هدر الطعام في المغرب.. الخبز يتصدر قائمة الطعام المهدر

استسلم إيمجوري
كشفت بيانات مسح حديث حول العادات الغذائية للأسر المغربية، أن الخبز يبرز من بين أكثر الأطعمة التي يتم رميها في القمامة، في وقت لم تعد مستويات دخل الأسرة تعتبر عاملا حاسما في تحديد كمية الطعام التي يتم التخلص منها. وهذا يعيد النقاش حول هدر الطعام في المغرب إلى تفاصيل الحياة اليومية وكيفية إدارة الأسر لمشترياتها ووجباتها.
وأظهرت النتائج أنه مقارنة بالعديد من العناصر الأخرى، مثل اللحوم والأسماك ومشتقات الألبان والخضروات والفواكه، يتصدر الخبز المنتجات الغذائية المعرضة للهدر، نظرا لأن الخبز موجود على مائدة الأسرة كل يوم تقريبا، ويتم شراؤه دائما بكميات تتجاوز في بعض الأحيان الاحتياجات الفعلية، وبالتالي فهو يرتبط بالعادات الغذائية الراسخة في المجتمع المغربي.
هذا الوضع له علاقة كبيرة بطبيعة الخبز نفسه. لأن الخبز من الأطعمة التي تفقد بعضاً من جودتها بسرعة مع مرور الوقت، خاصة إذا لم يتم تناولها في ذلك اليوم. عندما يتغير قوام الخبز أو يفقد نضارته، ينتهي الأمر ببعض الأسر إلى التخلص منه بدلاً من تخزينه أو تحويله إلى وصفات أخرى، مما يزيد من كمية النفايات التي تتراكم على مدار الأيام والأسابيع.
ويكشف انتشار هدر الخبز عن المفارقة الواضحة المتمثلة في أن منتجات الخبز، التي تعتبر أحد الركائز الأساسية في النظام الغذائي المغربي وتحتل مكانة مهمة في النظام الغذائي اليومي، أصبحت في الوقت نفسه من أكثر الأطعمة التي يتم التخلص منها. وهذا يعني أن قيمة الغذاء لا تقاس بسعره وقت الشراء فحسب، بل أيضا بالموارد المستخدمة في إنتاجه ونقله ووضعه على أطباق المستهلكين.
يستهلك إنتاج الخبز الموارد في سلسلة طويلة قبل أن يصل إلى المنزل، بدءاً من زراعة الحبوب، مروراً بالمياه والطاقة والنقل والطحن والتصنيع، وأخيراً إلى عملية البيع والاستهلاك. ولذلك فإن التخلص من قطعة خبز لا يعني خسارة مادية بسيطة فحسب، بل يعكس أيضاً هدر سلسلة من الموارد التي ساهمت في إنتاج الخبز منذ مراحله الأولى.
وتظهر النتائج نفسها أن اللحوم والأسماك يتم التعامل معها بشكل مختلف لأنها أغلى من الخبز والعديد من العناصر اليومية الأخرى، وغالباً ما تتطلب من الأسر التخطيط عند شرائها، والحذر بشأن الكمية التي تعدها، ومحاولة الاستفادة منها قبل انتهاء صلاحيتها. وهذا يدل على أن سعر المنتج يمكن أن يؤثر على كيفية التخلص منه، ولكن هذا وحده لا يكفي لتفسير ظاهرة النفايات المنزلية.
وتدحض هذه البيانات وجود علاقة إحصائية واضحة بين دخل الأسرة وكمية الطعام المهدر، مما يضع بعض المعتقدات الشائعة أمام اختبار حقيقي. إن زيادة الدخل لا تعني بالضرورة أن الأسر تهدر المزيد من الطعام، كما أن الدخل المحدود لا يمنع بالضرورة حدوث الهدر. وهذا يدل على أن سلوك المستهلك وكيفية إدارة الغذاء يمكن أن يكون لها تأثير أكبر من القوة الشرائية.
تلعب طريقة تسوقك دورًا مهمًا في تحديد كمية الطعام المتبقية في المنزل غير المستهلكة. إذا اشتريت بكميات كبيرة للاستفادة من العروض الخاصة أو لأنك تريد تجنب العودة المتكررة إلى المتجر، فيمكنك تجميع العناصر التي لن تصل إلى طاولتك في الوقت المناسب. وأيضًا، من خلال عدم التخطيط لوجبات الطعام مسبقًا، قد ينتهي الأمر بالعائلات إلى شراء طعام أكثر مما تحتاجه بالفعل.
خاصة عند إعداد وجبات تتجاوز عدد الأشخاص على الطاولة، فإن كمية الطعام المطبوخ بالتسلسل يمكن أن تسبب كمية كبيرة من النفايات. إذا بقيت كمية كبيرة من الطعام بعد الوجبة، فقد تتغير الرغبة في تناولها أو لا توجد ظروف تخزين مناسبة، فلا يمكن استهلاك هذه البقايا في اليوم التالي وينتهي بها الأمر كنفايات منزلية.
تؤثر كيفية تخزين الطعام أيضًا على مصيره. قد يؤدي عدم التنظيم أو التخزين غير المناسب في الثلاجة إلى إفساد بعض المكونات قبل استهلاكها. وفي أحيان أخرى ننسى تاريخ شراء المنتجات أو لا ننظم المواد حسب أولويات الاستهلاك. قد تبدو هذه الأمور بسيطة، ولكن إذا تكررت، فإنها يمكن أن تساهم بشكل مباشر في زيادة هدر الطعام.
ركزت البيانات الميدانية، بما في ذلك 442 مشاركا من الأسر في ولاية القنيطرة، على أولئك الذين يشترون الطعام ويعدونه ويديرونه داخل الأسرة، مما يسلط الضوء على أهمية فهم السلوك الغذائي من منظور الحياة اليومية. تعود البيانات التي تم جمعها إلى الفترة من يناير إلى يونيو 2022 وتوفر مؤشرا لمجموعة من العادات المتعلقة بإدارة النظام الغذائي داخل الأسر التي شملتها الدراسة.
وتستند هذه البيانات إلى تصريحات المشاركين حول سلوكهم الغذائي ونفاياتهم، بدلاً من العملية المباشرة لوزن نفايات الطعام في أسرهم. ولذلك، لا تزال هناك حاجة إلى إجراء أبحاث موسعة تعتمد على القياسات الفعلية للكمية التي يتم التخلص منها، حتى يمكن تحديد حجم الظاهرة بشكل أكثر دقة ومعرفة القيمة الاقتصادية والغذائية للمواد التي يتم التخلص منها كل يوم.
وتفتح هذه النتائج الباب أمام ضرورة توسيع الدراسة لتشمل مختلف مناطق المغرب، مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات الكبيرة في العادات الغذائية وأنماط الاستهلاك بين المدن والقرى وبين مختلف الفئات الاجتماعية. تختلف أسباب هدر الطعام حسب المنطقة، كما أن طبيعة الأسرة وعدد أفرادها ومستوى تخطيط الوجبات وعادات التسوق والتخزين يمكن أن تؤثر أيضًا على القرارات المتعلقة بكمية الطعام التي يجب التخلص منها.
كما تثير ظاهرة هدر الطعام في المغرب التساؤل حول كيفية تحويل العادات اليومية الصغيرة إلى عادات أكثر عقلانية. ويمكن للعائلات أن تبدأ بخطوات بسيطة مثل تحديد احتياجاتها قبل التسوق، وشراء الكمية المناسبة، وترتيب الطعام حسب أيام الأكل، والاستفادة من بقايا الوجبات. بالإضافة إلى ذلك، يمكن تخزين الخبز للاستهلاك على المدى الطويل أو دمجه في مجموعة متنوعة من الوصفات الغذائية.
ومن ناحية أخرى، فإن معالجة الهدر تتطلب وعياً جماعياً لا يقتصر على العائلات فحسب، بل يشمل حلقات مختلفة في السلسلة الغذائية. ويصبح الحد من النفايات جزءا من ترشيد الاستهلاك والحفاظ على الموارد، حيث أن كل ناتج لا يصل إلى المستهلك يعني استهلاك الموارد والوقت والطاقة دون تحقيق الفوائد المطلوبة.
ورغم أن النتائج تؤكد بشكل قاطع أن الخبز يحتل مكانة مهمة في قائمة الأطعمة التي تتخلص منها الأسر التي شملتها الدراسة، إلا أن تفسير هذه الظاهرة لا يمكن تقليصه إلى مستوى الدخل. وراء كل قطعة خبز يتم التخلص منها تكمن طريقة شرائها أو تخزينها أو تحضيرها أو استهلاكها، مما يجعل التغييرات في السلوك اليومي عنصرا أساسيا في الحد من هدر الطعام في المغرب وما يرتبط به من خسائر مادية وغذائية وبيئية.




