سياسة

المبادرة الأطلسية: تعزيز موقع المغرب في منطقة الساحل والصحراء

وأعلن المغرب، في 6 نوفمبر 2023، عن مبادرة لمساعدة دول الساحل على الوصول إلى المحيط الأطلسي، مع التركيز على مالي وتشاد والنيجر وبوركينا فاسو. ويسعى المغرب إلى تعظيم دوره في منطقة الساحل والصحراء من خلال المبادرة الأطلسية، خاصة بعد أن تضاءلت آفاق الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، مستفيدا من الانهيار التدريجي للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) لتشكيل كتلة إقليمية تضم 85 مليون شخص بعد انسحاب بوركينا فاسو والنيجر ومالي.

إعادة تشكيل منطقة الساحل وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى

ويرى البعض أن هذه المبادرة تهدف بالأساس إلى ردع الجزائر عن محاولة عزل المغرب مع حلفائها، خاصة بعد قبول مشروع إنشاء اتحاد مغاربي مصغر يقتصر على تونس وليبيا والجزائر في نوفمبر 2023. وتخشى الجزائر من تداعيات ربط منطقة الساحل بالمحيط الأطلسي، خاصة على الدول الحدودية التي طالما اعتبرتها ساحتها الخلفية، مثل مالي وتشاد. من ناحية أخرى، يحرص المغرب على المشاركة في الديناميكيات التي تعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية لمنطقة الساحل وجنوب الصحراء الكبرى، حيث تحدث موجة جديدة من الانقلابات، يغذيها بشكل أساسي تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، تهدف مبادرة المغرب الأطلسية إلى المساهمة في تعزيز أسس الاستقرار السياسي بالمنطقة، مما يمكن أن يساعد في تعزيز نفوذ المغرب في تشاد، وكذا تطوير العلاقات مع مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي لم تبق في المستوى المطلوب.

ولذلك، يراهن المغرب على الاستجابة للتحديات الأمنية المشتركة من خلال تعزيز نفوذه الأمني ​​في المنطقة، بما في ذلك من خلال المساعدة في احتواء الشبكات الإرهابية العابرة للحدود الوطنية وتدفقات الهجرة غير النظامية، من خلال الاستفادة من الأدوات الناعمة مثل برامج قوات الأمن والتدريب العسكري، ومشاريع تدريب الأئمة والمرشدين، ومن خلال دعم الطرق الصوفية والزاوية، التي تعتبر ذات تأثير على القرارات السياسية والاقتصادية الإقليمية. وستعطى الأولوية للاستثمارات في التنمية الزراعية وصناعة الأغذية والأدوية، فضلا عن مشاريع التعاون لمواجهة التحديات الأمنية والتنموية.

الفوائد الاقتصادية والقيادة الاستثمارية

وفي هذا السياق، يسعى المغرب إلى الاستفادة القصوى من شراكته الاقتصادية مع دول المنطقة كجسر إلى دول إفريقية أخرى، نظرا للمكاسب التي تحققت مع ارتفاع الصادرات إلى إفريقيا من 300 مليون دولار إلى أكثر من 3 مليارات دولار بين عامي 2004 و2024، وتجاوزت عائدات الشركات المغربية المستثمرة في الدول الإفريقية 2,5 مليار دولار. وتتركز غالبية هذه الاستثمارات في دول الساحل والصحراء، وتعتبر مالي على وجه الخصوص ثالث أكبر وجهة استثمارية للمغرب. في أفريقيا. ومن الجدير بالذكر أن المغرب يهدف إلى توسيع استثماراته لتشمل المجالات ذات الأولوية مثل الطاقة المتجددة، والتنقيب عن المعادن والغاز الطبيعي، وتحديث البنية التحتية والخدمات اللوجستية، مع تعزيز ريادته كمستثمر إقليمي رائد في القطاعات الرئيسية مثل الاتصالات، وصناعة الأسمنت، وقطاع البنوك والخدمات.

ولتحقيق ذلك، يستغل المغرب طفرة البنية التحتية الأطلسية لتعزيز جسور التعاون مع الدول الإفريقية، خاصة مع ميناء الداخلة على الساحل الأطلسي، والذي من المقرر أن يدخل حيز التشغيل في أفق 2029. كما يراهن المغرب على بناء مساحة متنامية من التعاون الاقتصادي بين المغرب وغرب إفريقيا من خلال تسريع المبادرات التجارية والمساهمة في تعزيز الشبكات الجهوية للاتصال والنقل في شكل شروط للدول المشاركة، ضمن نطاق استراتيجي. يمكنك الاستفادة من منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية الجارية (ZLECAF). علاوة على ذلك، تشكل منطقة الساحل وغرب إفريقيا السوق الاستهلاكية للمنتجات المغربية، ويواجه الدخول إلى السوق الأوروبية صعوبات.

القضايا الأمنية والمالية

ولكن من ناحية أخرى، هناك العديد من القضايا التي تحد من مشاركة شركاء المغرب، مثل مالي وبوركينا فاسو، اللتين تشعران بالقلق إزاء تأثير تحسن العلاقات بين المغرب وفرنسا على أمنهما الداخلي. وقد يتعرقل نجاح المبادرة الأطلسية بسبب غياب بعض الدول المؤثرة، مثل السنغال، الحليف التاريخي القديم للمغرب. وبالإضافة إلى موريتانيا، نأت بنفسها عن المبادرات المغربية للبقاء على الحياد في المنافسة الجيوسياسية بين المغرب والجزائر، خاصة أن موريتانيا لم تستجب لدعوة الجزائر لإنشاء منطقة مغاربية باستثناء المغرب. ويفسر غياب موريتانيا أيضا المخاوف بشأن تراجع القدرة التنافسية للموانئ على طرق التجارة الأفريقية، وخاصة نواكشوط، التي تشكل الشريان التجاري لبعض دول الساحل مثل مالي.

بالإضافة إلى ذلك، يواجه المشروع تحديات مالية بسبب طول المسافات بين دول المجموعة وأقرب ساحل على المحيط الأطلسي. ومن الممكن أن يؤثر الوضع الأمني ​​غير المستقر في الدول المشاركة على مواقفها بشأن جدول أعمال المبادرة. ناهيك عن الاهتمام المتزايد لقوى الساحل بالحسابات الأمنية والاقتصادية، خاصة عندما يتعلق الأمر بنقل الغاز الأفريقي إلى أوروبا عبر الدول الوسيطة. وذلك لأن المنافسة لا تزال شرسة بين المغرب والجزائر، كما أن إدخال خط أنابيب الغاز عبر الصحراء يواجه صعوبات بسبب التوترات مع دول العبور، وخاصة النيجر. وفي هذا السياق، تندرج المبادرة الأطلسية في إطار استراتيجية المغرب لنقل الغاز النيجيري عبر خط أنابيب “آمن” يمر عبر 13 دولة ويصل إلى أوروبا بكلفة 25 مليار دولار.

وفي هذا السياق، تمثل مبادرة المغرب منفذا لتعزيز الشراكات مع الدول الأوروبية. وفي الواقع، يعتقد البعض أن دور المغرب في تأمين النفوذ الغربي في مواجهة التوجهات الروسية والصينية سوف يتعزز. وهذا يعني أن المغرب لن يواجه مشاكل في تمويل فوائد المبادرة الأطلسية من الشركاء الأمريكيين والأوروبيين الذين يبحثون عن شركاء إقليميين لتعزيز مصالحهم الاستراتيجية في المنطقة. وهذا ما يفسر موقف المغرب التقدمي في إدارة الشراكة عبر الأطلسي، التي تم إطلاقها في سبتمبر 2023. وعلى الرغم من أنه من المرجح أن تحقق فوائد استراتيجية، إلا أنها قد تشكل بعض المخاطر على جهود المغرب لتولي دور قيادي في منطقة شائكة ذات مصالح متشابكة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button