مباراة خطيرة بين الجزائر والمغرب

تم النشر في 24 مارس 2024
|
آخر تحديث: 25 مارس 2024 الساعة 02:14 (بتوقيت مكة)
تسود الحكمة السائدة في المنطقة المغاربية: “الضالون يملكون الأرض”. وهذا يعني أن أولئك الذين يضيعون يجب أن يبقوا حيث هم. وهذه هي الحكمة التي تشير إلى عالم البدو. إذا هبت الرياح وأعاقت رؤية القافلة، ينصح المرشد القافلة بالبقاء في مكانها حتى تمر العاصفة وتكون الرؤية واضحة.
ونظراً للتحول الهائل الذي يشهده العالم، والذي لم يسبق له مثيل خارج وضع ما بعد الحرب العالمية الثانية، فإننا نعيش في عالم بلا رؤية محددة. ومن الأفضل عدم التسرع في اتخاذ قرارات أو ردود أفعال مرتجلة أو عاطفية. إن التفكير في النماذج القديمة للعوالم الجديدة أو النامية أمر خاطئ، بل وخطير.
وكانت هذه المقدمة مقدمة لأحداث لم تحدث قط، وهي بالتأكيد ليست تعبيرا حكيما لمواكبة المتغيرات الجديدة، مع “الإجلال” و”الاحتفال” المناسب للحدث، مثل الإعلان عن تأسيس “جمهورية الريف” في حي السفارات بالجزائر العاصمة، و”إنشاد النشيد الوطني في طريفيت، والعلم الوطني”، و”الإعلان”، وما إلى ذلك من التعليمات. “
إن لعبة دعم الانفصال هي لعبة ذات عواقب غير محسوبة، من شأنها، إذا سمح بها، أن تؤدي إلى تقويض النسيج الاجتماعي في المغرب والجزائر، وإشعال حروب أهلية في كل البلدان، وإشعال صراعات لا هوادة فيها بين العرب والبربر.
ولا يحتاج المرء إلى أن يكون خبيراً في أي مجال من مجالات الخبرة، ومهما كانت معرفته، بل يحتاج فقط إلى الحس السليم الذي يستطيع من خلاله أن يخدم الجزائر استراتيجياً من خلال “الافتراض من أجل الجدال” إنشاء “جمهورية الريف” وفقاً لما يسميه علماء الرياضيات المنطق أو المنطق السخيف. إن حالة الانفصال “الناجح” تشجع على ظهور حركة انفصالية ناشئة. كم من الحركات الانفصالية يمكن أن تبدأ بتغطية إعلامية، ومغازلة جراح وجودية، ومختبرات خبراء، وأحداث مفبركة، وتوظيف آخرين، ودعم دولي؟ إن العالم حبلى بحركات سلمية للغاية تطالب بحقوق ثقافية “مشروعة للغاية”، وتطالب في نهاية المطاف بإراقة الدماء والانفصال.
وفي خضم التغيرات الكبيرة التي يشهدها العالم، فإن المنطق هو إقامة مواجهة بين الجزائر والمغرب، والتفكير مليا في التغييرات الكبيرة، والسعي لضمان أن تعود بالنفع على شعوب المنطقة والعالم العربي، كما حدث بعد أن ألقت التغييرات التي شهدتها أوروبا الشرقية نهاية القرن الماضي بظلالها على البلدين.
وبعد ذلك، استأنف المغرب علاقاته الدبلوماسية مع الجزائر، التي كانت مقطوعة، وحضر الملك الراحل الحسن الثاني القمة العربية التي عقدت في الجزائر في يونيو/حزيران 1988، وبعد القمة التقى بزيلاردة (إحدى ضواحي الجزائر العاصمة). لكننا لم نعد في منطق الأشياء، بل في المنطق المعاكس.
“الإعلان” عن “جمهورية الريف” داخل حدود المغرب المعترف بها دوليا ليس في صالح المنطقة، وليس في صالح العالم العربي، وليس في خير الجزائر. وعلى نحو مماثل، فإن الدعوة إلى تقرير مصير “شعب القبائل” ليست في صالح المنطقة، أو العالم العربي، أو المغرب.
ولم أتردد في انتقاد تصريح سفير المغرب لدى الأمم المتحدة عمر هلال (14 يوليو 2021) بأن شعب “القبايل الأبية” له الحق في تقرير المصير، خلال مناظرة مع نظيره الجزائري، وقد كتبت وأعلنت في عدة محافل دولية استهتار هذا التصريح.
وقد تمكن الملك محمد السادس من حل هذه المسألة حيث خصص كامل خطاب تتويجه (30 يوليو 2021) للعلاقات المغربية الجزائرية، قائلا: الشعبان “سياميان” (يعني قريبان) وليسا أخوة، ولا يأتي الشر من المغرب، وهي عبارة تكررت في الخطاب الرسمي للجزائر ضد المغرب: الشر لا يأتي من الجزائر. هل نعتمد على القول أم الفعل؟
لا شك أن منطقة القبائل الجزائرية تتمتع بخصائصها الثقافية الفريدة، لكنها كانت القلب النابض لحرب التحرير. وبعد الاستقلال، اعتمد بعض القادة خيارات سياسية تختلف عن تلك التي اعتمدتها الجزائر بعد الاستقلال. لكن الانفصال لم يكن مستحيلاً، ولم تنفذه قوى حقيقية أو ذات مصداقية، ولم يكن هناك حضور شعبي قوي.
ويمكن قول الشيء نفسه عن منطقة الريف المغربية، التي تتمتع بخصائصها الثقافية الفريدة. كانت معركة الأمير عبد الكريم الخطابي هي الأولى لتحرير الريف وقيادة جيشه إلى المنطقة التي كانت تحت السيطرة الفرنسية.
وتذكروا أن السلطات الاستعمارية قسمت المغرب بين فرنسا وإسبانيا ومنطقة طنجة الدولية، تماما كما قسمت غنائم الحرب. إن الاندلاع الواضح للمقاومة الريفية ومسارها نتج عن التقسيم الذي تعرض له المغرب والسياسات والظروف الإسبانية.
ومن المؤكد أيضًا أنه بعد مقتل الناشط ماسينثا كرمة (أبريل 2001)، شهدت منطقة القبائل هزات كبيرة، أدت إلى ما أصبح يعرف بالربيع الأسود. وصحيح أيضًا أن لوح التقطيع لمحسن فكري، بائع السمك بالحسيمة (أكتوبر 2016)، كان الشرارة التي أشعلت حراك الريف. وفي كلتا الحالتين لم يكن يريد الانفصال.
إن لعبة دعم الانفصال، إذا سمح بها، هي لعبة ذات عواقب غير محسوبة: فهي ستضعف النسيج الاجتماعي للمغرب والجزائر، وستشعل حروباً أهلية في كل البلدان، وسيستمر الصراع بين العرب والأمازيغ، وستقذف البراكين الحمم البركانية إلى المنطقة، وسيصبح الوضع في حوض البحر الأبيض المتوسط متوتراً.
وفي المغرب العربي، نحن نفتخر بوحدتنا الدينية والمذهبية، ولا أحد من قادة الأمازيغ مثل الشيخ عبد الكريم الخطابي والحسين آيت أحمد ومحمد بن سعيد، اعتبر مصير بلادهم خارج الوحدة. لكننا مع ممثلين لهم نفس المرجعيات، وليس الاتجاهات، وهل نحن في نفس السياق؟
والنقاش هنا يجب ألا يوجه فقط إلى أصحاب الرأي في البلدين، بل إلى صناع القرار بشكل خاص، حتى يتوقفوا عن ردود الفعل والتنافس. هناك فجوات بين البلدين، ويجب التعامل معها بواقعية، مثل الطبيب الذي يحاول تثبيت المرض، لكن تجاهل أساسيات التجارة الدولية، مثل دعم الانفصال، والتدخل في الشؤون الداخلية، وانتهاك الالتزامات الدولية، هي لعبة خطيرة لها عواقب غير محسوبة.
لا يوجد شيء غير عقلاني في تصرفات الأشخاص العقلانيين، ولكن لسوء الحظ يتم استغلال الذكاء الفردي من قبل شيء ليس الذكاء الجماعي. وهذه إحدى مآسينا الكبرى.
الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.




