سياسة

“مرققات”: صراع المرأة المغربية بين قسوة المجتمع وبيروقراطية المحاكم

في فيلمها “المرأة المعلقة”، تزيل المخرجة المغربية مريم عدو طبقات الجهل والإهمال التي تحجب الواقع القاسي الذي تعيشه بعض النساء المغربيات اللاتي يتعرضن لأوضاع اجتماعية وقانونية يمكن وصفها بـ “الوسطى”. إنهما ليسا متزوجين ولا مطلقين رسميًا، وهما، كما يوضح عنوان الفيلم الوثائقي، “معلقان” بين الأرض والسماء.

تعيش هؤلاء النساء في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة للغاية لأن أزواجهن غادروا دون إعلان الطلاق. ويتجسد وضعهن بدقة من خلال النساء الثلاث اللاتي التقىهن المخرج بمنطقة بنيملال. وبعد ابتعادهن عن منازلهن وعائلاتهن لسنوات طويلة، واصلت هؤلاء النساء توثيق معاناتهن لسنوات، وقامن بزيارات رسمية إلى المكاتب الحكومية والمحاكم للحصول على قرارات الطلاق الرسمي لأزواجهن والعيش معًا، دون معرفة السبب أو الدافع.

“أخبار القضاء”.. نساء يتأثر مصيرهن بأحكام الاعتراف الغيابية

تبدأ مقدمة الفيلم بصوت الراديو وهو يعلن أسماء النساء المتقدمات بطلب الطلاق بسبب غياب أزواجهن لفترات طويلة لأسباب غير معروفة.

كما يتضمن برنامج النشرة القضائية معلومات وأسماء النساء اللاتي حصلن على أحكام “إعلان غياب”، أي أن المحكمة وافقت على طلب الطلاق بعد غياب الزوج وعدم حضوره أمام المحكمة خلال مدة محددة.

والمغزى من إدراجها في الجريدة القضائية هو الإشارة إلى أن هناك عددا من القضايا تنتظر قرار المحكمة. كما شكل المنشور مصدر إثارة للعديد من النساء، بما في ذلك ثلاث نساء مغربيات: لطيفة منساه، وسعدية الشرقاوي، وغيسا ثابت. المكان الذي يجتمعون فيه هو في أغلب الأحيان مكتب كاتب العدل. في أحد الأسواق الشعبية، يلتقي أحد الموظفين بنساء يقدمن التماسات إلى المحكمة، ويستمع إلى ما سيقولنه، ويبدأ في كتابته على آلة كاتبة قديمة. ومن خلال تركيب كاميرات داخل المكتب، يمكننا مراقبة حجم الشكاوى المقدمة ومعرفة المزيد عن كل حادثة في سياقها الاجتماعي.

في مواجهة الذكورة والبيروقراطية والأمية.. وضعية المرأة المغربية

يتقاطع الفيلم الوثائقي مع أوضاع النساء الثلاث دون أن يلغي خصوصيتهن الفردية، بل يسمح للمشاهد باستخلاص ما يجمعهن بحرية واستخلاص استنتاجات تساعدهن على الابتعاد عن الرواية الرسمية حول القوانين الضامنة لحقوق المرأة وفهم وضعية المرأة في المجتمع المغربي بشكل أكثر دقة.

وهذا أحد أهداف الكاتبة تقديم رؤية موسعة للمجتمع المغربي ونسائه من خلال القضايا التي تنشغل بمتابعتها، والتي تكشف ضمنا عن الهيمنة الذكورية والبيروقراطية الإدارية التي تمنع المرأة من الحصول حتى على الحقوق البسيطة التي توفرها القوانين والأنظمة المغربية لتنظيم شؤون الأسرة.

تكشف الأسئلة التي يطرحها كتاب العدل حول معاملات الطلاق جوانب مختلفة من حياة المرأة. وفي كل مشهد يلتقي فيه الكاتب بثلاث نساء يأتون إليه طلباً للمساعدة، يكشف جوانب من المشاكل التي يجب عليهن مواجهتها بأنفسهن وحلها بتفاصيل معقدة.

أثناء سفرهن بشكل متكرر، ينتهي الأمر بالنساء بالبحث عن عنوان أزواجهن الذين تركوهن منذ عقود.

تأتي المشاهد المتكررة مصحوبة بقلق إضافي آخر يتعلق بمقدار الوقت الذي تستغرقه الصفقة في المحكمة وعدد مرات إرجاع الصفقة لتغطية الأجزاء المفقودة. وتنبع هذه الحلقة المفرغة أساساً من البيروقراطية وجهل المرأة بالقانون والأمية. وكما هو مفصل في الفيلم الوثائقي، فإن الأمية هي أحد العوامل الرئيسية التي تعيق التواصل السليم مع السلطات القضائية، التي تلتزم بإجراءات صارمة وصيغ قانونية يصعب فهمها.

كل ذلك ينسجم مع حاجة المرأة إلى ضمان لقمة عيش أسرتها ومواجهة صعوبات العيش بمفردها دون زوج أو معيل، في ظل النظرة المجتمعية إلى دونية المرأة العازبة.

حياة كريمة… بصحبة الكاميرا في موقع العمل

يُظهر السياق التاريخي والإقامات الطويلة الأمد للنساء الثلاث تحديات تتجاوز مجرد تأمين لقمة العيش، وأحد هذه التحديات هو استئجار منزل. أغلب أصحاب المنازل لا يرحبون بالنساء “الموقوفات عن العمل” ولا يرغبون في تأجير بيوتهم لأي أحد، ناهيك عن الإيجارات المرتفعة التي تلتهم دخل المرأة الضئيل.

ويركز هذا الفيلم الوثائقي على هذا الجانب من خلال تسجيل مقاطع من حياتهم في مواقع العمل الموسمية. وأغلب وظائفهم ذات طبيعة خدمية، مثل العمل كمساعدين لتقديم الشاي والقهوة للزبائن في المقاهي. بالإضافة إلى القيام بالأعمال اليدوية مثل نسج السجاد وغسيل الملابس، يقومون أيضًا بإعداد الطعام للمناسبات الخاصة مثل حفلات الزفاف.

حلقة نقاش تجتمع فيها المعلقات لمناقشة صعوبات الحياة وهموم المحاكمات والدعاوى القضائية.
حلقة نقاش تجتمع فيها المعلقات لمناقشة صعوبات الحياة وهموم المحاكمات والدعاوى القضائية.

واللافت في سلوكهم هو حماستهم الكبيرة في محاولة ضمان حياة كريمة لأبنائهم، رغم كل الظروف السلبية المحيطة بهم، وتسود بينهم دائما روح التضامن، التي تظهر من خلال قربهم من بعضهم البعض.

ويرصد الفيلم الوثائقي الأحاديث التي تجري بين الزوجين، والتي تتمحور جميعها حول التجارب الشخصية المريرة التي طرأت عندما هرب الزوج دون الكشف عن سبب هجره، تاركاً أطفالهما وراءه في مكان مجهول، وكذلك على مطالب الجمهور التي لا يستطيعون فهمها ويبذلون جهوداً كبيرة لتحقيقها.

مطالب قضائية عديمة الفائدة… حقوق المرأة المغربية في خطر

وفي مكتب كاتب العدل تتضح تفاصيل هذه المتطلبات القانونية المستحيلة. في إحدى القضايا، أعادت المحكمة طلب الطلاق لأن الزوجة لم تتحقق من عنوان الزوج السابق في الدعوى، وفي الحالة الأخرى، أعادت المحكمة طلب الطلاق لأنه لم يتم التحقق من عنوان المنزل الذي عاشوا فيه معًا.

وفي كثير من الأحيان، ومن أجل الحصول على حكم غيابي، يطلب القاضي من الزوجة كتابة عنوان زوجها الحالي، ولكن للحصول عليه عليها البحث في جميع أنحاء المنطقة، وفي أغلب الأحيان لا تجد من يرشدها.

في الحياة اليومية، على المرأة أن تبذل جهوداً كبيرة للحصول على ما تريد، ومع كل خطوة تخطوها، تظن أنها على وشك الحصول على ما تريد، ولكن في أغلب الأحيان تجد نفسها واقفة في نفس المكان الذي بدأت منه.

ومن أغرب مطالب المحكمة عدم إلزام الزوج بإصدار حكم طلاق يشترط أن يشهد فيه 12 شاهدا أمام المحكمة أنه كان متزوجا شرعا من المرأة، وأنه عاش معها وأنجب منها طفلا، وأنه انفصل عنها دون سبب منذ فترة.

ويروي الفيلم تجربة رفض شقيق المرأة التوقيع على صفقة أخته، مما يظهر صعوبة تقديم المطالب. والسبب في ذلك هو أنها لا تستطيع أن تشهد زوراً بأنها الزوج لأنها لم تقابل زوجها أو تزور منزلها طوال فترة إقامتها مع المرأة. وفي إطار المراقبة، يتبين أنه من المستحيل إحضار 12 شاهداً خلال 4 أيام لتأكيد «الغياب»، وبالتالي يمكن للمرأة الحصول على حق الطلاق.

لطيفة منطر.. متنفس لروح أرهقتها أعباء الحياة

إن النضال اليومي من أجل تأمين لقمة العيش في ظل ظروف سكنية مزرية وبيئات عمل مؤقتة، بالإضافة إلى المهام المرتبطة بالأوضاع الاجتماعية مثل البحث عن شهود في فترة زمنية قصيرة، يستنزف القوة البدنية للمرأة، وما يصاحبها من قلق وتوتر يؤثر سلباً على عقولها وأجسادها.

لم يتحمل قلب لطيفة منطر كل هذه الأعباء وضعف وتوقف. من خلال خطابات والدتها أمام الكاميرا، توثق المخرجة الوضع الصحي في المناطق الريفية ومدى ارتباط عيوبه بضغوط الحياة ومتطلبات المحاكم التي تثقل كاهل “المرأة الموقوفة”.

وتتمنى سعدية الشرقاوي أن يسمع كل يوم ذكر اسمها في الجريدة القضائية وأن تنتهي معاناتها.
وتتمنى سعدية الشرقاوي أن يسمع كل يوم ذكر اسمها في الجريدة القضائية وأن تنتهي معاناتها.

في أعقاب وفاة لطيفة المفجعة، قرر المخرج إهداء فيلمه للطيفة فخرًا بشركته الطويلة. لأن لطيفة كانت قريبة منها وتعرف مدى معاناتها للحصول على حقها في حياة طبيعية.

ابتهاج النصر… نهاية ممتعة ومشاكل بيروقراطية لم تحل

فيلم “المعلقون” لا يميل إلى إعطاء صورة قاتمة تماما لوضعية المرأة المغربية، لأنه ما دامت الحياة، يبقى الفرح والأمل.

جاء ذلك خلال متابعة التحقيق في قضية سعدية الشرقاوي التي قررت بناء منزل لها ولأطفالها. ويكتمل الشروع والانتهاء من البناء الناتج عن جهودها بجريدة قضائية تعلن اسمها بين أسماء الذين حصلوا على إقرار “في غياب” زوجها. وهذا يعني التحرر من الالتزامات الاجتماعية التي انتهت فعليًا قبل سنوات، لكن البيروقراطية الإدارية استمرت في إدامتها.

وتظهر امرأة ثالثة في مشهد لاحق، وهي تعين محامياً ليتولى قضيتها بدلاً من فحص كاتب العدل بنفسها، وتبقى ساكنة وسط دورة فحص مرهقة لا تسفر عن نتائج تذكر.

هذه التطورات الدراماتيكية تجعل من هذا الفيلم الوثائقي شهادة سينمائية على واقع المغرب، حيث تعيش المرأة في ظروف التمييز والتهميش، ودعوة إلى التفكير في القوانين التي تحمي المرأة والأسرة وتعمل على تحسينها دون إنكار إيجابياتها.

كل ذلك على خلفية عمل سينمائي صبور وإقامات طويلة مع البطلات، اللاتي يتحركن بعفوية أمام كاميرا المصورين محمد علي الصغاراوي وعز الدين الإدريسي، التي بفضلها يلتقطن أدق تفاصيل حياتهن. وأصبح من السهل ذلك وأعطى أصالة المسار الدرامي الذي يضع العمل كله في مصاف الأفلام التي تهدف إلى تمثيل الواقع، والأهم من ذلك إشراك الجمهور في التفكير فيه واقتراح ما يمكن أن يساعد في التغلب على سلبياته.

#مرققات #صراع #المرأة #المغربية #بين #قسوة #المجتمع #وبيروقراطية #المحاكم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button