بين الوعد بتوفير فرص العمل والقوة الشرائية.. أين ذهبت الثقافة من مسار الحملة الانتخابية؟

ومع استمرار الأحزاب السياسية المغربية في الإعلان عن خططها الانتخابية وهي في طليعة القضايا الاقتصادية والاجتماعية مثل زيادة القوة الشرائية ودعم الشباب وخلق فرص العمل وتشجيع الاستثمار والإصلاحات الكبرى، فإن الالتزامات الظاهرية تجاه الناخبين والثقافة والفنون تبدو أقل حضورا في هذه الحملة الانتخابية، سواء من حيث المساحة المخصصة أو طبيعة الالتزامات المقترحة لدفع هذا القطاع إلى الأمام.
وحتى الآن، واصلت العديد من الأحزاب السياسية الكشف عن برامجها الانتخابية، لكن لا يبدو أن الثقافة والفنون موضوع بارز في معظم البرامج الانتخابية المعلنة. وباستثناء المقاربات الأكثر وضوحا وتفصيلا التي اتبعتها الأحزاب التقدمية والاشتراكية وائتلاف القوى الشعبية الاشتراكية، فإن الاعتراف المعلن يهيمن عليه التركيز على القضايا الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية الرئيسية، بالإضافة إلى قضايا الشباب والعمل والخدمة العامة.
ولا يعني هذا الإغفال بالضرورة أن الثقافة لا تظهر في الخطاب الانتخابي على الإطلاق، بل يتعلق بمدى ترجمة الثقافة إلى التزامات سياسية واضحة قابلة للقياس، وقابلة للتنفيذ، ومدعومة بموارد مالية وإدارية محددة. وهو سؤال يعيد إلى الواجهة مسألة مكانة الثقافة في الأولويات العامة، خاصة في بلد راكمت في السنوات الأخيرة استثمارات ومشاريع ومؤسسات في مجالات السينما والمسرح والتراث والصناعات الإبداعية الثقافية.
ولا تقتصر الثقافة على إنتاج الأعمال الفنية وتنظيم المهرجانات فحسب، بل تتعلق أيضا بالتعليم والتنمية والحفاظ على الذاكرة الجماعية والتنمية الجهوية وخلق فرص العمل وتطوير الصناعات الإبداعية وتحسين صورة المغرب في الخارج.
ومن هذا المنطلق، فإن حضوره المحدود في خطط الحزب يفتح جدلا أوسع حول ما إذا كانت الأحزاب تعتبر هذا القطاع مجالا تنمويا مستقلا أم ملفا ثانويا يمكن تأجيله في مواجهة ضغوط الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
التقدم والاشتراكية.. الثقافة كحق وقوة دافعة للتنمية
ويقدم الحزب التقدمي الاشتراكي رؤية أكثر تفصيلاً للقطاع الثقافي ضمن برنامجه، مع محور “الثقافة والفنون: الحقوق العالمية، ورافعات التنمية، وأسس التعايش”. ويستند هذا إلى حقيقة أن المغرب يعتبر صاحب موارد ثقافية استثنائية، والتي يشير الحزب إلى أنها لا تزال غير مستثمرة، نظرا لاستمرار الفوارق الإقليمية في الوصول إلى رأس المال غير المادي للبلاد.
وفي هذا الصدد، يقترح الحزب اعتماد ميثاق أمة ثقافية يجعل من الثقافة ملكية جماعية مشتركة متاحة للجميع رجالا ونساء، وركيزة للمواطنة، ووسيلة لتعزيز السيادة الوطنية، ومحركا للنمو ورافعة للتألق.
وفي بند “الثقافة للجميع”، وعد الحزب بجعل قراءة كتاب واحد كل ثلاثة أشهر في المؤسسات التعليمية، وجعل التعليم الفني إلزاميا في جميع المؤسسات التعليمية، وزيادة متوسط وقت القراءة لجميع المواطنين بمقدار خمس مرات.
ومن المقترح أيضًا تقديم “قسائم ثقافية” معفاة من الضرائب بقيمة 1000 درهم سنويا لمليوني أسرة من ذوي الدخل المحدود، مما يسمح للأسر المتضررة بالاستفادة من المنتجات والخدمات الثقافية، فضلا عن إنشاء “يوم للزي التقليدي” مرة واحدة في الشهر لإبراز مهارات الحرفيين التقليديين المغاربة وتقدير الفن المغربي.
وتتجاوز هذه الرؤية توسيع نطاق الوصول إلى الثقافة، بل تربط القطاع مباشرة بالتنمية الاقتصادية. ويقترح الحزب زيادة الحضور في المؤسسات الثقافية بنسبة 50%، وإنشاء 300 مؤسسة ثقافية مجاورة و100 مساحة ثقافية متعددة الوظائف، وإصلاح جميع المؤسسات الثقافية المغلقة.
وفي مجال الصناعات الثقافية والإبداعية، يهدف البرنامج إلى دعم 1000 شركة ناشئة في القطاع الثقافي من خلال الاحتضان والتمويل، وزيادة مساهمة القطاع إلى 4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي وخلق 150 ألف منصب شغل، بالإضافة إلى دعم تصدير المنتجات الثقافية المغربية.
وعلى مستوى الحوكمة، يقترح رفع الموارد المالية المخصصة للثقافة إلى مستوى يعادل 1% من إجمالي الإنفاق العام، وتوفير نظام حماية اجتماعية خاص للفنانين والمؤلفين، وسن قانون يوفر نظاما أساسيا للفنانين والكتاب.
وتشمل الرؤية أيضًا تدريب 5000 أستاذ فنون، ورقمنة وفهرسة التراث الوطني، وتسجيل 200 عنصر تراثي إضافي كل عام.
ويقدر الحزب الغطاء المالي الإضافي لتنفيذ هذه الالتزامات في القطاع الثقافي بـ 20 مليار درهم على مدى خمس سنوات، وبموجب هذه الرؤية ستتجاوز الثقافة الدعم الظرفي للأنشطة الفنية لتصبح مجالاً للاستثمار في البنية التحتية الثقافية والموارد البشرية والصناعات الإبداعية والتراث.
التحالف الاشتراكي.. البنية الثقافية، الإنتاج الفكري، العدالة المكانية
ومن ناحية أخرى، يضع حزب الاتحاد الشعبي الاشتراكي الثقافة في بيانه الانتخابي من خلال محاور «الثقافة الحية، والبنية التحتية، والإنتاج الفكري، والعدالة الثقافية والمكانية»، ويقدم سلسلة من الإجراءات المتعلقة بتوسيع البنى الثقافية، ودعم الإنتاج الفكري، وتحقيق العدالة المكانية.
ويتضمن البرنامج إحداث وتجديد 50 دار سينما و50 مسرحا بمختلف المناطق، بهدف ربط الاستثمارات في البنية التحتية الثقافية بإيجاد فرص الشغل والحد من البطالة.
ويُقترح أيضًا تخصيص إعانات مالية مباشرة للمؤلفين والمؤلفين والناشرين، مما يعكس الاتجاه نحو دعم سلاسل الإنتاج الثقافي، وليس فقط لتمويل العروض والأنشطة، ودعم نشر 5000 عنوان سنويًا مطبوعًا ورقميًا.
وبالإضافة إلى زيادة ميزانية القطاع الثقافي إلى ما يعادل 1% من الميزانية العامة للدولة، تتضمن هذه الرؤية أيضًا إنشاء 200 مكتبة عامة وأحياء، ورقمنة محتوياتها، وإتاحتها مجانًا للطلاب.
واكريم: الثقافة والفنون ليست أولوية سياسية
ويرى الناقد الفني عبد الكريم واكريم أن حضور الثقافة والفن في البرامج السياسية المغربية غالبا ما يكون له تأثير محدود، سواء كانت الثقافة حاضرة بشكل مباشر في البرنامج أم لا. ويرجع ذلك إلى أن وجود الفنانين في المشهد الحزبي لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير ملموس في موقع هذا القطاع في السياسة العامة.
وقال واكريم في تصريح لـ”العمق” إن الثقافة والفنون اعتبرتها الحكومات والأحزاب السياسية المتعاقبة نوعاً من الرفاهية وليس أولوية أساسية، وهو تصور قال إنه ينعكس أيضاً في النقاش العام وآراء بعض شرائح المجتمع حول أهمية القطاع.
وأكد الناقد أن الإنسان لا يعيش على الخبز وحده، لأن الثقافة والفن في نظره غذاء الروح والفكر، وأن احتياجات المجتمع لا يمكن اختزالها في الجوانب المادية فقط، لافتا إلى أن الاستمرار في تناول الثقافة بهذه الطريقة يعني حرمان المجتمع من أحد العناصر التي تشكل الإنسان وتطور الوعي والحس والقدرة على التفكير والإبداع.
وقارن واكريم هذا الوضع بالوضع الموجود في البلدان ذات التقاليد الثقافية والفنية العريقة. وهناك يتمتع المفكرون والمثقفون والفنانون بمواقع شرف، وتتحول الأماكن التي عاشوا فيها وارتبطت بتجاربهم إلى متاحف ومزارات ومساحات تجذب الزوار، وتصبح بدورها جزءًا من الاقتصاد الثقافي.
ويرى المعلق أن المغرب بحاجة إلى تحقيق المزيد من التقدم في هذا المجال، باعتبار أن الثقافة لم تصبح بعد أولوية سياسية ذات تأثير ملموس حقيقي، سواء أدرجت في النظام الانتخابي أم لا.
وأشار واكريم إلى أن مشاركة بعض الفنانين في الساحة السياسية بصفات مختلفة لم تساعد في إحداث التغييرات اللازمة في وضع الثقافة والفنون، مؤكدا أنه في بعض الحالات، يمكن أن يظل الاستعانة بالفنانين خلال الحملات الانتخابية مرتبطا بالصورة والتواصل والمصلحة العامة، وليس برؤية واضحة للسياسة الثقافية.
#بين #الوعد #بتوفير #فرص #العمل #والقوة #الشرائية. #أين #ذهبت #الثقافة #من #مسار #الحملة #الانتخابية




