سياسة

ألمانيا والمغرب: الدبلوماسية السياسية والاقتصادية والرياضية

اختار وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفور، الخميس 30 أبريل، وقبل لقائه وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بمقر وزارة الخارجية بالرباط، أن يبدأ يومه الثاني بالرباط بزيارة ضريح الملك الراحل محمد الخامس بالمسجد الحسن، وهي خطوة لها بعد رمزي في سياق العلاقات الثنائية بين برلين والرباط.. ولم تكن الزيارة مجرد نقطة عبور احتفالية، بل وقفة للتذكير بنقطة تاريخية في مسيرة المغرب الحديث، تتعلق بالموقف الذي تبناه الملك الراحل خلال الحرب العالمية الثانية.

سجل وزير ألماني إشادة بدور الملك محمد الخامس في حماية اليهود من المحرقة في كتاب لكبار الزوار. في ذلك الوقت (أثناء الحرب العالمية الثانية)، رفض المغرب تطبيق القوانين المعادية للسامية التي أصدرتها حكومة فيشي الفرنسية الموالية لألمانيا. وبحسب معلومات وكالة فرانس برس، فإن الطائفة اليهودية في السعودية هي الآن الأكبر في شمال أفريقيا.

يعتقد فاديفولو أن هذا الوضع لا يزال موجودًا في الذاكرة التاريخية. يكتب في دفتره: ونحن نقدر بشدة الموقف الشجاع الذي تم اتخاذه لحماية اليهود واللاجئين الأوروبيين خلال الحقبة النازية.. لن ننساه أبدًا. ”

وتأتي هذه الإشارة في سياق استخدام الجوانب التاريخية كعنصر من عناصر الخطاب الدبلوماسي، حيث تصبح الذاكرة المشتركة إحدى أدوات التواصل السياسي بين الدول دون أن تنفصل عن الحسابات والمصالح الجارية.

“دبلوماسية كرة القدم”

وقبل مشاركته في احتفالات الذكرى السبعين لتأسيس العلاقات بين المغرب وألمانيا بمقر إقامة سفير بلاده بالرباط، اختار مكانا مختلفا تماما عن طبيعة الحفل، عندما زار مركب محمد السادس لكرة القدم، منشأة رياضية حديثة تجسد رؤية المغرب في التدريب وفق أعلى المعايير الدولية.

وخلال الزيارة، خلع يوهان فاديفول بدلته الرسمية وارتدى حذاءًا رياضيًا، في خطوة رمزية لرغبته في التقرب من روح المكان. وفي مرافق السفينة، رحب بهم لاعبو فريق تحت 18 سنة وبادروا بطرح الأسئلة حول نظام التدريب والدراسة. تقدمت إحداهن وقدمت عرضًا قصيرًا باللغة الإنجليزية، وقالت: “نحن ندرس في الصباح ونتدرب في المساء. نحن نأتي من مناطق مختلفة من المغرب، لكننا مثل الأخوات. نحن نشكل عائلة كبيرة هنا”.

وفي خروج عن الأعراف الدبلوماسية التقليدية، أشرف الوزير الألماني على مباراة رمزية جمعت فريقه وفريق النساء، حضرها أيضا اللاعب المغربي الدولي الألماني كريم بلعربي. لقد كانت أكثر من مجرد مباراة استعراضية، لقد كانت مواجهة محمومة اتسمت بالأندية والروح التنافسية والحماس، وانتهى باديفول بابتسامة: “لقد فازت كرة القدم، وقبل كل شيء الروح الرياضية”. بعد ذلك، لخص المشهد الذي تبادل فيه الفريقان زيهما الوطني المعنى الحقيقي للصداقة بين الأعراق.

ولا تقتصر “دبلوماسية كرة القدم” على الميدان، بل تمتد إلى طاولة المفاوضات بين بادفول ومفاوضه المغربي ناصر بوريطة، حيث أضافت كرة القدم لمسة خفيفة إلى النقاش السياسي عندما كشف بوريطة عن دعمه لبايرن ميونيخ الألماني قبل أن يتطرق البلدان إلى كأس العالم المقبلة. وقالت بريتا لنظيرها الألماني مازحة: “من الجيد أنك هنا، لكن الشيء الأكثر أهمية هو أنه لكي نفوز، عليك أن تفوز بالكأس”.

ووراء هذه الروح المبهجة، تبرز رهانات حقيقية مع اقتراب ألمانيا من الانخراط في مشروع كبير يتعلق باستضافة كأس العالم 2030، التي يستعد المغرب لاستضافتها بالتعاون مع إسبانيا والبرتغال. ويسلط هذا التداخل الضوء على كيفية استخدام الرياضة في بعض الأحيان كمساعد للمناقشات الدبلوماسية، دون فصلها عن اعتبارات الشراكات والمصالح الاستراتيجية.

“صنع في المغرب”

وليس من قبيل الصدفة أن أول نشاط دبلوماسي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاردوال في المغرب كان زيارة لمصنع لصناعة الكابلات وأسلاك السيارات في منطقة بوكنادير، غير البعيدة عن الرباط. وتعكس المحطة بوضوح إعطاء برلين الأولوية للتعاون الاقتصادي مع الرباط في وضع دولي حساس يتسم بقضايا الطاقة والتوترات الجيوسياسية.

وقال باديفول للصحفيين من قلب المصنع المملوك لشركة سوميتومو لأنظمة الأسلاك الكهربائية، إن “المغرب بمثابة جسر لنا بين قارة أوروبا وإفريقيا”، مؤكدا على متانة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث تستثمر أكثر من 300 شركة ألمانية في المملكة.

وأوضح الوزير الألماني أن سلسلة الإنتاج متشابكة، مما يعكس عمق هذا التعاون، مشيرا إلى أن الكابلات المصنعة بالمغرب ستستخدم لاحقا في السيارات الألمانية، أي أن العديد من المنتجات التي تحمل علامة “صنع في ألمانيا” تحتوي في الواقع على مكونات “صنع في المغرب”.

ولم يقتصر حديثه على قطاع السيارات، بل أشار أيضا إلى أن المغرب مصدر مهم للمواد الأولية، مما يدل على تنوع مجالات التعاون الصناعي بين البلدين.

وفي سياق التحولات العالمية في قطاع الطاقة، أكد السيد باديفول على الدور المتقدم الذي يلعبه المغرب في قطاع الطاقة المتجددة، معتبرا أن هذا القطاع يشكل آفاقا واعدة للتعاون الثنائي. وأشار إلى أنه، بالإضافة إلى المكانة الرائدة التي يتمتع بها المغرب في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على المستوى القاري، فضلا عن سعي المغرب إلى إيجاد بدائل مستدامة لمصادر الطاقة، فإنه يتابع باهتمام طموح المغرب ليصبح أحد أبرز المنتجين العالميين للهيدروجين الأخضر.

“قضية الصحراء سيتم حلها عبر المفاوضات”

وفي إشارة إلى موقف ألمانيا من قضية الصحراء الغربية، أعلن المغرب في مايو/أيار 2021، استدعاء سفيره إلى برلين للتشاور، متذرعا بـ”مواقف عدائية تنتهك المصالح العليا للمملكة”، لكن البلدين اتفقا على استئناف العلاقات من جديد سنة 2022.

وخلال زيارة للرباط نهاية أبريل/نيسان، أعرب الوديفول عن ثقته في التوصل إلى حل سياسي لنزاع الصحراء الغربية. وشدد على أنه من الواضح أن “الحل السياسي العادل والدائم والمقبول من الطرفين لا يمكن التوصل إليه إلا من خلال المفاوضات”، بحسب وكالة فرانس برس.

في غضون ذلك، عقد وزير الخارجية الألماني ندوة صحفية يوم 30 أبريل 2026 بمقر وزارة الخارجية المغربية وأيد فيها القرار الأممي رقم 2797 الذي يعتبر مخطط الحكم الذاتي المغربي (المقدم عام 2007) إطارا للمفاوضات “يمكن أن تكون إحدى النتائج الأكثر قابلية للتطبيق”. كما أكد مجددا موقف ألمانيا بأن خطة الحكم الذاتي هي أساس المفاوضات بين طرفي الصراع.

ويعتبر المغرب الآن ثاني أكبر شريك تجاري لألمانيا في أفريقيا، والعلاقات الاقتصادية تتطور بشكل إيجابي. وفي ختام زيارته للمغرب، قال وزير الخارجية الألماني يوهان واديفور، في تصريح للصحافيين، إن الزيارة كانت ناجحة وإيجابية، مشيرا إلى أنه تبادل وجهات النظر حول العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك. وأضاف أن المباحثات تعكس مستوى العلاقات القائمة بين الرباط وبرلين وفرص التعاون في المرحلة المقبلة..

المحرر: سارة شلالا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button