مجتمع

سبتة ومليلية

سبتة ومليلية: لماذا من الحكمة عدم فتح الملف الآن؟

أعادت أزمة سبتة الأخيرة وما نتج عنها من تصعيد سياسي وإعلامي في إسبانيا، قضية سبتة ومليلية والجزر إلى واجهة الجدل المغربي. وبطبيعة الحال، كانت هناك مطالبات للدولة بالرد بقوة ونشر الملف علناً، خاصة بعد أن تجاوز بعض الخطاب الإسباني عتبة الخلاف السياسي لإهانة المغرب والمغاربة، وتصاعدت القضية إلى حد تمزيق العلم المغربي على أيدي مسؤولين في تيار يميني متطرف على هامش الاحتجاجات التي شهدتها إسبانيا يوم 2 سبتمبر. أما بالنسبة للاحتجاجات الأوسع نطاقا، فإن معظمها كان ضد النهج الإسباني. وكانت الحكومة تتعامل مع أزمة سبتة قبل أن تستغلها حركات اليمين واليمين المتطرف لتوجيه غضبها ضد المغرب والمهاجرين.

إن غضب المغاربة له ما يبرره. ولكن السياسات الخارجية التي تنتهجها البلدان لا يمكن إدارتها بالغضب، ولا ينبغي لها أن تدار بالمنطق الرجعي. وهنا على وجه الخصوص، يبدو أن الدولة المغربية تتصرف بمنطق مختلف. لن ينسى الملف أو يتخلى عنه، لكنه غير مهتم بفتحه الآن.

في رأيي، هذا هو مسار العمل الأكثر منطقية.
واللافت في هذه الأزمة هو أن الرباط، رغم الضجيج الإسباني، لم تندفع إلى حرب شاملة. لكنها أرسلت رسالتين مختلفتين في نفس الوقت تقريبًا تستحقان القراءة بعناية.

الرسالة الأولى جاءت من وزير العدل عبد اللطيف وهبي، وهو وزير سياسي ذو خلفية حزبية، تحدث عن حقوق المغرب التاريخية والجغرافية في سبتة ومليلية، مؤكدا على الحوار والصبر على المدى الطويل. الرسالة هنا واضحة. قضية سبتة ومليلية لم تختف من الذاكرة المغربية، ولم يتخل المغاربة عن موقفهم من هذه القضية.

أما الرسالة الثانية فكانت ألطف، لكنها ربما كانت أثقل. وبحضور جلالة الملك، استدعى وزير الأوقاف أحمد التوفيق القاضي عياض والقاضي الصافي علماء مدينة سبتة، وتحدثوا عن التعبئة التاريخية للمغاربة من أجل “تحرير المدن المحتلة”. ولا تشير الوثائق الرسمية إلى سبتة نفسها على أنها “مدينة محتلة” في ذلك الوقت، ولم تكن هناك حاجة لذلك.

هذا هو المكان الذي تأتي فيه قوة الإشارة.

البيان الأول سياسي ومباشر. والثاني تاريخي ورمزي ومحسوب بعناية. وأخذت مدريد حادثة الاثنين على محمل الجد واستدعت السفير المغربي للاحتجاج على تصريحات الوزراء.

وهل كان هناك تنسيق مباشر بين الرسالتين؟ لا يوجد دليل على ذلك. ولكن سواء كان الأمر يتعلق بالتنسيق المتعمد أو مجرد الانسجام في منطق إدارة الدولة، فإن النتيجة واحدة. المجتمع المغربي يتذكر ويطالب، والدولة تتذكر، لكن الدولة هي التي تتحكم في التوقيت.

وهذا التمييز ضروري.

إن الأمة المغربية لها تفسير أوسع من مشاعر اللحظة. ونحن نعلم أن الحكومة الآن ليس لديها مصلحة في تصعيد سبتة ومليلية إلى أزمة مفتوحة مع أسبانيا، ولا في إضافة نزاع مرير آخر إلى العلاقات مع مدريد والاتحاد الأوروبي. وتعلم إسبانيا أنه بدون التعاون الوثيق مع المغرب، لن تكون قادرة على ضمان أمن حدودها الجنوبية، ولن تكون قادرة على إدارة قضايا الهجرة والجريمة عبر الحدود والإرهاب وقضايا التجارة. والأزمة نفسها أكدت ذلك. تحدثت وزارة الخارجية الإسبانية علناً عن جهودها الدبلوماسية المشتركة مع المغرب لإدارة الوضع في سبتة وإعادة المهاجرين، والأهمية التي توليها مدريد لهذا التعاون.

وسوف تواجه أي حكومة إسبانية مستقبلية نفس المعادلة في نهاية المطاف، حتى لو كان يقودها حزب يميني يرفع مستوى خطابه ضد المغرب اليوم. إن الخطب الانتخابية والمصالح الوطنية والجغرافيا أشياء مختلفة.

ولكن هناك عنصر آخر في هذه المعادلة لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه. أي أنه في الوضع الحالي، تعتبر سبتة ومليلية وجزرهما أكثر أهمية من الناحية الإستراتيجية بالنسبة لإسبانيا منها بالنسبة للمغرب.

وهذه ليست مجرد مبالغة خطابية مغربية. وتسلط وثيقة التفكير الاستراتيجي الصادرة عن وزارة الدفاع الإسبانية الضوء على الأهمية الجيوسياسية غير العادية للمدينتين. وهاتان نقطتا تقدم لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في شمال أفريقيا، وتعتبران مؤشرين لرصد التحول الأمني ​​في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. وفيما يتعلق بسبتة على وجه الخصوص، فهي تمنح إسبانيا موقعا استراتيجيا على الساحل الجنوبي لمضيق جبل طارق، وتعزز قدرتها على مراقبة أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

بالنسبة لمدريد، هذه القضية ليست رمزية فقط. إنها مسألة أمن واستراتيجية ونفوذ ومكانة في منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​وأوروبا.

أما المغرب، فمن المؤكد أنه يتمتع بروابط تاريخية ووطنية ورمزية عميقة مع سبتة ومليلية والجزر، لكن الحاجة الاستراتيجية المباشرة لها اليوم ليست كبيرة. كلمة “اليوم” هذه مهمة جدًا.

وهنا يتحول ما يبدو للبعض على أنه “تردد” المغرب إلى مصدر قوة مساومة.

في السياسة، لا يتم تحديد قيمة الورقة فقط بما تعنيه بالنسبة لك، ولكن أيضًا بما تعنيه للشخص الآخر. إذا أدرك الشخص الآخر أنك مهم بينما يمكنك الانتظار، فإن الانتظار بحد ذاته يصبح قوة.

إن إسبانيا تحتاج إلى بقاء سبتة ومليلية تحت سيطرتها أكثر مما يحتاج المغرب إلى استعادتهما على الفور في ظل الظروف الحالية.

وهذا الاختلال في الاحتياجات هو الذي يجعل هذا الملف قطعة من الورق تساوي وزنها ذهباً عندما يتعلق الأمر بالرباط.

وهذا لا يعني أنه تم الإعلان عن اتفاق «سبتة ومليلية مقابل الصحراء الكبرى»، ولا ينبغي اختزال العلاقات الدولية في مثل هذه المقايضات البسيطة. لكن البلدان تقرأ بعضها البعض من خلال مجموع الأوراق، والمصالح، وتوازنات القوى. وتعلم مدريد أنه كلما كانت علاقاتها مع الرباط أكثر استقرارا، كلما كان من الأسهل لكلتا المدينتين الحفاظ على الوضع الراهن. كما ندرك أن توتر العلاقات مع المغرب سيزيد من التكاليف الاقتصادية والأمنية والسياسية المرتبطة بهذا الملف.

ولذلك فمن المنطقي أنه مقابل الحفاظ على علاقات مستقرة تمنع سبتة ومليلية من الوقوع في صراع سياسي مفتوح، فإن إسبانيا ستبذل قصارى جهدها لبناء شراكة قوية مع المغرب وتكون مستعدة لتقديم تنازلات وتفاهمات بشأن القضايا المتعلقة بالرباط.

وهنا تنتظر المخابرات المغربية.

إذا كان المغرب يستطيع الاحتفاظ بهذه البطاقة، فلماذا هي ذات قيمة كبيرة الآن؟

استعادة مدينتين يعني فقط استعادة مدينتين. أما إبقاء الملف مفتوحا دون تصعيده إلى صراع، فإنه سيعطي المغرب ورقة دائمة في علاقاته مع إسبانيا في القضايا الاستراتيجية الرئيسية المتعلقة بالأمن والهجرة والتجارة والتعاون الاقتصادي والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وبالطبع الرباط.

والأهم من ذلك، أن الوقت ليس بالضرورة ضد المغرب في هذه الحالة.

وعلى الرغم من أن سبتة ومليلية جزء من المغرب جغرافيا وتعتمدان بدرجات متفاوتة على علاقاتهما مع المغرب المحيط، فقد أظهرت الأزمات المتعاقبة مدى حساسية وضعهما تجاه الحدود الوطنية والاضطرابات الاقتصادية. ومن ناحية أخرى، بالنسبة للمغرب، ليس هناك من يتعجل في اتخاذ القرار.

في رأيي، هذا هو السبب الذي يجعل الرباط تبدو في وضع مريح للغاية. فلا داعي لخلق أزمة أو رفع شعارات كل يوم أو تحديد موعد نهائي لتعافي المدينتين. يكفي أن تتحقق من وقت لآخر من أنه لم يتم مسح سجلك وأن ملفاتك لم يتم إغلاقها.

إذن ما هو المطلوب من المغاربة أمام الانتهاكات التي شهدوها في إسبانيا؟

وهنا يجب علينا مرة أخرى أن نميز بين الدولة والمجتمع.

ويتعين على الدول أن تستمر في القيام بما فعلته دائماً: الحفاظ على الهدوء وضبط النفس، وحماية مصالحها، وعدم السماح للعواطف بأن تحدد أجندتها الدبلوماسية.

للمجتمع المدني والناشطين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الحق في إسماع أصواتهم بطريقة سلمية وقانونية وحضارية. ويمكن تنظيم وقفات رمزية صغيرة أو متوسطة الحجم لتحمل رسالتين متميزتين لا أكثر.

أولا، إن إهانة المغرب والمغاربة وإنزال العلم الوطني ليست “حرية تعبير” يمكن تمريرها وكأن شيئا لم يحدث، لكن المغاربة يرفضون خطاب الكراهية والاستفزازات التي تطلقها بعض الحركات السياسية في إسبانيا.

ثانياً، والأهم، أن سبتة ومليلية وجزرهما ليست أسماء يتذكرها المغاربة. لقد تم تأسيسها كجزء من الذاكرة الجماعية للمغاربة، والمطالبة باستعادتها ستظل قائمة مهما طال الزمن.

لكن الأمة لا تحتاج إلى أن تفعل اليوم ما قد يكون من مصلحتها الوطنية أن تفعله غداً.

الناس يحتفظون بالذكريات، لكن الدول تختار التوقيت.

ومن الحكمة أن تظل قضية سبتة مليلية حية في الوعي المغربي، وأن تدرك مدريد أنها لم تمت بعد ولن تموت أبدا، دون تحويلها إلى صراع يقوض مصالح المغرب اليوم.

في السياسة، لا يتم تحديد القوة بالضرورة من خلال لعب الورق.

في بعض الأحيان تكمن القوة الحقيقية في معرفة الخصم أن لديك بطاقة، ومعرفة أنه يمكنك الانتظار، وعدم معرفة متى تلعبها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button