الباحثون عن احتجاجهم الواضح على هذا النهج ودعوا إلى خوض النقاش في إطار من الاحترام المتبادل. وقدم الناشط الانفصالي ردا فاترا، مدعيا أنه يرفض الاستماع لمن يروجون لـ “خطاب الكراهية” من أجل التنديد بأي موقف يخالف موقفه واستبعاد الآراء الأخرى.

لقد تخلى “أنتينا 3” عن القواعد الأساسية للنقاش الإعلامي الاحترافي القائم على تكافؤ فرص التعبير. فبينما قدمت بياتريس ميسا تحليلاً أكاديمياً مدعوماً بالخبرة الميدانية يتناقض مع النهج الأحادي الجانب السائد على الساحة الإسبانية، اكتفى علي سالم بتوجيه الاتهامات والحفاظ على المقاطعة لإحباط عملية التدقيق، وبالتالي سمح للقناة بأن تسود مزايدات الميدان على صوت التحليل المحايد.

من ناشط انفصالي إلى راعي الهضبة

ولد طالب علي سالم بمخيم تندوف عام 1992. وهاجر إلى إسبانيا وهو في العاشرة من عمره في إطار برنامج “أعياد السلام” واستقر لاحقا في مدريد، حيث برز كناشط وكاتب مؤيد للمقترحات الانفصالية. وتكشف بيانات الناشر الذي يعمل لديه أنه تلقى تدريباً في مجال التعاون الدولي والمساعدات التنموية.

لكل فرد الحق في التعبير عن رأيه في النزاع الذي هو من صنع الإنسان على الصحراء، لكن الصدق يقتضي تحديد هويات المتدخلين بوضوح. وهذا الرجل طرف مباشر في الصراع ويتبنى الأجندة المعلنة. وتكمن المغالطة في قيام المنصات الإعلامية بخلط النشاط السياسي مع التحليل المستقل مع تجاهل المعايير التحريرية الصارمة.

من الطبيعي أن يكون للمحلل السياسي معتقدات خاصة، لكن الفرق بينه وبين الداعية يكمن في التزامه بمنهج دقيق. يتطلب العمل التحليلي التمييز بين الحقائق وتفسيرها، واستخلاص النتائج على أسس موضوعية، والتعرف على الحقائق المثبتة في الميدان.

واتبع الناشط طريقا متناقضا، متجاهلا دعم أغلبية الصحراويين لوحدة أراضي المغرب ورفضهم للانفصال. وتعرف منطقة الصحراء الجنوبية بمشاركتها الصحراوية الحماسية في مختلف الانتخابات، والإدارة العامة للإقليم، والتمثيل البرلماني في المؤسسات الدستورية، نافية أي وهم بأن سكان المنطقة ممثلون حصرا.

تكرار المزايدة والتواطؤ الإعلامي

ولا تعد هذه الحادثة أول زلة تلفزيونية للرئيس نفسه، إذ سبق له أن قال في برنامج “هوريزونتي” على قناة “كواترو” يوم 31 يوليو/تموز الماضي، إن مدريد تمتلك الوسائل اللازمة “لتدمير المغرب سياسيا واقتصاديا”.

وقد مرت هذه الدعوة التحريضية دون معارضة كبيرة داخل الهضبة، مما دفع الأكاديمي والناشط السياسي حسن حداد إلى التوجه إلى المؤسسات الصحفية المتخصصة في إسبانيا. وأحالت رابطة الصحافة بمدريد الشكوى إلى لجنة التحكيم وأخلاقيات المهنة للبت في المخالفات المسجلة.

وتصاعدت حدة اللهجة في فترة قصيرة من الزمن، من دعوات لاستهداف الدولة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 40 مليون نسمة، إلى توجيه اتهامات بارتكاب “إبادة جماعية”. السيناريو نفسه تكرر بين قناتي “كواترو” و”هوائي 3”، حيث استضافت المتحدثين ومنحتهم صفة الخبراء دون إخضاع تصريحاتهم للتدقيق الصحفي.

وقد عرضته القناة بشكل متكرر حول القضايا المغربية بعد أن وصف سابقًا أزمة المهاجرين في سبتة المحتلة بأنها “عملية مدبرة” من قبل الرباط، وادعى أن هناك مناقشات في المملكة حول “استعادة الأندلس”، وادعى أن المغرب يحاول إثارة الاضطرابات لاختبار قدرة إسبانيا على الرد.

إن الظهور المتكرر في وسائل الإعلام يضفي مظهر الخبرة على خطاب دعائي خالص، لكن التكرار لا يجعل الدعاية السياسية تحليلاً موضوعيًا، وتقديم الضيوف على أنهم “محللون” لا يحرر قنوات المساءلة من أجل التحقق من الصحة والكفاءة المهنية.

ونشرت أرماني تدوينة بعد البث، هاجمت فيها الباحثة بياتريس ميسا وزعمت أنها تتجنب الدفاع عن المغرب. وهذه مفارقة تعكس حجم التناقض، إذ ثبت للمشاهد أنه لم يتمكن من إكمال أفكاره بسبب مقاطعاته الصاخبة.

تتمتع المنصات الإعلامية بحرية اختيار ضيوفها، لكن المهنية تمنعها من تقديم الناشطين ذوي الميول الحزبية في صورة خبراء محايدين، أو الترويج لاتهامات خطيرة دون تقديم أدلة، أو إسكات الأصوات الأكاديمية المحايد. ويجب أن تلزم التعددية الإعلامية أصحاب المصلحة بتقديم الحجج المقنعة وتمهيد الطريق أمام الجميع للتعبير عن آرائهم بشكل عادل، مع التصدي لمحاولات مصادرة الأصوات الصحراوية.

محرر فايزة جورو

24 أغسطس 2026 الساعة 18:45


#على #شاشات #القنوات #الإسبانية. #دعاية #انفصالية #متنكرة #في #صورة #تحليل #لمهاجمة #المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button