المرأة المغربية.. تاريخ الإبداع السينمائي

تم النشر في 18 مارس 2018
زبيدة الخواتلي
في ظل المسيرة المتميزة للمرأة في المغرب، نعرض ونقتبس بعض لحظات التميز والإبداع للفنانات اللاتي قدمن مساهمات كبيرة على الشاشات الكبيرة والصغيرة في مجتمع محافظ إلى حد كبير، أو على الأقل مجتمع حذر من وجود المرأة في عالم الفن. أود هذه المرة أن ألقي نظرة فاحصة على تجارب ثلاث فنانات يمثلن الساحة الفنية المغربية.
بورقية وبوفاكدي ومشرق ثلاث نساء تركن بصمة كبيرة في عالم الإبداع المغربي وما زلن يتفوقن في مجالاتهن خاصة على مستوى السينما والتليفزيون. إنهم من أجيال مختلفة ولهم تصورات مختلفة. وتعتبر فريدة بوركية أول ناشطة نسوية تدخل عالم الإخراج السينمائي بعد الثمانينيات. تعتبر نعيمة المشرقي من الممثلات الرائدات في عالم الفن منذ عهد الاستقلال. أما فاطمة بوبخدي فهي مخرجة شابة حققت نجاحا ملحوظا خلال فترة قصيرة.

نعيمة المشرق.. المرأة الحقيقية في السينما المغربية:
نعيمة المشرقي هي إحدى سيدات الفن المغربي التي حققت إنجازات متميزة في تحدي ومعالجة القضايا الإنسانية والاجتماعية. كانت الآثار الأولى لها في نهاية الستينيات من القرن الماضي. مع العلم أنه في ذلك الوقت، وبسبب المحافظة الاجتماعية، كان من شبه المستحيل على المرأة المغربية المشاركة والدخول في مهنة السينما والمسرح، كان لديها نوع من الإيمان القوي بالمشروع السينمائي ورغبة عارمة في ترك بصمتها في مجال السينما المغربية، فصنعتها من خلال أفلام قصيرة ذات بعد تربوي واجتماعي. ولذلك تعتبر نعيمة المشرقي من الممثلات المغربيات اللاتي ساهمن في إرساء تقنيات التشخيص، سواء على المسرح، أو عبر ميكروفون الراديو، أو على شاشة التلفزيون والسينما. تمتد تجربتها الإبداعية والتمثيلية لأكثر من نصف قرن.
شاركت نعيمة في بعض أفلامها الأولى من إخراج زوجها عبد الرحمن القياط، منها فيلم «حديث الآجل» ومسلسل «الأضحية». وبعد ذلك شاركت في أكثر من 100 عمل تلفزيوني. ولعل أشهرها مسلسلات محمد حسن الجندي “أولاد الحلال”، “هل الخير مرابوها”، و”أولاد النثر” لفريدة بورقية، و”عائلة ردام”.
أما الأفلام، فشارك في العديد من الأفلام، منها «عرس الدم» إخراج سهيل بن بركة، و«أيام شهرزاد الجميلة» إخراج مصطفى الدرقاوي، و«البدس» إخراج محمد عبد الرحمن التاجي، و«حجر الصحراء الزرقاء» إخراج نبيل عيوش، و«فارس المجد» إخراج سهيل بن بركة، و«البحث عن بلادي». “زوج الزوجة” إخراج محمد. عبدالرحمن التاجي، «لحبيبي» لمحمد عبدالرحمن التاجي، «وبعد» لمحمد إسماعيل. “جيران أبو موسى” لمحمد عبد الرحمن التاجي و”الشعب” للجزائري الفرنسي رشيد بوشارب.
كما ظهرت الفنانة الكبيرة نعيمة أمام الجمهور بصوت رنان في أعمالها الإبداعية للتلفزيون والإنسانية. وأعربت الممثلة المغربية عن فرحتها بنجاح برنامج “حبيبة مي” الذي يروي قصص الأمهات عبر قناة المغرب الثانية، أي قصص أمهات في أوضاع صعبة أمام المجتمع. وأضافت لمسة فنية جميلة بصوتها العذب وأعطت مصداقية للجمهور من خلال سرد قصص الأمهات بشكل جميل.
وعلى الرغم من المسيرة المهنية الرائعة والتاريخ الغني لهذه المرأة، إلا أنها لا تزال مستمرة في طريق الإبداع ولا تتوقف عند هذا الحد. الجديد هذه السنة هو أنني شاركت في فيلم عزيز السالمي “دموع الرمال” وهو فيلم يمثل تاريخ المغرب. يصور هذا الفيلم معاناة المعتقلين في تندوف، وهي صحراء تقع بين المغرب والجزائر، وهو عمل لم يشارك فيه الممثلون فحسب، بل شارك فيه أيضًا الأشخاص الذين عاشوا فترة الاعتقال. وفي هذا الإنتاج لعبت السيدة نعيمة دوراً مشرفاً في إعطاء بعد احترافي وواقعي للفيلم. وهذا يعود بالأساس إلى فكرة الفيلم، وأيضاً بفضل وجود المشرقي التي ساهمت في إعطاء الفيلم أهمية جمالية وإبداعية مهما كان دورها.

فريدة بورقية أول مخرجة في تاريخ السينما المغربية:
وفي عام 1982، تم إنتاج أول فيلم مغربي من إخراج ناشطة نسوية. كان الفيلم الروائي “الجمرة” من إخراج فريدة بورقية. ثم أخرج فيلمه الثاني “طارق العيالات” عام 2007، ثم أخرج فيلمه الثالث “زينب زهرة أغمات” عام 2014.
ويروي فيلم زينب زهرة أغمات سيرة زينب النفزاوي، استنادا إلى الوثائق التاريخية والمواد المرجعية، منذ طفولتها حتى مراهقتها، وزواجها من الأمراء الأربعة الذين تولوا قيادة أغمات، وحياتها في أغمات. ويعاد فحصها وتصويرها بناءً على السجل الذي تزوجها القائد أبو بكر بن عمر بعد قيام دولة الرومورافيدين، وطلقها بعد عودتها إلى الصحراء مرة أخرى لينشغل بقمع تمرد قبلي. وأمرها بالزواج من ابن عمه الأمير المرابطي ابن تاشفين. وتولى منصب الحاكم على المغرب كله.
وأثارت زينب النفزاوية الكثير من الجدل بسبب قوتها الشخصية وجمالها وحسن إدارتها. قال عنها ابن خلدون “كانت من النساء المشهورات في العالم بجمالها وقيادتها”، وهذا ما جعلها مؤهلة للزواج من العديد من القادة، آخرهم البطل ابن تاشفين، رغم أنه لم يحصل بعد على دعم سياسي بعد الزواج منها. وكانت خير سند له في تحقيق الأمجاد التي حققها بما راكمه من تجارب، والتجارب التي استفاد منها في الحكم والقيادة. بالإضافة إلى أنها نشأت في بيت العزة والعلم والهيبة، وهو ما منحها السيطرة طوال حياتها مع زوجها السابق. وهذه ليست المرة الأولى التي يتعامل فيها المخرج مع شخصية تاريخية خاصة. بل سبق لها أن استلهمت شخصية الزاهد الصوفي عبد الرحمن الميزوب، وكذلك شخصية القائد عيسى بن عمر.
فريدة هي واحدة من المخرجين القلائل الذين بدأوا مسيرتهم التدريبية في المغرب. هناك عدد لا يحصى من المخرجات المغربيات، لكن فريدة بلجيد تعتبر الأكثر إنتاجا بينهن جميعا..
وقام بورقية بتصوير مشاهد فيلم طارق العيالات في عدد من مدن شمال المغرب. مثل تطوان شفشاون وغيرها من الأحداث تقام على طرقات ومواقع المنطقة. يتميز الفيلم بأداء متميز للفنانتين: منى فات وعائشة مهما. الأولى امرأة “عصرية” تسافر إلى شمال المغرب لتحرير زوجها تاجر المخدرات من السجن، والثانية بائعة متجولة تبلغ من العمر 60 عاما تريد رؤية ابنها الذي هاجر بعد أن سُرقت أمواله. وبهذه الطريقة، تتقارب الأحداث وتصبح مستمرة على مدار الفيلم الذي يتضمن شخصيات متعددة. يعكس هذا الفيلم قضية الهجرة وخاصة الهجرة السرية، دون تقليد الأفلام التي طرحت موضوع الهجرة السرية من خلال إظهار السفن وهي تغرق في البحر. تتطرق فريدة بورقية إلى الهجرة السرية وتقدم رؤيتها ونقدها لهذه الظاهرة الاجتماعية، وعكسها على مستوى معاناة المرأتين اللتين تتقاسمان طريقها، مع التركيز على كل امرأة بطريقة سينمائية وفي حوار يختبر نفسيات كل منهما. أبدعت في تصوير السلبيات والمآسي والمآسي الكثيرة التي يعاني منها مجتمعنا، كالهجرة السرية والمخدرات وكشف القناع على هوى بعض الرجال الذين لا يرون إلا المرأة جسداً. فيلم “طريق العيرات” يتحدث عن كل مشاكل المجتمع المغربي في نفس الوقت.
كما صنعت بورقية اسما لنفسها على شاشة التلفزيون المغربي، حيث ظهرت أعمالها في مسلسل “جنان الكرمة”، و”سيدي عبد الرحمن الميدوب”، منزل القبيلة، دوار يار الزمان، حوت البحر وغيرها من البرامج التلفزيونية الشهيرة التي كان لها الأثر الكبير في ذاكرة المشاهد المغربي.

فاطمة بوبخدي… مديرة أبحاث التراث المغربي:
ومن النادر أن تجد في المغرب من لا يستمتع بقصص ونوادر حديدان، وهي شخصية من المسلسل التلفزيوني الذي عرض على القناة قبل عامين. هذا عمل أصيل لفاطمة بوبخدي، مخرجة شابة دخلت وسط التقاليد المغربية الأصيلة، بحكايات أضحكت الأطفال والكبار على حد سواء. «حديدان» مسلسل كوميدي مستوحى من التقاليد المغربية، من بطولة كمال كاظمي، الذي يلعب شخصية واسعة الحيلة وذكية في الأمور التافهة والمفيدة، مما يخلق قصة موازية للقصة المركزية. هذه سلسلة من الصور الفوتوغرافية التي تم التقاطها في منطقة غير مستكشفة بالقرب من حي إسني بمراكش، ولم يتم تقديمها من قبل للجمهور المغربي. وقالت المخرجة فاطمة إنه على الرغم من أن التصوير في الجبال كان صعبا بسبب صعوبة طرق التسلق وانقطاع الاتصالات، إلا أن ذلك لم يحد من إصرارها على تقديم عمل جيد للجمهور المغربي..
تحول التزامها بالتقاليد إلى حب حقيقي لعملها، مما اضطر المخرجة الشابة إلى مضاعفة جهودها والسعي لتطوير أدواتها وأسلوبها الخاص من أجل تقديم شيء ذي قيمة للجمهور، وخاصة الناشئ منهم. ويقول بوبكدي إن الأعمال التي نقدمها يمكن أن تمنح الأطفال هذه الفرصة وهذا ما يجعل الأعمال الفنية والتلفزيونية الإبداعية رسالة حساسية ووعي. ولا تكتمل هذه الرسالة إلا بحب المخرج لعمله وإنتاجه. فبدون الحب لا يمكن أن يكون هناك تواصل بين المبدع وإبداعه.
ومن الأعمال الشهيرة الأخرى مسلسل “عمود” الذي يحكي الأسطورة الأمازيغية المعروفة باسم “حم أونامير”، وهو حدث تدور أحداثه في قبيلة “أصلي الحكيم” وهي قبيلة من الحكماء. “عمود” هو أحد أفراد هذه القبيلة والوحيد الذي أنقذ القبيلة من الطاعون الذي انتشر بين الماشية وانتشر إلى البشر. وبحسب المخرج فإن عمله خاص بالمنطقة ولا علاقة له ببعض الإنتاجات التلفزيونية العربية. وكما اعترفت المخرجة في الصحافة المغربية، فإن هذا العمل هو مسلسل مختلف، حيث تم تصويره بطريقة خيالية باللغة العربية الفصحى، ويتفوق على أعمالها السابقة، فهو أكثر جرأة على مستوى السيناريو والمستوى الفني.

#المرأة #المغربية. #تاريخ #الإبداع #السينمائي




